أحمد عايد: «لا أرى الأشياء كما» صرخة ضد الجمود

الشاعر ابن التأمل والصمت والمراقبة نعانى من فوضى الكتابة.. والسوشيال ميديا فتحت علينا بوابات الجحيم حاولت الإصغاء لما لا يملك لسانًا.. وفى كل ديوان أقدم تجربة جديدة

أحمد عايد واحد من الأصوات الشعرية المصرية التي أثبتت حضورها في المشهد الثقافي، من خلال مشروع شعرى يجمع بين التجربة الإبداعية والنقد والبحث الأكاديمي، صدر له العديد من الدواوين بداية من ديوانه الأول "رماد أخضر" الذي حصد جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصولا إلى ديوانه الأخير "لا أرى الأشياء كما هي".

وإلى جانب تجربته الشعرية يعمل فى مجال التحرير والتدقيق اللغوى كما حصل على الماجستير في شعرية السرد في شعر محمد عفیفی مطر، وهو ما أضاف إلى تجربته الإبداعية بعدا نقديا ومعرفيا. عن ديوانه الأخير ومشروعه الشعرى ورؤيته للمشهد الثقافى المصرى. تحدثنا معه في هذا الحوار...

كيف بدأت فكرة ديوانك "لا أرى الأشياء كما هي".. ولماذا اخترت هذا العنوان؟

فكرة الديوان معى منذ ١٤ عامًا، أنا شاعر صبور، وقتها لم تتحدد معالم الديوان لا اسمه ولا عدد قصائده.. الفكرة قائمة على صنع ديوان ينتمى لقصيدة النثر، وقصائده قصيرة غالبا. في عام ۲۰۱۷ تبلورت الفكرة وظهرت أمام عيني حين كتبث القصيدة التي تحمل عنوان الديوان ومن يومها شرعت في إعداد قصائده.

أما سبب اختيار الاسم، فلأنه الخيط الناظم للقصائد.

فالديوان رؤية شعرية لكل ما حولنا في الحياة.. من أصغر الأشياء إلى أكبرها. ما الذي يميز الفنان عن الإنسان العادي ؟ أنه لا يرى الأشياء كما هي. وهذا الديوان مشاركة من الشاعر للقارئ في هذا الهم.. هل حقيقة نرى الأشياء كما هي أم لا؟ أنا مهموم جدا بعناوین دواوینی ویؤرقني اختيارها، وقد أعطل أحيانا صدور الديوان سنوات إلى أن أستقر على عنوان مناسب.. وكل عنوان من عناويني يمثل رؤيتي للشعر وقت صدور الديوان

ا هل كنت تسعى فى هذا الديوان إلى تغيير طريقة نظر القارئ للأشياء اليومية، أم الكشف عن رؤيتك الخاصة لها؟

انطلقت أساسا من شيئين، الأول الإطار الأكبر، الشعر الذي يعتمد على رؤية الشاعر للحياة وما فيها. والثاني قصيدة النثر والتي تجعل الشاعر يتعاطى الحياة بصورة مختلفة عن الأنماط الكلاسيكية في الكتابة. الديوان مزيج من الخاص والعام، هو رؤية الشعر ورؤية الشاعر أعدث فيه الإصغاء للحياة وللأشياء من حولي كأنني أعيد تعريفها لنفسى. الكتابة في أصلها لعبة بين الكاتب والقارئ أدعو القارئ فى ديواني لرؤية الأشياء التي يراها عادة من وجهة نظر مختلفة .. ربما يتفق أو يختلف، ربما يتحمس أو يبحث عن نظرة جديدة، وقد يفرح أو يحزن.

