موسيقار »Moon Knight« استمع إلى الشيخ إمام فوجد ما لم يتوقعه هشام نزيه: ظلمه محبوه حين حبسوه فى السياسة «هو شى منه» ذكّرتنى بإنتاج «بينك فلويد» فى السبعينيات.. تخدعك فى البداية.. ثم تتركك مسلوب الإرادة شعرتُ أن أحدًا لم يقف إلى جانبه فنيًا وتمنيت أن أسمع ثمانية عازفين يؤدون المقطوعة معه الفنان الذى يربط روحه بحدث تاريخى يقصّر عمره بيده أعظم مطرب بلا قدرات إنسانية لا تتحمله ثلاث ثوانٍ أنجح أغنية فى الميدان كانت أغنية روك.. بعدها عاد الناس إلى الشيخ إمام بعض ألحانه تستطيع أن تعيش 200 سنة أخرى
لم يعرف هشام نزيه الشيخ إمام شخصيا، لم يكن من جيل الستينيات والسبعينيات الذي هتف بأغانيه فى الجامعات، نزيه مستمع عرف الشيخ متأخرا، سمعه بأذن موسيقية لا بذاكرة سياسية.
ُوُلِد نزيه عام 1972، فى سنة تخرجه فى كلية الهندسة جامعة القاهرة، أَلّف موسيقى فيلم "هستيريا"، وسنة وراء سنة، أصبح من أبرز مؤلفى الموسيقى التصويرية فى العالم العربى، له أكثر من 35 عملا سينمائيًا وتلفزيونيًا، أَلّف موسيقى "موكب المومياوات الملكية" فى 2021، لكن الكلمات الصوفية فى تتر "السبع وصايا" على إيقاع الروك الغربى، وعالميا هو صاحب الموسيقى التصويرية لمسلسل Moon Knight الأمريكى، وكان أول مؤلف موسيقى مصرى يُدعى إلى عضوية اللجنة المصوّتة فى جوائز الأوسكار.
من هنا تأتي قيمة شهادة هشام نزيه، لأنه لا يسأل الشيخ إمام: ماذا قال؟ بل يسأل: ماذا فى موسيقاه؟، ماذا يبقى منها إذا أسقطناها عنها السياسة والمعارضة وتحدى السلطة؟
ملحوظة: سُجل هذا الحوار عام ٢٠١١، ضمن فيلم "عندما واجه الشيخ إمام" الذي لم ير النور، يومها طلب منى المخرج أحمد مناويشى، أن يطرح هو الأسئلة على نزيه، لصداقتهما.
كنتُ تسمع عن الشيخ إمام ولم تستمع إليه إلا فى فترة حديثة جدًا، ماذا اكتشفتُ حين استمعتُ إلى هذا الرجل؟
بالنسبة لى، ظل الشيخ إمام طوال السنوات الماضية قيمةً غير موسيقية، قيمةً مرتبطة بالتاريخ وبواقع سياسى وبأحداث سياسية وأفكار مرحلة عاشتها مصر، وأنا فى الأصل لم أكن راضيًا عن هذا الاتجاه، ولم أتعرض لموسيقاه من قبل، وحين استمعتُ إليه قبل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع تقريبا، رحلتُ أفتش عن القيمة الموسيقية، لأنها هي التى تبقى وتعيش، لأن الفنان إذا ربط روحه بحدث تاريخى أو سياسى فإنه يقصر عمره، أما إذا ترك روحه ملكًا للقيم الفنية فسيعيش قرونًا، وسيسافر ويخترق ثقافات ومجتمعات بلا حدود، واكتشفتُ أن الذين أحبوا الشيخ إمام بسبب ارتباطه بفترة معينة أو بوضع سياسى معين ظلموه موسيقيًا، فقد كان فنانًا يستحق أن نتعامل معه على أنه موسيقى، لا أن تربطه بتلك الفترة، ولا بكونه ضد السلطة أو مناضلًا سياسيًا أو معارضًا.
