شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على العصر

إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم يكن قادرًا على غزو العالم وحده وهو كفيف.. فغزاه بصعلكة «نجم» اكتشف نفسه فى الخمسين.. وما أجمل أن ينضج الإنسان فى الخمسين كان حضن العود أكثر دفئًا وإشباعًا لإمام عيسى من حضن المرأة عاش بين القيد والحرية وصنع من الاثنين موسيقى إمام لم يكن يبحث عن جمهور.. الجمهور هو من يطلبه مصر فى صوت إمام بسيطة ومتناقضة وعميقة جدًا

ليس طبيبًا نفسيًا بالمعنى التقليدى، ولا يمكن اختزاله فى حدود العيادة، فالدكتور خليل فاضل يجمع بين الطب والتحليل النفسى والاجتماعى والكتابة والعلاج بالسيكودراما، وفى التشخيص لا يفصل بين الفرد وتاريخه، ولا بين التجربة الشخصية والسياق العام، ولا بين الفن والسياسة والحياة اليومية.

فى هذه الشهادة، لا يحلل فاضل شخصية الشيخ إمام كفرد، بل كجزء من مناخ كامل عاشته مصر ما بعد يونيو67، فيه.. الجامعة، والسجن، والحركة الطلابية، والجلسات الثقافية، والدوائر اليسارية التى كانت تتشكل وتتفكك حسب الواقع.

وفى هذا التحليل لا يتعامل مع الشيخ إمام كفنان صاحب تجربة مختلفة، بل كإنسان تشكّل نفسيًا واجتماعيا من تناقضات متراكبة.. التدين والتجريب، الانتماء والتمرد، والعزلة والانخراط فى الجماعة.

ومن خلال هذا التحليل يحاول الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن لفرد واحد أن يحمل كل هذا التعدد دون أن ينكسر، ودون أن يتراجع عما يؤمن به؟

دكتور خليل، هل ثمة سمات نفسية أو شخصية تميز الكفيف عن غيره؟ وهل كانت هذه السمات حاضرة عند الشيخ إمام؟

طبعًا، خاصة حين يقترن الكفف بذكاء حاد ورفض للقيود التى يحاول الآخرون فرضها، وفى حالة الشيخ إمام، بدا واضحًا أنه عوّض حرمانه المبكر من الأم ومن نعمة البصر ببناء عوالم داخلية ثرية، وأنا كشخص اقتربت منه إبان الحركة الطلابية، واحتككت به فى سجن القلعة، وتشرّفت بأنه أحيا حفل زفافى فى منتصف السبعينات فى حديقة نقابة الأطباء، كنت أرى قدرته الشديدة على التكيف مع واقع قاسٍ.

عاش إمام حياةً شديدة الصعوبة، وتعرّض للسجن مرارًا، لكنه احتفظ بروح متماسكة وقدرة على الضحك، لا بوصفها سخريةً مريرة، بل كآلية نفسية لخلق عالم بديل أكثر رحابةً وأملًا، وهنا يمكن استحضار ما أشار إليه فرويد حول استخدام الفكاهة وسيلةً للدفاع النفسى الراقى.

وهذا التوازن الداخلى، مكن الشيخ إمام من الاستمرار رغم العزلة المضاعفة التى فرضها عليه السجن مع فقدانه البصر. وأسهمت هذه التجارب مجتمعةً فى نضجه الإنسانى وازدياد عمقه، وجعلت الجانب الإنسانى لديه حاضرًا بقوة، خاصةً مع التزامه الدينى، جامعًا بين كونه حافظًا للقرآن وشيخًا، وبين كونه فنانًا رقيق الحس، ثوريًا فى مواقفه، يغنى للحرية والعدالة.

كما أن نشأته الريفية، وتكوينه الدينى، وروحه المتمردة، واحتكاكه المبكر بالعالم، كلها عناصر أسهمت فى صياغة شخصية استثنائية، وكلها جعلت الشيخ إمام معتزًا بنفسه، جريئًا، لا يخشى المواجهة، وقادرًا على التكيّف مع قسوة الحياة دون أن يحمل ضغينة أو مرارة حتى تجاه أقرب الناس إليه. وهى سمة نادرة، تعكس صفاءً داخليًا وقوةً نفسية استثنائية.