ا في الديوان نجد الجمادات والأشجار والكائنات تدخل في علاقات إنسانية مألوفة، لماذا تميل إلى أنسنة الأشياء ومنحها صوتا خاصا؟

ولدت في إحدى قرى محافظة المنوفية. وجدى فلاح، سمعته مرارا يتحدث عن الأرض وأنها تكلمه وعن الزرع والثبات وجدتي كانت ربة منزل، مشغولة طوال اليوم بالطيور والحيوانات المنزلية، وكانت تزعم أنها تفهم لغاتها، فأي خيانة يمكنني أن أرتكبها إن تملصت من هذا الميراث؟ الشاعر ابن التأمل والصمت والمراقبة كل شيء يتحدث الخالق يقول: "أمم أمثالكم"، كل هذه الكائنات تتكلم، وعلي أنا أن أحسن الاستماع والتعبير. ربما في هذا تنبية للإنسان المعاصر، الذي صار متوحشا ويتعامل مع معطيات الحياة بوصفها حكرًا له، تنبية له أن يحترم خصوصية الأشياء والجمادات.

يرى بعض النقاد أن قصائد الديوان تبدو كأنها حلقات في مشروع واحد لا نصوص متفرقة. إلى أي مدى كان هذا الترابط مقصودا في أثناء الكتابة ؟

هذا ليس بدعة في دواويني منذ بدايتي أحرص أن يكون الديوان كلا كاملا وجسدا واحدا. مضى الزمن الذي يصلح فيه أن يكون الديوان الشعري جمعا لقصائد متباينة. الآن على الشاعر أن يعد مشروعًا يكشف فيه عن رؤيته ومقدرته.

الخطاب في الديوان يعتمد على الشك في الرؤية. هل الشك وسيلة للمعرفة أم حالة يعيشها الشاعر المعاصر ؟

الشك منهج حياة متكامل، وينعكس في كل شيء. لكن ديواني لا يقوم على الشك؛ بل على طرح رؤية مغايرة للمألوف، أو هدم العلاقات النمطية، وإنشاء علاقات منطقية جديدة. الديوان صرخة ضد الجمود والثبات ومحاولة للإصغاء لما لا يملك لسانا.

ما الذي أتاحته لك قصيدة النثر في هذا الديوان ولم تستطع تحقيقه بنفس الشكل في أشكال شعرية أخرى ؟

حين يملك الشاعر أدواته ويفهم الشعر على وجهه الحقيقى يدرك أن الأشكال الشعرية محض ألعاب في يديه. لست متحيرا لشكل ضد الآخر، وأفهم، تمام الفهم أن الشعر يوجد في القصيدة العمودية القديمة والحديثة وفي قصيدة التفعيلة وفى قصيدة النثر، بل وفي كلام الناس البسطاء الشعر أكبر من أن يحصر في شكل أساسا، كل شكل لعبة من ألعاب الشعر، كالرقص.. كل رقصة لها خصائصها، كالموسيقى.. كل نوع له خصائصه ... إلخ. في قصيدة النثر كنت حذرًا من الثرثرة، على الرغم من المساحة الشاسعة التي تمنحها لعبة النثر للثرثرة صرت خائفا من كل كلمة وكل حرف أسأل نفسي مرارا هل يمكنني أن أستغنى عنه ؟ فلا حجة لي في ترك هذه الزيادة. في قصيدة النثر، رأيث مساحات مهملة كثيرا في العمودي والتفعيلة. وفى قصيدة النثر رأيث أن اللغة تملك إيقاعها، والشاعر البارع يخرج للغة إيقاعها، ويضمد جروح الكلام العادى ويرفعه لمصاف الشعر.

بعد "لا أرى الأشياء كما هي".. هل مشروعك الشعرى دخل مرحلة جديدة أم أنه امتداد طبيعي لما بدأته في دواوينك السابقة؟

مع كل ديوان أحس أثنى أدخل مرحلة جديدة، وإلا فما فائدة أن أكتب ديوانا جديدا إن لم يكشف لي منطقة جديدة في الشعر، ويضيف إلى خبراتي في الكتابة والحياة

لماذا اخترت ديوان "احتفاليات المومياء المتوحشة" موضوعا لرسالة الماجستير دون غيره من أعمال عفيفي مطر ؟

علاقتی بعفيفى مطر قديمة للغاية، تكاد تكون شخصية وإن لم يحدث لقاء حقيقي بيننا، لكن احتفاليات المومياء المتوحشة له قصتان معى، الأولى حين بدأت التعرف على شعره، وقرأت هذا الديوان، سافرت بعدها إلى المنوفية، وتصادف مروري في وقت الشروق، وهذه الأجواء موجود في قصيدة من الديوان باسم "هلاوس ليلة الظماً، فشعرت أن هذا ليس من قبيل المصادقة. هذا نداء عميق، واستحضار للغة تخاطب بيني وبينه.