وشعرتُ أيضًا أنه حجم فنيا فى زمنه، لا إعلاميا فقط، وكأن أحدًا لم يساعده ولم يقف إلى جانبه، لم يكن حوله موسيقيون آخرون، لا يمكن لأحد أن ينجح فى الموسيقى وحده، لأنها علاقة بين الناس، صحيح أن هناك عازفين منفردين، لكن هذه حالة نادر، فالغالب أن تجد فرقة من أربعة أو خمسة أو ستة عازفين، أو أوكسترا من مئة عازف وأكثر، وإذا غابت هذه العلاقة الإنسانية فى الموسيقى، شعرتُ بأنها محبوسة وشعرتُ ببعض الفقر فيها، ولذلك، حين سمعت الشيخ إمام تمنيت أن أسمع ثمانية أو تسعة عازفين يعزفون مقطوعة نفسها، وربما كان رأيه الموسيقى حينها سيوضح رأيه السياسى.
فى النصف الثانى من الستينيات عاش العالم أحداثا سياسية ومواقف كثيرة جدًا: الحرب الباردة، وخروج فرنسا من فيتنام ودخول أمريكا مكانها، ثم هزيمة 67 فى مصر، ثم ثورة الشباب فى 68، وعلى مستوى الموسيقى ظهرت فرق مثل "الدورز" و"بينك فلويد" و"البيتلز"، وسادت فكرة الثورة فى كل شيء، والتغيير والتمرد على الآراء المحافظة، وتحدّي المجتمع وطرقوسه وطريقة المعيشة، وظهرت حركات وثورات الشباب، هل تظن أن الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم كانا متأثرين بذلك؟ وما موقع عطائهما الموسيقى بجانب ما كان يحدث فى موسيقى العالم؟
كان هناك حالة فوران وثورة اجتماعية وثقافية وسياسية وفى كل شيء، كأن العالم كان يراجع أوراقه كلها، ويراجع كل معتقداته والتزاماته الفكرية والاجتماعية، كأن البشرية تراجع نفسها من جديد، وتقول: سنبدأ من هنا، ومن هنا فصاعدًا سنقول كلامًا جديدًا على كل المستويات. وكان الأوضح فى تلك الفترة "البيتلز" و"بينك فلويد"، وقد جاءا متابعين فى أواخر الستينيات.
وحين استمعتُ إلى الشيخ إمام مؤخرًا توقفتُ عند أغنية "هوشى منه"، شكلها الموسيقى وتكوينها، بدايتها ووسطها ونهايتها، ذكرنى كثيرًا بإنتاج "بينك فلويد" فى السبعينيات، لا من حيث نوع الموسيقى ولا أسلوب التعبير فحسب، بل من حيث أسلوب السرد أيضًا، وهو سرد لا ينتهى، فيه تدفق مستمر وفيه خطة، كأن الشيخ إمام يقول: سأشرح لك المعنى، لكننى لن أقوله لك فى دقيقة ونصف ولا فى أربع أو خمس دقائق، بل فى ربع ساعة، وللك تصلك الشحنة التى أريد إيصالها سأعرضك لضغط ذهنى، فتجلس تسمعنى ربع ساعة.
"هوشى منه" تخدعك فى البداية وتوهمك بأن الموضوع بسيط، ثم تُدخلك فى منتصف الطريق فتسأل نفسك فى الدقيقة السابعة أو الثامنة: ما الذي جرى؟ كيف تورطتُ مع هذا الرجل وأنا أسمعه هكذا؟ كيف وجدتُ نفسى فى وسط الأغنية؟ ثم يتركك فى آخر الأغنية وأنت مسلوب الإرادة الذهنية ومشبع برأى الأغنية، وفى الحقيقة، الرأى فى هذه الأغنية ليس
سياسيًا بل إنسانيًا، والغرض فنى أكثر منه سياسيًا.
وهذا الشكل فى اعتقادى متطور جدًا على الموسيقى الشرقية، وفيه شبه كبير بما يحدث فى بعض مقاطع "دارك مون" للبيتلز، وهذا النوع لا مرجعية له عندنا فى موسيقيانا الشرقية، نحن لا نعرف هذه الطريقة، الأغنية عندنا بطلها المغنى وصوته، وإن كان فيها كلمتان جميلتان من الغزل فخير وبركة، أما أن يكون هيكل الأغنية هو أهم ما فيها وعنصر القوة فيها فهذا غير مألوف، كانت "هو شـى مـنـه" مفاجأة لى، وهى قيمة موسيقية يصح أن ننتبه إليها، وهى أقوى من رأيها السياسى ومن الرسالة السياسية التى فيها.
