قصة مجهولة رواها الرئيس عبد الفتاح السيسي تؤكد أخلاق الجيش المصري - منذ أصبح لمصر جيش يحميها - فى مواجهة لا أخلاقيات الإرهابيين ، أثناء مقاومة مصر شعبا وحكومة لموجة الإرهاب التى شنها " الخوان المسلمون " – حسب تعبير العقاد - على الدولة المصرية التى استولوا عليها بقناع الإسلام وشعاراته التى رفعوها زورا وبهتانا ، حتى إذا تمكنوا من ناصية الحكم سقط القناع عن العقول المظلمة ، لتنكشف حقيقتهم الفاشية ، وأن الإسلام الذى يتسمون باسمه هو منهم براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب ،
ومن ثم انتفض المصريون قياما بثورتهم فى 30 يونيو 2013 لتصحيح الأمور بإسقاطهم لدولة المرشد، واستجاب الجيش لنداء الشعب، وهنا سحب الإخوان يدهم التى كانوا يصافحون بها الشعب خداعا ، لتظهر يدهم الأخرى الغادرة الملوثة بالدماء، والتي تحمل السكين لطعن الشعب بكل مكوناته لا تستثني منه أحدا سواء من المواطنين أو رجال الجيش والشرطة ، مسلمون أو مسيحيون ، ناهيك عن تفجير المساجد والكنائس . وبينما كانت أذرع الإخوان الإرهابية لا تراعي دينا ولا أخلاقا ، كانت الدولة المصرية تراعي الدين والأخلاق حتى وهي تقاوم إرهاب الإخوان ، وهو ما كشف عنه الرئيس عبد الفتاح السبسي فى حديث له فى شهر مارس 2015 حينما قال :
" أول مرة أتكلم فى هذا الموضوع .. ففي شهر رمضان الماضي كان هناك عدد ضخم من العناصر الإرهابية فى سيناء ، ورفضنا قصفهم لوجود أطفال ونساء – وأضاف الرئيس : وأنا أقول ذلك حتى يعلم الجميع كيف نتعامل مع مثل هذه الأمور بصبر وحلم وقيم نعتنقها ونقوم بتنفيذها " – أو ليس الحلم والصبر والقيم من تعاليم الإسلام التى يدعيها إرهابيو الإخوان لأنفسهم ولا يعملون بها .
ولم يكن سلوك الجيش المصري مع الإرهابيين إلا تعبيرا عن مصر الراقية المتسامحة ، ووسطية دينها ، وتحضر شعبها ، وحكمة حكامها ونبذهم للعنف والإرهاب كسياسة حكم ، ومنهج سلوك ، ولنتصفح بعضا من تاريخهم ..
يروي الرئيس جمال عبد الناصر – أثناء أن كان ضابطا بالجيش المصري - فى كتابه " فلسفة الثورة " :
" وأعترف – ولعل النائب العام لا يؤاخذني بهذا الاعتراف – أن الاغتيالات السياسية توهجت فى خيالي المشتعل فى تلك الفترة ، على أنها العمل الإيجابي الذى لا مفر من الإقدام عليه إذا كان يجب أن ننقذ مستقبل وطننا .. وفكرت فى اغتيال كثيرين وجدت أنهم العقبات التى تقف بين وطننا وبين مستقبله ، ورحت أفند جرائمهم ، وأضع نفسي موضع الحكم على أعمالهم ، وعلى الأضرار التى ألحقتها بهذا الوطن ، ثم أشفع ذلك كله بالحكم الذى يجب أن يصدر عليهم .. وفكرت فى اغتيال الملك السابق وبعض رجاله الذين كانوا يعبثون بمقدساتنا ، ولم أكن وحدي فى هذا التفكير .
والحق أنني لم أكن فى أعماقي مستريحا إلى تصور العنف على أنه العمل الإيجابي الذى يتعين علينا أن ننقذ به مستقبل وطننا .