القصة الثانية، في إحدى دورات مهرجان القاهرة للشعر العربي، سافرت لألتقى شعراء المهرجان، وفي طريقي من السويس للقاهرة كانت هذه القصيدة تتردد في ذهني كثيرا، وهذا الديوان يرتبط بذكرى اعتقال عقیقی مطر وكأن عقلي كان ينبهني، فقد قبض علي يومها، ولكن سرعان ما أفرج عنى بعد تدخل من الروائي إبراهيم عبد المجيد والدكتور شوكت المصرى ووزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم.

كل هذا لم يكن كافيا لي، لكننى وقت اختیار موضوع الرسالة، اضطررت لمراجعة اقتباس من ديوان الاحتفاليات، وسرعان ما غرقت في قراءته، وبعد إعادة قراءته، انتبهث إلى أن في هذا الديوان العابا سردية تستحق الدراسة.. فاخترثه، وحين أخبرت مشرفي د. سعيد الوكيل أعجب بهذا الاختيار، وقال لي: "هذا تحد كبير.. فعفيفي مطر ليس سهلا.. لكنني أثق بك".

أشرت في أكثر من مناسبة إلى تأثرك بعفيفي مطر منذ البدايات، فهل رسالة الماجستير امتداد لهذا التأثير أم محاولة لإعادة قراءته بمنهج أكاديمي جديد؟

عفیفی مطر من أهم شعراء مصر على مر العصور، ولا غرابة في أن أعجب به لكن اختياري جاء من اکتشافی ما يستحق أن يدرس في هذا الديوان، فهو مادة خام للدراسات السردية، وأظن أن مطر كان واعيا بهذا جدا وهو يكتبه.

هل تغيرت قراءتك لعفيفى مطر بعد الدراسة الأكاديمية؟ وما الذي اكتشفته في تجربته خلال البحث ولم يكن واضحا لك عندما كنت تقرؤه كشاعر فقط ؟

تقول العرب: ليس من رأى كفن سمع". وهذا حالى مع عقیقی دراسته نقديا كشفت لي أن هذا الشاعر المهول لا يهدر كلمة بلا فائدة، ويعرف كيف يستغل أدواته ومعارفه ويلعب بالبيضة والحجر، دراسته نقديا علمتنی كثيرا وكثيرًا عن الشعر، وكيف يمكن المشاعر أن يستقل معارفه في عجينته الشعرية.

إلى أي مدى أثرت الدراسة الأكاديمية في طريقة كتابتك للشعر ؟ وهل تتحول الدراسة الأكاديمية إلى عبء على حرية الشاعر، أم تمنحه أدوات أعمق للكتابة؟

عشت عمري كله أتعامل مع الشعر من جهة الشاعر ثم قلت: يكفى هذا، أريد أن أرى الشعر من وجهة نظر الناقد. هناك شعراء يفسدهم عملهم في النقد، وهناك شعراء لديهم ميزان حساس ينبههم... أظن أنني من الصنف الثاني، وإن كنت لا أشكك فيما يمكن أن يتعلمه الشاعر من النقد، بما يخدم مشروعه الشعري وقصيدته من دون التخلى عن وهج الشاعر وحريته.

مرحت بأن الشاعر لا يصل إلى ما يريد إلا عندما يكتب قصيدته الأخيرة. هل هذا يعنى أن الرضى الكامل عن المنجز الشعري مستحيل ؟

من رأى نفسه، فقدها"، هكذا يقول الصوفية، وما دام الشاعر حيا يتعلم. الشعر لعبة لا نهائية الاحتمالات. وجهاته أكثر من أن تعد لو وصل الشاعر إلى اليقين والكمال، فماذا سيكتب بعدهما ؟ ما دام الشاعر حيا، فهو في عمله الشعري، صحيح يمكنه أن يكتب تقرير النهاية. أو يتلمح مواضع قدميه، لكنه لا يكتمل إلا بموته.