 دكتور، افتقاد المرأة وحنانها، ربما يجعل الإنسانَ يسعى لاحقًا إلى الاحتواء العاطفى، ومع ذلك، لم يُعرف عن الشيخ إمام أنه تزوج، باستثناء رواية أنه تزوج شهرًا واحدًا.. ما تفسير ذلك نفسيًا؟

لا أراها مشكلة نفسية بقدر ما أراها طبيعة حياة، كم من الرجال يعيشون بلا زواج وبلا فراغ حقيقى يعذبهم، الرجل يستطيع أن يعوّض احتياجه للمرأة بأشياء أخرى: بالطرب والغناء، والحس السياسى، والشعور بالانتماء، قال لى الراحل أسامة أنور عكاشة ذات مرة إنه حين يُنهى كتابة مسلسل قوى، تستبدّ به شهوة حادة ثم تخفت تمامًا بعد الانتهاء، كأن ثمة تعويضًا خفيًا بين الإبداع والجسد.

الشيخ إمام كان يعوّض الجزء العاطفى بكل من سمعه وطرب له وصفق له، بالآلاف التى كانت تحتشد حول صوته، أليست هذه عاطفة؟ بل هى أضخم العواطف وأعمقها. نعم، ثمة احتياجات بيولوجية، لكن ربما، كما فى حال كثير من المبدعين الكبار، تكون المرأة عاملًا معوقًا للإبداع حين يبلغ هذا الإبداع حد الهوس المقدس.

إمام كـــان مشغــولًا بعــالمه الفنــى والروحانى، وبالعالم الذى وراء بصره، وهو عالم خاص جدًا لا يريد لأحد أن يقترب منه، وفى الطب النفسى ثمة مفهوم يسمى "الحيز الشخصي"، الاقتراب منه قد يسبب انزعاجًا عميقًا، كان للشيخ إمام حيزه هو وعوده، أتذكر أن عازفًا على العود كان معى فى أمسية، فطلبت منه أن يضع العود على المكتب ليكون فى أمان، فقال: "بل هو أكثر أمانًا فى حضني"، وربما كان حضن العود أكثر دفئًا وإشباعًا لإمام عيسى من حضن المرأة.

 والده كان زاهدًا صوفيًا، مشهودًا له بالتقوى وخدمة المسجد والشارع، ومع ذلك كانوا يقسون على الشيخ إمام طوال الوقت. كيف نفهم هذا التناقض؟

رأيت فى حياتى نماذج كثيرة، صادقين وغير صادقين فى التزامهم الدينى، يعانون من جهل شديد بأن الدين فى جوهره مودة ورحمة وإنسانية، قبل الشعائر والعبادات، نماذج دفنوا إنسانيتهم داخل الدين، وما أبشع أن تُدفن الإنسانية داخل الدين، ورأيت فى العيادة رجلًا يضرب ابنه إلى حد البشاعة، إلى حد الإدماء، إلى حد القسوة التى لا تُوصف، والعنيف القاسى هو فى الحقيقة إنسان ضعيف، غير قادر على تحقيق ذاته، فيحول عجزه إلى إيذاء، القسوة تناقض روح الدين، وتناقض روح الإنسانية.

ولعل سلوك الأب أضرّ ونفع فى آنٍ واحد بالشيخ إمام، أضرّه حين حرمه من أمه وجعله كفيفًا يتيمًا وأبواه على قيد الحياة، ونفعه حين خرج الشيخ إمام من كل هذا، مثل الفجر، يغنى للبلابل والعصافير، ويغنى ويغنى حتى مطلع الفجر.

 ما الصراع الذى كان يدور داخل الشيخ إمام حين قرر أن يتخلى عن الجبة والقفطان، ويرتدى البنطلون والقميص، وينتقل من قارئ للقرآن إلى مطرب وموسيقار؟

صراع الحسم، أو كما أسميه: صراع الميلاد الثانى، إما أن أظل شيخًا بالجبة والقفطان والعمامة، ملتزمًا بهذا الشكل الذى يفرض عله قواعده وحدوده، أو أن أصبح إنسانًا عاديًا، له حرية كاملة فى أن يغنى للعاطفة وللحرية وللثورة كما يريد، دون أن يتعرض لطرد من شيخ رآه يستمع إلى الراديو فى مقهى.

