الأدب ينطلق من المجتمع ولا يولد فى فراغ حرب غزة دفعتنى لإعادة النظر فى الوجود فكتبت «كازينو الملائكة» أى كتابة لا تنطوى على الشِعر عُرضة للاستهلاك
هدى عمران، كاتبة وشاعرة، قدمت خلال تجربتها عدداً من الأعمال التي تنوعت بين الشعر والسرد، من أعمالها الشعرية دواوين "ساذج وسنتمنتالى"، و"القاهرة"، و"كأنها مغفرة"، وعلى مستوى السرد أصدرت المجموعة القصصية
"حب عنيف"، و رواية "حشيش سمك برتقال"، وروايتها الأحدث "كازينو الملائكة".. فى هذا الحوار تحدثنا عن روايتها الجديدة، وعن تجربتها الأدبية، وعلاقتها بالقاهرة، وانتقالها بين الشعر والسرد، وعن الجوائز ومشروعها القادم.
حدثنا عن رواية "كازينو الملائكة"؟
الرواية عن عائلة قاهرية حديثة، في هذا الزمن. تبدأ الحكاية بزواج رجل من صديقتين، زين، وهي من مواليد الستينيات، تحكي لنا تاريخها العائلي بالكامل، من بداية ولادتها في حلوان من علاقة غير شرعية، وحياتها مع جدها الذي يححب الفلك، وصولا إلى علاقتها بصديق الجامعة الذي سيصبح زوجها. وحين تحل مشكلة الأمومة، تزوج صديقتها ليلى لزوجها، وتبدأ دراما عائلية من نوع خاص. ليلى، بدورها، تصبح كاتبة تشغل كتاب أشباح ليكتبوا لها روايات تلقى تقديرا وجوائز، بينما لدى خالد، الزوج، طموح لبناء قاهرة جديدة على أنقاض القاهرة التاريخية. تتبع الرواية الخطوط الثلاثة في بنية روائية متشابكة. تفتتح الرواية بناية حياة زين وبداية احتضارها، حين تدخل حياتها، في أيامها الأخيرة، امرأة غريبة، مديرة زوجها، ورئيسة شركة عالمية، تعمل على مشروع لبناء بيوت حيّة من بقايا أطفال ماتوا في الحرب، مؤمنة بأن دمج الذكرة بالمادة يمنحهم الحياة من جديد. ومع اقتراب الموت، تقترب هذه المرأة أكثر فأكثر، لا من زين وحدها، بل من البنية الهشة للعائلة كلها: خالد، وليلى، الزوجة الثانية.
قلت إن الشرارة الأولى للرواية جاء بعد الحرب على غزة، وصعود اليمين، وشعورك بأن العالم يعيش لحظة انهيار. كيف تحول كل هذا إلى عمل روائي؟
هذا سؤال صعب، لأن الحرب لا تفرض أسئلتها على الكتابة فقط، لكنها تعيد تشكيل الإنسان نفسه، وحرب غزة تحديدا، بما شهدناه خلالها من وحشية يومية على الشاشات، أراها لحظة استثنائية في التاريخ الحديث، فرضت على الجميع حالة من العجز الإنساني يصعب تجاوزها. لا أستطيع أن أقول إن الحرب كانت دافعا مباشرا، لكنها أحدثت نوعا من التعطل الإنساني، لقد دفعتني، كما دفعت كثيرين، إلى إعادة النظر في الحياة والوجود، وإعادة التفكير في كل شيء. وعلى المستوى الشخصي، كان تأثيرها شديدا إلى درجة أنها انعكسـت على تفاصيل الحياة اليومية نفسها، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الكتابة أيضا، فقد فرضت عليَّ أسئلة لم أكن أملك لها إجابات: "ما جدوى الكتابة في لحظة كهذه؟ ماذا يمكن أن نكتب بعد كل هذه الوحشية؟ وكيف يمكن أن نكتب أصلا؟".. هذه الأسئلة ستظل مفتوحة، وربما لن تظهر آثارها الحقيقية إلا مع الزمن. صدرت "كازينو الملائكة" بعد الحرب مباشرة، لكن الرواية كانت تحمل بذورها قبل ذلك؛ فقد كنت منشغلة منذ فترة بأسئلة الإمبريالية والتحولات التي يشهدها العالم، ومع اندلاع الحرب شعرت بأن علي أن أنجز هذا العمل، ثم أتوقف قليلا لأتأمل ما جرى وما يمكن أن تفعله الكتابة أمام كل هذا الخراب.