كيف ترى التريقة التي تفرضها الكلمات فى التكوين الموسيقى عند الشيخ إمام، خصوصًا أن له أغاني عاطفية وليست سياسية فقط، وكان يختار الكلام بترتيبات وحسابات تختلف عما كان مطروحا على جمهور الإذاعة والتليفزيون فى وقته، وعما كان يقدمه مثلا عبد الحليم حافظ وأم كلثوم؟ كيف ترى هذه المسألة؟
هذا اختياره، فكلمات الأغنية لم تفرض عليه، وكان من الواضح أنه وضع لنفسه دورًا أهم من دوره ملحنًا أو مؤديًا لفن موسيقى، حتى الأغاني العاطفية التى اختار أن يغنيها، لا أريد أن أقول إنها
سياسية، لكن فيها شيئًا مختلفًا عن الشكل الطبيعي، شيئًا ثوريًا أو معارضًا، وفى اعتقادى أنه كان يرى لنفسه دورًا اجتماعيًا أكبر من كونه رجلًا يغنى ويلحن أغانيه.
هناك من يسمّون موسيقاه "الموسيقى المحرّضة" أو "موسيقى الرأى" أو "أغنية الرأى"، وجمهوره فى سهراته نخبوى من المثقفين والسياسيين أو طلاب الجامعة الذين يأتون به ليؤجج مشاعرهم فى الجامعة، هل كانت الموسيقى بالنسبة إليه وسيلة لتحريك الثورة فقط، أم كانت فَنّا؟
ربما يكون قد تورط فى الفكرة، لا بالمعنى السلبى، لكن بمعنى أنه وجد نفسه داخل الدور، غير أنك تسمع أحيانًا فى وسط أغانيه مقطفا يقول لك: هنا كان يحب الموسيقى، فهناك أغان كان يحب فيها الموسيقى وحدها، وأغان أخرى تقول لك إن هذا رجل يريد أن يحرك الناس، يريد أن يرى حماستهم وقلوبهم تتحرك أمامه.
ومن المهم الانتباه إلى أن الوقت الذي ظهر فيه الشيخ إمام، كان وقت الثورة من أجل الثورة، كانت كلمة "ثورة" ذات طعم جميل، الثورة فى كل شيء، فى العمارة والأزياء والديكور وشكل السيارات وطريقة الكلام والسينما، أسلوب التعبير فى الدنيا كلها كان يتغير، وفى ذلك الوقت، كلما كنتَ متمردًا زادت فرصك فى الوصول إلى الناس، وفى اعتقادى هو لم يكن متمردًا على المستوى الفنى، بل على مستوى العرض، كان غريبا أن تسمع ثورة اجتماعية ثقافية من رجل يجلس وحده، بمفرده، وليس من فرقة روك تصرخ، كان ذلك من شكله فقط، وحتى الصور التى رُسمت له كلها تحمل معنى التمرد، وربما كان لديه خوف من أنه لو قدّم الموسيقى المتوقعة التقليدية، أي موسيقى جميلة فحسب، فلن تكون لديه رسالة تجاه المجتمع.
بصفتك متخصصًا أيضًا فى الأداء الصوتى وتستطيع الحكم عليه، الشيخ إمام بدأ يغنى ونجمه يسطع وهو فى الخمسين من عمره، كيف ترى قدرته ومستواه؟
كان لديه قدرة على التأثير فيك متلقيًا، أما إذا ذهبت لتسمعه بمنطق موسيقى، فأنا حين أسمعه الآن أجده يغنى جيدًا، وصوته يعرف كيف يصل إلى النغمة، ربما وهو ينتقل من منطقة إلى أخرى دون أن يأخذ نَفَسًا فى الزمن الصحيح أحيانًا، لكن هذا ليس الموضوع، الموضوع كمية الطاقة التى تخرج من صوته، ليست قدراته مطرتًا،
بل قدراته الإنسانية فى إيصال المعنى، وكانت أقوى بكثير جدًا من قدراته مطربًا، وأنا مع هذه النقطة، لأن أعظم مطرب إن لم تكن لديه قدرات إنسانية فلن تحمله ثلاث ثوان وهو يغنى، لكن الشيخ إمام يجلسك ربع ساعة وهو يخطئ ويتلخبط ويأخذ نَفَسَه فى موضع خطأ، وقد يخرج عن المقام وينشز، ويَفعل ما يحلو له، ومع ذلك تسمعه، وللتنتبه إلى أنه ليس لدينا للشيخ
إمام تسجيل جيد، فى عصر السماعات العظيمة والتكنولوجيا الرقمية التى نعيشها، نحن نسمع تسجيلات قديمة جدًا وبدائية، ونحن صابرون عليه ومحبون ومرحبون، وهناك حتى الآن يسمعونه ويفضلونه.