كان فى نفسي حيرة ، تمتزج فيها عوامل من الوطنية ومن الدين ، ومن الرحمة ومن القسوة ، ومن الإيمان ومن الشك ، ومن العلم ومن الجهل .
ورويدا رويدا وجدت فكرة الاغتيالات السياسية التى توهجت فى خيالي ، تخبو جذوتها وتفقد قيمتها فى قلبي كتحقيق للعمل الإيجابي المنتظر .
واخترنا واحدا قلنا إنه يجب أن يزول من الطريق ، ودرسنا ظروف حياة هذا الواحد ووضعنا الخطة بالتفاصيل .
وسار كل شئ طبقا لما تصورناه .. كان المسرح خاليا كما توقعنا ، وكمنت الفرق فى أماكنها التى حددت لها ، وأقبل الواحد الذى كان يجب أن يزول ، وانطلق نحوه الرصاص – وانسحبت فرقة التنفيذ وغطت انسحابها فرقة الحراسة ، وبدأت عملية الإفلات إلى النجاة ، وأدرت محرك سيارتي وانطلقت أغادر المسرح الذى شهد عملنا الإيجابي الذى رتبناه .
وفجأة دوت فى سمعي أصوات صريخ وعويل ، وولولة امرأة ، ورعب طفل ، ثم استغاثة متصلة محمومة – ووصلت إلى بيتي ، واستلقيت على فراشي ، وفى عقلي حمي ، وفى قلبي وضميري غليان متصل ، وكانت أصوات الصراخ والعويل والولولة والاستغاثة مازالت تطرق سمعي .. ولم أنم طوال الليل . وأقول لنفسي وما زلت أتقلب فى فراشي فى الغرفة التى ملأها الدخان وتكاثفت فيها الانفعالات .. وإذن – وأسمع هاتفا يرد على : وإذن ماذا ؟ وأقول لنفسي في يقين هذه المرة : إذن يجب أن يتغير طريقنا .. ليس ذلك هو العمل الإيجابي الذى يجب أن نتجه إليه . المسألة أعمق جذورا وأكثر خطورة وأبعد أغوارا .
وأحس براحة نفسية صافية ، ولكن الصفاء ما يلبث أن تمزقه هو الآخر أصوات الصراخ والعويل والولولة والاستغاثة ، تلك التى ما زالت أصداؤها ترن فى أعماقي . ووجدت نفسي أقول فجأة : ليته لا يموت !
وكان عجيبا أن يطلع على الفجر وأنا أتمني الحياة للواحد الذى تمنيت له الموت فى المساء ! وهرعت فى لهفة إلى إحدى صحف الصباح .. وأسعدني أن الرجل الذى دبرت لاغتياله قد كتب له النجاة " .
قصدت من هذا الاقتباس المطول إلى تصوير حالة القلق والحيرة بين الهدف النبيل والوسيلة لتحقيقه ، فإذا كانت الوسيلة ستلوث الوصول إلى الهدف ، تتم التضحية بالهدف ، وقد رأيت كيف عاش الضابط جمال عبد الناصر ساعات من الندم والتمني ألا يكون الهدف قد تحقق حتى لا يذهب ضحيته الأبرياء ، ولعل هذا هو الخاطر الذى جاء لعبد الفتاح السيسي وهو يتخذ قراره بعدم ضرب تجمع الإرهابيين بعد أن توافرت المعلومات المخابراتية بوجود نساء وأطفال . فالبعد الإنساني الذي ينبع من قيم ديننا هو ما يحكم صاحب القرار فى مصر ، وهي صفة لم يشذ عنها بقية حكام مصر .