ذكرت أن الرواية أقرب إلى التراجيديا، ما الذى جذبك لهذا المناخ التراجيدي في معالجة قضايا معاصرة؟
ربما لأننا نعيش في تراجيديا مستمرة منذ التسعينيات. أنتمي إلى جيل عاش الانتفاضة الفلسطينية، وحرب العراق، وسلسلة طويلة من الحروب التي شهدتها المنطقة، لذلك ظل سؤال الحرب يرافقني دائما، حتى كنت أتساؤل: "ماذا لو وصلت الحرب إلى القاهرة؟ ماذا لو تعرضت هذه المدينة للدمار؟ هذا الخوف لازمني قبل حرب غزة، وجعلني منشغلة بفكرة تتعلق بالنيوليبرالية، وبكيفية هيمنة الولايات المتحدة على العالم، باعتبارها قوة استعمارية كبرى، لكن الحرب غيرت مسار المشروع كله وأعادت تشكيله. وجعلتنى أدرك أن ما نحياه من واقع سريالي ولا معقول هو وجه التراجيديا الفوضوى.
الرواية تقوم على فكرة غير تقليدية وشديدة الغرابة وهي بناء بيوت من أنسجة رضع ماتوا في الحرب، لماذا اخترت هذا التصور السريالي للتعبير عن الفقد والخراب؟
وصف الرواية بأنها "سريالية" ليس دقيقا بالمعنى التقليدي. إحدى المراجعات التي كتبت عنها باللغة الإنجليزية وصفـتها بأنها لا تنطلق من عالم سريالي منفصل عن الواقع، وإنما تمزج بين الواقعي والسريالي، وكأنها تقول إن الواقع الذي نعيشه لم يعد منفصلا عن السريالية، بل أصبح في حد ذاته يحمل ملامحها. وأظن أن شغلي كله يحمل في طياته هذه الملامح، لأنني غالبا ما أنطلق من الخوف. أما عن الفكرة، فقد جاءت من تأثري الشخصي بالحرب كأم، كان مشهد مقتل الأطفال يثير داخلي فزعا هائلا، حتى إنه كان يطاردني في أحلامي، شعرت بعجز شديد؛ عجز الأم التي لا تستطيع إنقاذ هؤلاء الأطفال، وعجز الكاتبة التي تتساءل عن جدوى الكتابة أصلا في مواجهة هذا القدر من العنف، لكنني في الوقت نفسه أدركت أن الكتابة الوسيلة الوحيدة التي أملكها لمواجهة هذه المشاعر القاسية. لم أكتب عن الحرب بوصفها حدثا سياسيا مباشرا، وإنما حاولت أن أفهـم آثارها الممتدة علينا نحن أيضا، وكيف تتسلل إلى وعينا وحياتنا اليومية، وما الذي تتركه داخل الإنسان من خوف وفقد وأسئلة، كان هاجسي الأكبر: كيف يمكن كتابة رواية عن الحرب دون الوقوع في المباشرة أو الابتذال. لذلك اخترت أن أتتبع حكايات ثلاث شخصيات ترتبط ببعضها، وأن أعود إلى جذور تكوينها منذ تسعينيات القرن الماضي، لأكشف كيف تتقاطع تواريخها الشخصية مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم، وصولا للححظة الراهنة.
ما سبب في حضور الشعر داخل كتابتك الروائية والقصصية؟
أنا أصلا شاعرة، وأرى أن أي كتابة لا تنطوي على الشعر، هي عرضة للاستهلاك. الشعر داخل الرواية أو القصة، يعنى التكثيف حول معنى واحد كبير، مثل نسج الشرنقة حول كائن.
مجموعتك القصصية "حب عنيف"، جاءت بعد تجربة في الشعر والرواية، ما الذى أضافته القصة القصيرة لتجربتك الإبداعية، وما الذي لا تستطيع الرواية أو الشعر القيام به؟
هذه القصص كانت عبارة عن مغامرات تجريبية بالكامل، أردت فيها تجريب أشكال سردية ولغة متعددة، كانت ملعبا للتجريـب والكتابة عن واقع قاهري جديد بعد الثورة. لا أتعامل بمنطق النوع أو الجنس الأدبي، فالنص فعلا يختار شكله، لكن أي رواية هي أيضا قصة، تريد حكى حكاية عن أشخاص بعينهم، قد تحفر أعمق شعريا في العالم، لكن في النهاية كل قصة أو سرد هو بحث عن الشعر.
عنوان المجموعة "حب عنيف" وتكشف قصصها عن أشكال متعددة من العنف النفسي والاجتماعي، فهل كنت تقصدين توسيع مفهوم العنف ليصبح جزءا من العلاقات الإنسانية نفسها؟
منذ البداية أنا مهتمة بالعلاقات بين البشر، لأنني أؤمن أن الإنسان يكشف نفسه من خلال علاقاته بالآخرين، أكثر مما يكشفها من خلال الأفكار التي يعلنها عن نفسه. والعنوان قد يبدو خادعا، لأن هذه القصص تتحدث عن السلطة والمجتمع، عن الزواج والفردانية، وعن الذكورة والأنوثة.