فى علم النفس الاجتماعى هناك مفهوم يسمى "الشكل الاجتماعى والمسافة الاجتماعية"، أى أن الهيئة الخارجية للفرد تؤثر فى مدى تقبّل الناس له وانفتاحهم عليه، وأعتقد أن الشيخ إمام قبل أن يتخذ هذا القرار عاش صراع داخلى محتدم، لكنه فى النهاية حسم الأمر: أن يكون إنسانًا عاديًا مثل باقى الناس، يغنى للناس وللعاطفة وللثورة.

 هل تجد علاقة بين التخلى عن الجبة والقفطان وبين صورة والده وما ارتبط بها من قسوة، وصورة المشايخ الذين استبعدوه لمجرد أنه استمع إلى القرآن من الراديو؟

علاقة رمزية، لكننى لا أوليها اهتمامًا نفسيًا كبيرًا، لأن الصراع الحقيقى كان بين إمام ونفسه: لا أريد أن أكون تقليديًا، ولا أريد أن أكون عصريًا بشكل مصطنع، الجميع ينادينى "الشيخ إمام"، لكننى أريد أن أكون إنسانًا عاديًا.

هل تعلم أن ثورة يناير 2011، التى كان من وقودها الشيخ إمام وأغانيه، كان محورها الإنسان العادي؟ الإنسان غير المسيّس، الذى يذهب إلى قسم الشرطة ليبلّغ عن سرقة شقته، والذى يقف فى طابور مجمع التحرير لينهى أوراقًا بصعوبة، هذا الإنسان العادى كان الطاقة الحقيقية والعدد الحقيقى.

إذن، كان تحوّل الشيخ إمام من "الشيخ" إلى "الإنسان العادي" قرارًا مصيريًا، فيه قدر من رفض صورة الأب البيولوجى، وقدر من رفض صورة الأب داخل الجمعية الشرعية، لكنه كان قبل كل شىء بحثًا عن نفسه الحقيقية.

 ما الذى كان فى شخصية الشيخ إمام يجعل من حوله يفتنون به وينجذبون إليه بعيدًا عن غنائه؟ وما الذى وجده المشاركون فى ميدان التحرير فى أغانى الشيخ إمام لتعبّر عنهم؟

كانت له طبيعة خاصة، كأنها موجات كهرومغناطيسية شديدة التأثير، تجمع الأحباب والناس من حوله، منها أن موقفه السياسى كان واضحًا جدًا حتى حين كانت الظروف ضاغطة، وكان يتميز بروح السخرية والدعابة التى تجعلك تضحك فى لحظة تريد فيها البكاء.

أتذكر أننى فى إحدى المرات لم أجد مأوى فى القاهرة، فذهبت إليه وأنا طبيب امتياز، فقال لي: "روح نام على الكنبة اللى بره، بس لو الكلاب عضتك ما ليش دعوة"، بهذه الروح وبهذا الدفء الذى لا يحتاج إلى كلام كثير، هكذا كان الشيخ إمام.

فى ميدان التحرير أيام يناير، إذا نظرت إلى الناس لحظة أغانيه، ستجد حالة إنسانية حماسية كبيرة تفوق كل من غنى للثورة من الشباب، كان أغانيه تمسكك من قلبك لتحرّكك، تجعلك حازمًا فى موقفك، شىء ما فيها يقول لك: "مش هانمشى، هو يمشي".

كان كيانًا متكاملًا لا يمكن تجزئته، لا يمكن أن الشيخ القارئ للقرآن بإتقان عن المغنى الثورى، ولا عن صاحب الأغانى العاطفية الرقيقة، كان كل هذا معًا، فى وقت واحد، دون تناقض ظاهر.

 كيف يجتمع هذا التكوين النفسى مع تكوين الصعلكة عند أحمد فؤاد نجم؟ كيف التقيا رغم هذا التناقض الظاهرى، وعلى مدى طويل؟

الشيخ إمام لم يكن قادرًا على غزو العالم وحده وهو كفيف، فغزاه بصعلكة نجم، كوّنا اتحادًا نفسيًا تعويضيًا مكملًا لبعضه البعض، وبدوا فى كثير من الأحيان كدويتو يصعب إيجاد مثيله، كانت صعلكة نجم ضرورية لاكتمال الشكل الإمامي/ النجمى كظاهرة مصرية تُعدّ من أخطر الظواهر وأعمقها تأثيرًا.

 هل يمكن أن نفرّق بين شخصية إمام وشخصية نجم؟

نجم وإمام متكاملان وفى الوقت ذاته متنافران، كما لو كانا قطبى مغناطيس متشابهين يتجاذبان ويتدافعان فى آنٍ واحد، شخصية إمام كانت واضحة المعالم، بينما شخصية نجم كانت مراوغة ومزعجة أحيانًا، وشديدة الوطأة لمجرد رد اعتبار أو انتقام أو غرض ما، ومع الاحتفاظ الكامل بمكانة نجم وتاريخه، لديّ ملاحظات عليه لم أجدها فى الشيخ إمام.

 مثل ماذا؟

مثل الحديث عن الآخرين بما لا يليق، وعدم القدرة على ضبط ذلك، وأنا دخلت بيته ذات مرة وكان متزوجًا من صافي ناز كاظم، وكانت نوارة رضيعة لم تتجاوز العام، وتناولنا الملوخية معًا، وكان واضحًا جدًا عدم استقرار نجم، كأنه يضيق بالمكان الواحد والوجه الواحد، وكأنه يتزوج ليكوّن تجربة لا ليبنى بيتًا، وربما أجمل ما فعله هو أنه أنجب نوارة، التى ورثت منه الحدّة والقدرة العالية على السخرية، وزادت عليها نضجًا أعمق.

 كنت قريبًا من التجربة شاهدًا عليه، هل نشأت غيرة بين إمام ونجم؟

الغيرة شعور إنسانى صادق، وكانت هناك غيرة واضحة بينهما، وهى سبب من أسباب الخلاف، وبسببها تم طمس بعض أغانى الشعراء الآخرين، وكأن الشيخ إمام لم يغنِّ إلا لأحمد فؤاد نجم، كأن ثمة خطابًا خفيًا يقول: "أنا البطل، أنا الجدع، أنا المبدع، ومن دون كلماتى لا يغنى أحد"، لكن إمام غنّى مثلا "يا مصر قومى وشدّى الحيل" لنجيب شهاب الدين، وهى من عذوبتها وعمقها ما يجعل كثيرًا مما كتبه نجم يبدو باهتًا بجانبها.

 الغريب أن الشيخ إمام كان مستسلمًا لهذا الاحتكار.. ما تفسيرك؟

الشيخ إمام استسلم طواعيةً لهذا الاحتكار، وكأنه يقول: "خذ ما تريد، أنا أكبر من هذا الاحتكار"، هذا ترفّع جميل عنده، إمام اكتشف نفسه الثورية فى سن الخمسين، وكان قد نضج فى نواحٍ كثيرة، وما أجمل أن ينضج الإنسان فى الخمسين، ثم يزرع أرضه بهدوء، وينتظر نهايته دون زعل، دون تعب، دون عتاب، ودون خوف.

 لماذا كان الشيخ إمام يحرص على وجود محمد على رغم أن البعض يرى أنه ليس موهبة فى الإيقاع؟

جلست كثيرًا مع محمد على، وكان يمثّل ضلعًا فى مثلث، ربما أقل الأضلاع ظهورًا فى ذاكرة الناس، لكنه كان إنسانًا دمثًا، طيب الروح، رفيقًا عذبًا لا يقول لا، واختيار الشيخ إمام له كان سندًا بشريًا حقيقيًا يوازى الموسيقى والكلمة، هناك إحساس خفى بعدم الأمان ظل حاضرًا عند إمام، ربما بسبب ما مرّ به فى علاقته بنجم، مما جعله يوطّد علاقته بمحمد على بشكل أعمق، المبدع الكبير أحيانًا لا يحتاج إلى من ينافسه فى موهبته بقدر ما يحتاج إلى من يحضر معه دون أن يُزعجه.

 كنت أمينًا عامًا للجنة الثقافية لكلية طب عين شمس، كيف كانت مرحلة الحركة الطلابية مع الشيخ إمام؟

تعرفت عليه من خلال بعض الزملاء السياسيين المنتمين إلى اليسار، وكانت أول لقاءاتنا فى إحدى الجلسات فى بيته، بحضور الراحل فؤاد قاعود وعدد من الطلاب، سعيت وقتها إلى تنظيم أكبر حدث سياسى وفنى شهدته جامعة عين شمس، امتدّ أسبوعًا كاملًا من المحاضرات والندوات، شارك فيه أئمة الفكر فى مصر: لويس عوض، وغالى شكرى، ويوسف إدريس، وفرج أحمد فرج، ونوال السعداوى، ونجيب سرور، وإنعام الجريتلى، وصلاح عبد الصبور. وضمّ الحدث أفلامًا توثّق نضال الشعب الفيتنامى والشعب الفلسطينى، ومعرضًا للصور يؤرّخ لكل ذلك.

فى أحد الأيام جاء الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم ومحمد على إلى المدرج الكبير بجامعة عين شمس، وامتلأ المكان حتى لم تجد موضعًا لقدم، غنّى الشيخ إمام ثلاث ساعات متواصلة. بعد ذلك أغلقت إدارة الجامعة المدرجات بالأقفال والسلاسل، فتحوّلنا إلى الحدائق المحيطة بالكلية، وكنا من أوائل من اكتشفوا ما عُرف لاحقًا بـ"الكعكة الحجرية" التى كتب عنها أمل دنقل.

وتطوّر المناخ ليصل إلى اعتصامات واحتلال مبانى الجامعة لثلاثة عشر يومًا، من الثلاثين من ديسمبر 1972 إلى الحادى عشر من يناير 1973، إلى أن دخلت الدبابات إلى قصر الزعفران واقتحمته واعتقلت الجميع.

 هل كانت لك تجربة اعتقال مع الشيخ إمام؟

نعم. اعتُقلت معه فى الرابع والعشرين من يناير 1972، ودخلنا سجن القلعة، وكان الأمن يُدخل أعدادًا كبيرة من الطلبة ثم يُخرجونهم على دفعات، بقيت أنا وبعض الزملاء، وكان معنا الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، وكان إمام أحيانًا يغنى من داخل الزنازين، كأنه يرفض أن تسكت روحه لمجرد أن جسده محبوس، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى سجن الاستئناف.

 وما الحالة النفسية للشيخ إمام فى تلك الفترة؟

لم يكن سعيدًا، لا أحد يحب السجن، خصوصًا حين يأتى مفاجئًا. لكنه لم ينكسر، وهذا الفارق مهم جدًا.

 هل اهتزت صورة اليسار عند إمام فى أى وقت؟

لا أستطيع الجزم، لكننى أعتقد أنها اهتزت، لأنها اهتزت عندى أنا أيضًا، وعند مجموعات من الطلاب الذين كانوا معنا، بعضنا كفر باليسار كليًا فى لحظة ما، لكن، وعلى رأى أحد الزملاء، مع اختلاف مساراتنا وملاحظاتنا على اليسار المصرى، إلا أننا لم نخلع أقدامنا بعد من أحذية الماركسية.

 رغم أن اليسار هو من احتضن إمام، إلا أن الإسلاميين اعتبروه فى فترات مختلفة منهم، ما تفسيرك لذلك؟

(ضاحكًا) الإسلاميون لا يعتبرون الشيخ إمام تابعًا لهم بالمعنى المباشر، بل يرونه جزءًا من كل ما هو محرّض، فيلحقونه بهم بشكل عام، الإسلاميون يحتضنون أى شىء يخدم خطابهم: من كيس الأرز إلى شنطة رمضان إلى الشيخ إمام، هو سلوك براغماتى انتهازى فى جوهره.

وأنا أرى أن هناك عذرًا لكل الفصائل السياسية التى تعرضت للظلم والبطش، رأيت ذلك بأم عينى، وعايشت ضحايا من كل الاتجاهات، رأيت كيف عبث ضباط أمن الدولة بحياة الناس وكرامتهم، وكيف كانوا يتركون المعتقلين فى برد يناير القارس ثم يقولون: "آسفين، أنت لست المقصود، لكن سنحتاجك معنا".

 هناك انتقالات كثيرة فى مشوار الشيخ إمام: الجمعية الشرعية، ثم احتضان اليسار، ثم فى أواخر أيامه مال إلى التصوف.. ما تفسيرك؟

أراه ميلًا طبيعيًا لفهم أعمق للروح والوجود، التصوف ليس مخافةً من الله، بل هو حبٌّ له، ولذلك أقول دائمًا: لا ينبغى أن نضع الصوفيين فى سلة واحدة مع باقى التيارات الإسلامية، الصوفية الحق ناس لهم نقاء يشبه بياض الحليب، فيهم فن التمايل والإنشاد والإيقاع الروحى الذى يأخذك ويعطيك شيئًا يشبه إكسير الحياة، كأن الإنسان حين يبلغ غايته السياسية ينتهى به الأمر إلى شىء يشبه الخشوع.

 من منتصف الثمانينات خفت حضور الشيخ إمام داخل مصر خفوتًا لافتًا، حتى نجم وجّه له فى مذكراته اتهامات قاسية، من بينها أنه عميل، تعتقد.. ما الذى كان يشعر به إمام فى تلك المرحلة؟

فى حياة كل إنسان محطات، وهذه كانت محطة إمام الأخيرة: محطة انتظار الموت بهدوء، ولا أعتقد، من معرفتى به، أنه كان حزينًا أو متألمًا، لكنه كان مرة أخرى إنسانًا عاديًا، خلع لباس "الدور العام"، وارتدى لباس الحياة المدنية الهادئة كأى إنسان مصرى يجلس فى بيته: لا سجن، لا شهرة، لا يمين ولا يسار، وما أجمل أن ينحسر عنك الضوء قليلًا قبل أن تموت. فيه راحة عميقة، وفيه حكمة لا يملكها إلا من عاشوا بالكامل.

 سؤال أخير: إلى أى مدى يمكن أن نجد فى شخصية الشيخ إمام وسيرته ما يختصر جوهر المواطن المصري؟

الشيخ إمام يختصر جوهر الإنسان المصرى فى أكثر من معنى، أولًا: الإنسان المصرى متدين بطبعه، لكنه لا يحتاج إلى وسيط، ولا إلى مؤسسات دعوية، يتوضأ ويذهب إلى الله مباشرة، وهذا موجود فيه منذ قدماء المصريين، ثانيًا: المصرى إنسان ثورى بطبعه، يثور على الظلم ويغنى ويعبّر عن نفسه بالفن، لا يحتاج إلى بيان ولا إلى حزب، ثالثًا: المصرى إنسان تعلّم أن يعوّض النقص بثراء داخلى، مثلما عوّض إمام فقدانه البصر بعوالم من الحدائق والورود والنجوم.

الإنسان المصرى مملوء بالتناقضات الجميلة: الحلوة والمرّة، الجيدة والسيئة، من كوباية الشاى ذات الطعم الذى لا تجده فى أى مكان فى العالم، إلى كوباية عصير القصب، إلى أغانى الشيخ إمام، هناك توافق عميق، جينى واجتماعى ونفسى، يجعل الناس قادرة على التلاؤم والتقبّل، وهذه الخصوصية الإنسانية الكاملة تختصر فى ذلك الكيان الذى اسمه الشيخ إمام.. الكيان الذى يصعب فصل عناصره بعد أن تداخلت وتشكّلت ككل واحد لا يتجزأ.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «14»
كتابي "الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب
ييببب
شعبان عيسى: الشيخ إمام مظلوم إعلاميًا رغم تأثيره
إمام .. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «10»
إمام .. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «9»
كيف تحوّل صوت مصرى إلى أيقونة نضال فى تونس
لااا

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - كده وكده

بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...

مثقفون فى الحج.. رحلة كبار الأدبــــاء إلى الأراضى المقدسة

تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...

السلطان عبد الحميد الثانى.. خَـــذل المصريين بفرمان عصيان عرابى

شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...

شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على العصر

إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...