كما أن الشيخ إمام مرتبط عاطفيا بأذهان الناس، فحين يتحدثون عنه يتحدثون عن رجل يحبونه هو نفسه، لا يحبون أغانيه فقط، قد تقابل الآن شابا عمره
خمسة وعشرون عاما يحدثك عن الشيخ إمام كأنه قابله، كأنه عاش معه، لأن تأثيره الإنساني فى المتلقى عاش، ربما لم يترك إرثا موسيقيا ضخما، لكنه ترك شحنة إنسانية ما زال الناس يعيدون إنتاجها من جديد حتى اليوم، وما زالوا قادرين على تذوقها، مع أنها تصل إليهم عبر ذلك التسجيل القديم الرديء.
بعد ثورة ٢٥ يناير قال البعض إن أغاني الشيخ إمام ظهرت فى الميدان وكانت تحرك الناس، ما رأيك فى ذلك؟
بصراحة لم أسمع أغاني الشيخ إمام فى الفترة التى كنت أذهب فيها إلى الميدان، والغريب أن الأغنية التى نجحت فى تلك الفترة كانت أغنية روك، هي أغنية "صوت الحرية"، وكان يغنيها فنانون غير مشهورين وقتها، ومع أن نجومًا كبارًا غنوا أغاني، لكن هذه الأغنية هي التى نجحت، لأن الناس قرروا أن الشيء الجميل هو الذي سينجح، دون النظر لعلاقتهم بمن غناه، وأن صاحبها ليس نجمى الذي أحبه وأنتظر ألبومه.
وبعدها، احتاج الناس إلى مخزون فنى أكبر من ذلك قليلًا، فاضطروا إلى الرجوع إلى ما كان موجودًا من قبل، وعلينا أن ننتبه إلى أن أه نعم كان هناك تطور وانفتاح ثقافى واقتصادي..ادى وتطور على مستويات كثيرة فى البلد، لكن لم يكن هناك مشروع قومى يجمعنا، كنا نتذلك بمباراة كرة قدم نهائية تجمعنا، لكن لم يحمل إنتاجنا الفنى أى ملمح قومى على الإطلاق، لا فيلم ولا أغنية، لا شيء، ومن كان يحدثك عن هذه الأمور وقتها كنت لا تعيره أذنك، إلى أن قامت الثورة واضطر الناس إلى الرجوع إلى ما كان قبل ذلك، ولما رجعوا اختاروا الشيخ إمام، اختاروه بالإجماع، وأشعر أنهم اختاروه إنسانيًا لا فنيًا، اختاروه لصدقه، لا لأنه صاحب أجمل الأغاني وأعظم الكلام.
هل ترى أن موسيقى الشيخ إمام يمكن أن يُعاد صياغتها ويُقدّم لها تصور بإمكانيات حديثة؟ هل فى هذه الألحان مساحة لإعادة اكتشافها وتجريبها بحيث نراها فى مستوى جديد؟
بعضها يستحق ذلك بشدة، لا كلها، الأمر أشبه بالرواية القديمة التى تتحول إلى فيلم سينمائى حديث، بعضها يستحق لأن لديه البنية الموسيقية والفنية التى تسمح بأن يُقدم بشكل أفضل ومن زوايا ووجهات نظر متعددة، للشيخ إمام ألحان تستحق أن تفصلها عنه شخصيا، فتحتفظ منها باسمه فقط، لأنها، من حيث بنيتها الموسيقية، لديها إمكانية أن تستمر مئة سنة أو مئتي سنة أخرى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فجأةً، وبينما تهم بسحب كرسي خشبى ببساطة لتجلس على المقهى البلدى البسيط، سيوقفك عامل المقهى مفزوعاً، وهو يصيح: شوف كرسي...
الأدب ينطلق من المجتمع ولا يولد فى فراغ حرب غزة دفعتنى لإعادة النظر فى الوجود فكتبت «كازينو الملائكة» أى كتابة...
ترجمة كتابها كانت عملًا مرهقًا لكنه ممتع ومليء بالأفكار دور النشر لا تقبل على ترجمة الشعر بالقدر الكافى ترجمت لها...
شخصيات لها تاريخ «121» هبّت عاصفة وشعر بالموت يقترب منه فطلب النجدة من القديسة حنّة والدة العذراء مريم ونذر أن...