فالرئيس السادات رغم أن مصر كانت فى حالة حرب مع إسرائيل ، إلا أن نزعة الانتقام لم تتمكن منه لضرب المدنيين اليهود ، رغم أن إسرائيل لم تتورع عن ضرب مدرسة بحر البقر وهدمها على أطفالها ، وضرب مصنع أبو زعبل وهدمه على عماله ، وإسقاط طائرة مصرية مدنية ضلت طريقها فى سيناء أثناء احتلال إسرائيل لها ، وقد واتت السادات الفرصة للثأر لدم هؤلاء الضحايا الأبرياء – والحكاية أن القوات البحرية المصرية كان لها تواجد بالسواحل الليبية ، وكانت لديها أوامر بتنفيذ أي تكليف من القيادة الليبية وقتها فى عهد الرئيس معمر القذافي الذى أصدر أمرا لها بضرب سفينة تحمل مائتي من اليهود وهي تبحر فى عرض البحر المتوسط ، ولكن ضباط البحرية المصرية كانت لديهم – ككل ضباط أفرع القوات المسلحة المصرية - الضمير الحي والوازع الإنساني .. وهي أخلاق الجيوش المتحضرة التى تراعي القوانين الدولية فى حروبها ، ومن ثم لم تنفذ البحرية المصرية تعليمات رئيس البلد المضيف ، وأبرقت لقيادتها بالقاهرة ، وكان قرار الرئيس السادات واضحا وحاسما : أن مصر لا تقتل مدنيين حتى لو كانوا من اليهود – وهي السياسة التى ظهرت فى معركة الشرف والكرامة فى حرب أكتوبر 1973 حينما أرسل السادات رسالته السرية إلى أمريكا بأن الجيش المصري لن يعمق الاشتباكات مع إسرائيل – وهي الرسالة التى أخذها عليه خصومه ، مع أنها كانت رسالة تحذير لإسرائيل بأن مصر فى حرب شريفة تقاتل فيها العسكريين الإسرائيليين المقاتلين ، ولا شأن لها بالمدنيين ، وإذا حاولت إسرائيل فسيكون الرد بالمثل .
أما الرئيس مبارك فقد حاول الإخوان أن يلصقوا به تهمة إصدار الأوامر بقتل المدنيين أثناء أحداث يناير 2011 التى ركبها الإخوان للوصول إلى الحكم ، بينما كانوا هم الذين نشروا أتباعهم من القناصة فى ميدان التحرير لإلهاب الجماهير وإشعال حنقها على النظام للإسراع بإسقاطه ، ليكونوا البديل الجاهز له ، ولكن المشير طنطاوي وزير الدفاع فى شهادته ، وتصريحاته نفي أن تكون قد صدرت له أي أوامر بضرب المدنيين . فجيش مصر إذا كان لا يقتل المدنيين فى صراعه مع العدو ، فهل يقتل أبناء شعبه ؟ ، إن جيش مصر موجود وجاهز لحماية شعبه كما كان وسيكون .
حتى فى عصر الملكية ، رفض الملك فاروق أن ينقذ نفسه ونظامه بالدخول فى صراع مع الجيش حقنا لدماء المصريين ، وكانت ثورة يوليو على نفس القدر من التحضر فلم ترق دماء فاروق رغم الأسباب التى كانت تدعوها لمحاكمته وإعدامه ، ويكفي أنه زج بجيشه فى حرب مع اليهود فى سنة 1948 على غير استعداد ، ليكون ذلك سببا لإعدام الملك . ولكن جيش مصر فقط لأعداء مصر ، تلك هي عقيدته منذ عرفت مصر " الجندية " ، لأن مصر هي صاحبة أول حضارة طلع منها فجر الضمير .