تحضر القاهرة بقوة في معظم أعمالك من ديوان "القاهرة" إلى "حشيش سمك برتقال" وصولا إلى "كازينو الملائكة" فتظهر المدينة وكأنها شخصية روائية وليس مجرد مسرح للأحداث، ما الذي تمثله القاهرة في مشروعك الأدبي؟
المدينة تفرض نفسها عليَّ فرضا، وربما يعود ذلك إلى أنني أكتب من منظور سياسي، وأؤمن بأن الكتابة لا تنفصل عن السياسة والسياسات، لأن الأدب لا يولد في فراغ، وإنما ينطلق من المجتمع، بما يحمله من علاقات وقوى وصراعات وتحولات. القاهرة مجتمعى الأول، المدينة التي شكلت فيها، وأستطيع فهمها، وفهم طبقاتها الاجتماعية والإنسانية، وطبيعى أن تحضر بقوة فى كتاباتي. شخصياتي لا تعيش في فضاء مجرد، وإنما تولد داخل القاهرة، وتتكون خبراتها ومواقفها وصراعاتها في شوارعها وأحيائها. فى مرحلة مبكرة، حاولت الكتابة عن مدن أخرى، لكنني اكتشفت أن الكاتب يكون أكثر صدقا حين يكتب عن المكان الذي يعرفه ويحمله في وجدانه، القاهرة ليست مجرد خلفية للأحداث، وإنما مدينة أُرتبط بها وجدانياً، وأشعر تجاهها بعلاقة عميقة.
إلى أي مدى أسهمت دراستك واهتمامك بالسياسات الثقافية من منظور نسوي في تشكيل وعيك ككاتبة في بداياتك؟
تساعدني الأكاديميا على إدراك أن ما يجمع أي كتابة ليس الشكل، وإنما الانشغال الدائم بأسئلة أعمق، عن العلاقة بين الفرد والعالم، بين السلطة والخيال، وبين التاريخ والحياة اليومية. وهذا ساعدني على رؤية أن الشعر والرواية والبحث الأكاديمي ليست مجالات متجاورة، بل طرق مختلفة لإنتاج المعرفة، لكل منها منطقه، وحساسيته وإمكاناته، القصيدة قد تمنحني الكثافة والتوقف الزمني، والرواية قد تمنحني اتساع العالم وتعقيد الشخصيات، بينما يفرض البحث الأكاديمي الانضباط في طرح الأسئلة، والعودة إلى الوثائق والسياقات، فالكتابة في النهاية هي محاولة مستمرة لفهم العالم، وإنتاج معرفة قادرة على أن ترى أبعد من الأفكار الجاهزة.
حصلت على جوائز وتقديرات عن تجربتك الشعرية والسردية، كيف أثرت الجوائز في علاقتك بالكتابة وفي مشروعك الأدبي؟
الجوائز قد تساعد ماديا في الاستمرار، وهي بالتأكيد تمثل تقديرا مهما للكاتب، لكنها قد تصبح معرقلة في لحظة كالتي نعيشها، حين تتحول أحيانا إلى معيار رئيسي للحكم على جودة الكتاب، خصوصا أمام قراء غير مطلعين على المشهد الأدبي، كما أن ارتباط الكتابة بمنظومة الجوائز قد يدفع، بدرجات متفاوتة، إلى التعامل معها بوصفها سلعة داخل السوق الثقافي، فضلا عن بعض الغموض الذي قد يحيط بطبيعة قرارات لجان التحكيم ومعاييرها. ومع ذلك، يظل التقدير في حد ذاته مطلبا مشروعا وممهفا لأي كاتب، وربما تكون المسألة في التوازن بين قيمة الجائزة كأحد أشكال التقدير، وبين ألا تحول إلى المعيار الوحيد لقيمة العمل أو نجاحه.
ما عملك الأدبي القادم؟
حاليا أعمل على نص بحثي، ينطلق من منظور شخصي لتحليل اجتماعي سياسي للمجتمع الثقافي.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فجأةً، وبينما تهم بسحب كرسي خشبى ببساطة لتجلس على المقهى البلدى البسيط، سيوقفك عامل المقهى مفزوعاً، وهو يصيح: شوف كرسي...
الأدب ينطلق من المجتمع ولا يولد فى فراغ حرب غزة دفعتنى لإعادة النظر فى الوجود فكتبت «كازينو الملائكة» أى كتابة...
ترجمة كتابها كانت عملًا مرهقًا لكنه ممتع ومليء بالأفكار دور النشر لا تقبل على ترجمة الشعر بالقدر الكافى ترجمت لها...
شخصيات لها تاريخ «121» هبّت عاصفة وشعر بالموت يقترب منه فطلب النجدة من القديسة حنّة والدة العذراء مريم ونذر أن...