مدر لك كثير من الدواوين تكاد تقترب من ديوان كل عام، هل غزارة الإنتاج ضرورة إبداعية ؟ وهل هذه الغزارة تؤثر بالسلب على المبدع ؟

دواويني صغيرة جدا، يكاد بعضها لا يتجاوز ألف كلمة. وأغلبها لا يتجاوز ألقى كلمة، وبعضها خمس قصائد. وسيع قصائد الغزارة والقلة ليستا دليلا على شيء. المنتج هو الدليل في كل ديوان أقدم تجربة جديدة. وأبحث عن ألعاب شعرية لم أجربها من قبل.

أنت شاعر وباحث أكاديمي ومحرر أدبى وخطاط وكاتب سيناريو، أى هذه الألقاب الأقرب لك ؟

الشاعر قطفاء الشاعر ملك، لا أعدل بالشعر شيئا. وكل ما عداه يخدمه، ويمكنني أن أتخلى عن كل ما سوى الشعر. وأرجو ألا يتخلى الشعر عنى.

بحكم عملك في التحرير الأدبي، تحدثث عن نشر أعمال ضعيفة. فهل الأزمة في الكاتب أم الناشر أم غياب المحرر الأدبي المحترف ؟

نعاني من فوضى الكتابة، والسوشيال ميديا فتحت علينا بوابات الجحيم الكتابي، إضافة إلى الناشر الذي ينظر إلى الأمر بوصفه تجارة فقط، والجمهور الذي يروج الأذواق فاسدة، ويمكننا أن نضيف النقاد كذلك، وترسانة الإعلام والصحافة، وفضائح الجوائز لا أظن أن وسط الكتابة عاش هذه الظلمة الحالكة من قبل.

قلت إن النقد الحقيقي يكشف مواطن القوة والضعف بلا مجاملة، هل لا يزال النقد الأدبي المصرى يؤدى هذا الدور أم صار جزءا من شبكة العلاقات الثقافية ؟

النقد المصري، والعربي، منذ سنوات، أداة ترويج ويمشى بمنطق الشللية والاستسهال، إلا في قليل نادر جدا جدا. المناخ العام غير مهياً أصلا لا للكتابة الحقيقية، ولا للنقد الحقيقي، ولا للفن الحقيقي أصلا، زماننا وحضارتنا ضد كل ما هو أصل، وتدعم كل ما هو مزيف ومبهرج وغير حقیقی

ما عملك القادم؟

أعكف على ديواتين الأول عن الفقد، والثاني أحاول فيه أن أطبق المهارات التي تعلمتها من كتابة قصيدة النثر في كتابة قصيدة التفعيلة.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

فى ذكرى رحيله ال 94 حافظ إبراهيم.. شاعر النيل الذى خلدته قصائده

طه حسين أطلق عليه «لسان الشعب».. ومحمد مندور قال إن شعره قريب من الجماهير روايته «ليالى سطيح» عمل نثرى يرقى...

«وَجْهُ صَباَحْ» و «حكايَتى مع الكنيسة».. عملان جديدان للإعلامى محمد جراح

عن دار وعد صدر عملان جديدان للكاتب والإعلامي محمد جراح الأول مجموعة قصصية بعنوان "وجه صباح ؛ وقد وصلت هذه...

أحمد عايد: «لا أرى الأشياء كما» صرخة ضد الجمود

الشاعر ابن التأمل والصمت والمراقبة نعانى من فوضى الكتابة.. والسوشيال ميديا فتحت علينا بوابات الجحيم حاولت الإصغاء لما لا يملك...

الطيب صالح 96 عامًا على ميلاده و 60 عامًا على صدور أشهر رواياته

تغريبة الطيب صالح التى صنعت مصطفى سعيد وبطولته الخاصة فى «موسم الهجرة إلى الشمال» «عرس الزين ودومة ود حامد» يؤكدان...