ويفند العقاد " الأوهام الشائعة أن ملكات الحرب مناقضة لملكات الحضارة ، وأن الهمجي أصلح للحرب من الأمم التى طال عهدها بالمدنية والاجتماع ، ذلك وهم لا أساس له من الواقع ولا من التفكير الصحيح ، وغاية ما هنالك أن بواعث القتال تختلف بين الجندي من الهمج والجندي من أمم الحضارة ، فالهمجي يندفع إلى القتال بغريزة شبيهة بغريزة الحيوان ، ويستثار بحب الغنيمة أو بحب الحركة ، والحضري يندفع للقتال إيمانا بعقيدة ، وقياما بفريضة قومية " – ويرجع العقاد شرف الجندية المصرية وأخلاقياتها إلى فكرة " الأسرة " التى تظهر فى مصر كأوضح ما يكون من أي شعب آخر ، وما تعكسه هذه الفكرة من روابط وتقاليد تجمعها أواصر الرحمة والنجدة وحسن معاملة الأعداء ، أو كما يقول العقاد فى مقال له عن " الجندي المصري " : " والأمة المصرية من أعرق الأمم التى عرفت حياة الحضارة ، وعرفت حياة الأسرة على الأخص ، وخير الجيوش جيش يتأصل إحساس الأسرة فى كل جندي من جنوده وكل قائد من قادته ، فإن التعاون بين أعضائه يجري فيه مجري السليقة الموروثة ، ويساعدها النظام على هذا التعاون ، فتأتى بالمعجزات .. وهذه خاصية عرف بها المصريون فى جماعاتهم العسكرية ، فليس كبيرهم وصغيرهم فى عزلة الميدان إلا ما يكون بين الكبير والصغير فى الأسرة الواحدة ، من عطف متبادل ورعاية صادقة ونجدة حاضرة كنجدة القريب للقريب ، لأن موقف الخطر أبعث على النجدة من موقف الأمان ، وهذه الخاصية بعينها هي التى يمتاز بها الجندي المصري فى معاملة الأعداء فضلا عن الزملاء والأصدقاء ، فلم يعرف أنه يتطوع للأذى أو يتعطش للنقمة ، أو يهجم على شر لا توجبه ضرورة القتال . هذا الجندي المصري هو مثال الجندي العصري بالفطرة والتربية والتقاليد الاجتماعية . اعطه عقيدة يقاتل من أجلها ، واعطه قيادة أبوية يطمئن إليها ، وأرسله حيث تشاء ، فلن تر منه إلا ما يشرف أعظم الأمم ، وأعرق الجيوش " .
ولعل تحليل العقاد للتقاليد الأخلاقية التى تحكم شرف " الجندية المصرية " بتأصيلها لفكرة الأسرة ، هي ما جعل عبد الناصر الضابط بالجيش المصري يندم على عملية اغتيال لعميل إنجليزي ، وتطارده صرخات أسرته التى هي زوجته وأطفاله ، ويحمد الله أن العملية لم تنجح ، وقد نجا عدو الوطن ، لأن شرف الجندية يأبي على الضابط المصري أن يتورط فى عملية اغتيال مهما كان نبل غايتها ، لأن الغاية هنا لا تبرر الوسيلة غير الأخلاقية ، وكذلك ما فعله السادات مع السفينة التى تحمل اليهود ، حين رفض مهاجمتها ثأرا للمدنيين المصريين الذين اغتالتهم إسرائيل ، فدناءة العدو لا تجعل الجندية المصرية تهوي إلى مستواه الوضيع ، وكذلك فعل الرئيس السيسي حينما لم يتعامل مع إرهابيي سيناء بمستواهم المنحدر ، فرفع زناد جنوده عن إطلاق الرصاص عليهم لوجود نساء وأطفال . هذه هي رسالة الجندية المصرية ، رسالة الأسوة والقدوة الحسنة ، والتي تعكس رسالة مصر التى هي نور وسلام ، وحضارة قيم وبذل وعطاء ، جعلت المصريين عبر تاريخهم أمة ملهمة لغيرها من الأمم ، وعاشت فى ظلها كل الأديان والجنسيات بلا تفرقة أو تمييز ، مما يعكس تسامحها وتحضرها وقيمها ، وهو ما يؤكده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بقوله :
" إن المصريين يسعون للسلام والأمن والبناء والتعمير والخير " .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ما يجرى فى سوريا اليوم لم يعد حربًا تقليدية بقدر ما هو إعادة ترتيب معقدة لخرائط النفوذ ومحاولة تثبيت أمر...
أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...
لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...
عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا