ليلة بكت فيها الشوارع فرحًا.. مصر تنتصر في الملعب وتسكن القلوب

تأملات وطنية

لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت ليلة وطنية خالصة كتبت فيها مصر فصلًا جديدًا من فصول العشق بينها وبين أبنائها، وأثبتت أن هذا الوطن لا يحتاج إلا إلى لحظة انتصار صادقة حتى تتحول شوارعه إلى أنهار من الفرح، وميادينه إلى ساحات حب، وقلوبه إلى رايات ترفرف باسم مصر.

أيمن عدلي
عضو مجلس إدارة نقابة الإعلاميين

 

فمع صافرة النهاية التي أعلنت فوز المنتخب المصري على نظيره الأسترالي، لم يكن الذي انتصر أحد عشر لاعبًا فقط، بل انتصرت معهم روح وطن كامل، واستيقظت في القلوب مشاعر دفينة من الفخر والانتماء والاعتزاز.

في تلك اللحظة، بدا وكأن مصر كلها قد نهضت من مكانها لتقول للعالم إن هذا البلد، مهما مر عليه من أوجاع وتحديات، يبقى قادرًا على الفرح، وقادرًا على أن يصنع من لحظة رياضية ملحمة وطنية تليق باسمه وتاريخه ومكانته وهذا ما رأيته وأنا في طريقي من ماسبيرو لمنزلي.

خرج المصريون إلى الشوارع بقلوب تسبق خطواتهم، وارتفعت الأعلام فوق السيارات والشرفات، وتعانقت الأيدي قبل الكلمات، وتعالت الهتافات التي لم تنطق إلا باسم واحد: مصر. كان مشهدًا مهيبًا، لا تصنعه مباراة فقط، بل يصنعه وطن يسكن وجدان أبنائه، وشعب يعرف كيف يلتف حول رايته حين تلوح في الأفق بشارة فرح أو لحظة مجد.

في تلك الليلة، لم تكن القاهرة وحدها تحتفل، ولا الإسكندرية وحدها ترقص على نغمات الفرح، بل كانت مصر كلها من شمالها إلى جنوبها تعيش حالة نادرة من البهجة الصافية. المقاهي امتلأت بالتصفيق والزغاريد، والبيوت فتحت نوافذها على أصوات الأغاني الوطنية، والشوارع تحولت إلى مسرح كبير يروي حكاية وطن ما زال قادرًا على أن يجمع أبناءه حول اسمه في لحظة واحدة، دون موعد مسبق، ودون دعوة إلا دعوة الحب الصادق لهذا البلد.

ولأن مصر ليست وطنًا عاديًا في وجدان العرب، لم تتوقف أصداء الفرح عند حدودها الجغرافية، بل امتدت إلى مساحات أوسع من المحيط إلى الخليج. كانت الفرحة في عيون الأشقاء العرب وكأنها فرحتهم هم أيضًا، وكأن فوز مصر أعاد إلى الذاكرة ذلك المعنى الكبير الذي ظل مرتبطًا بهذا البلد؛ أن مصر حين تفرح، تفرح معها قلوب كثيرة، وحين تنتصر، يشعر الجميع أن للأمة نبضًا عاد أكثر قوة ووضوحًا.

لكن الصورة الأجمل والأكثر رسوخًا في الوجدان، كانت صورة الأطفال. هؤلاء الصغار الذين خرجوا يحملون الأعلام بوجوه تفيض براءة وفخرًا، ويرددون اسم مصر بحماس لا يعرف التصنع، ويقفون على أكتاف آبائهم كأنهم يطلون للمرة الأولى على معنى الوطن. في تلك اللحظة، لم تكن الكرة مجرد لعبة بالنسبة لهم، بل كانت بوابة واسعة دخل منها حب مصر إلى قلوبهم، وتسلل منها معنى الانتماء إلى أرواحهم الصغيرة.

رأينا الأطفال يرتدون قمصان المنتخب، يلوحون بالأعلام، ويغنون الأغاني الوطنية في عفوية مؤثرة، وكأنهم يكتبون أول سطور علاقتهم الحقيقية بالوطن. لم يكن أحد يشرح لهم معنى الانتماء، لكنهم رأوه في عيون الكبار، وسمعوه في الهتاف، وشعروا به في رجفة الأعلام، فعرفوا بالفطرة أن مصر شيء أكبر من مجرد اسم، وأن العلم الذي يرفعونه ليس قطعة قماش، بل رمز لعزة وكرامة وتاريخ لا ينتهي.

وهنا تظهر قيمة مثل هذه اللحظات؛ فهي لا تمنح الناس فرحة عابرة فحسب، بل تصنع وجدانًا، وتبني ذاكرة، وتغرس في النفوس بذور الانتماء. الطفل الذي يهتف اليوم باسم مصر في الشارع، سيربط غدًا بين الوطن والفرح، بين العلم والفخر، بين النشيد والكرامة، وسيكبر وهو يحمل في قلبه ذكرى لا تُنسى عن ليلة رأى فيها مصر عظيمة في عيون الجميع.

لقد أكدت هذه المباراة أن الوطنية المصرية لا تزال حية بكامل توهجها، وأن هذا الشعب يحمل حب بلده في أعماقه مهما تباينت الظروف وتغيرت التفاصيل. فحين يعلو اسم مصر، تسقط كل الفوارق، وتذوب كل المسافات، ويتقدم الوطن وحده إلى الصورة. يصبح المصري في تلك اللحظة أكثر قربًا من أخيه، وأكثر تعلقًا بتراب بلده، وأكثر إيمانًا بأن مصر ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل قدر جميل يسكننا ونعيش به.

إن ما جرى لم يكن مجرد احتفال بفوز رياضي، بل كان احتفالًا بمصر نفسها؛ بتاريخها، ومكانتها، وقدرتها الدائمة على أن تصنع الفرح وتجمع القلوب. كانت ليلة قال فيها المصريون بطريقتهم البسيطة والعميقة إنهم قد يختلفون في كل شيء، لكنهم لا يختلفون أبدًا على حب مصر، ولا يتأخرون لحظة عن رفع اسمها عاليًا حين تبتسم لهم لحظة نصر أو يلوح في السماء علمها العزيز.

ستبقى هذه الليلة علامة مضيئة في ذاكرة كل من عاشها، لأنها لم تكن ليلة هدف وانتصار فقط، بل ليلة وطنية كاملة الأركان، استعادت فيها مصر مكانها في الشوارع والقلوب، ورأى فيها الأطفال بأعينهم كيف يتحول حب الوطن إلى فرحة عامة، وكيف يصبح اسم مصر وحده كافيًا لأن يفتح أبواب البهجة في كل بيت، ويجمع ملايين القلوب على نبضة واحدة تقول بكل الحب والفخر: تحيا مصر.

أيمن عدلي

أيمن عدلي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أيمن عدلي

المزيد من مقالات

ليلة بكت فيها الشوارع فرحًا.. مصر تنتصر في الملعب وتسكن القلوب

لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت ليلة وطنية خالصة كتبت فيها مصر فصلًا جديدًا من فصول العشق بينها...

ميت رهينة حكايات وأسرار تنتظر اكتشافها

"منف" – ميت رهينة حاليا" عاصمة مصر القديمة كانت رمزا للسياسة ومقرا للحكم لمدد قاربت علي خمسة قرون ومن هذا...

تطوير الإعلام المصري الملف الأهم في العصر الرقمي !

جاءت الرسائل التي تضمنها خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الجديدة مؤخرا لتؤكد حقيقة...

الصحة الإنجابية وجودة الخصائص السكانية

في اليوم العالمي للسكان، يتجدد التأكيد على أن التنمية المستدامة لا تُقاس بعدد السكان، بل بجودة الإنسان. وقد انتقلت السياسات...