تغريبة الطيب صالح التى صنعت مصطفى سعيد وبطولته الخاصة فى «موسم الهجرة إلى الشمال» «عرس الزين ودومة ود حامد» يؤكدان أن روح الطيب ظلت تعيش وتحلق عند جذوره العميقة فى السودان حين قال الطيب «جئت إلى بلد لم أرغب فيه.. وأعمل عملا ليست لى رغبة فيه»
عاش الطيب صالح ثمانين عاما.. ملأ الدنيا وشغل الناس وأبدع أدبا تجاوز حدود الزمان والمكان، وصارت روايته الأشهر موسم الهجرة إلى الشمال ) واحدة من كلاسيكيات الأدب العربى الحديث ومن أفضل الروايات التي أنتجها السرد العربي.
حين هاجر الطيب صالح في شبابه من السودان إلى إنجلترا ليستقر فى لندن فإنه كان يصنع تجربة فريدة تتفاعل فيها العلاقة بين الجنوب والشمال أو بين الشرق والغرب فى إطار واقعى جسده الطيب بشخصه ولحمه ودمه.
ولا يمكن على أى مستوى أن نفصل بين تجربة مصطفى سعيد بطل موسم الهجرة إلى الشمال ومعه بطل الرواية المتكلم الذى لم يختر له الصالح اسما، وتجربة الطيب نفسه الخاصة والحقيقية.. لهذا كانت الرواية عبقرية واستثنائية وملهمة بحيث لا يجئ ذكر صراع الهوية التاريخية والثقافية والعلاقة بين الحضارة الغربية وحضارتنا إلا تكون رواية موسم الهجرة إلى الشمال في مقدمة الأعمال الأدبية التى يستشهد بها في هذا السياق...
الطيب صالح الذي ولد في مثل هذه الأيام وبالتحديد في الثاني عشر من يوليو عام ۱۹۲۹ في قرية كرمكول بمنطقة مروى شمال السودان، والذي عاش أغلب حياته في لندن ومات فيها في الثامن عشر من فبراير عام ۲۰۰۹، هو النموذج الواضح للمبدع العربي الذي طرح أسئلة الهوية والعلاقة بين الشرق والغرب في رواية حققت شهرة عالمية وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة وهي بالطبع (موسم الهجرة إلى الشمال).
في عاصمة الضباب
ولد الطيب محمد صالح أحمد قبل ستة وتسعين عاما في قرية كرمكول القريبة من قرية دبة الفقراء بإقليم مروى أسرته كانت من الفلاحين الذين يزرعون ويحرثون.. لذلك أحب الزراعة وأحتفظ بذكريات كثيرة من تلك المرحلة الأولى في حياته.. درس في المرحلة المتوسطة بمدينة بور سودان ثم انتقل الى أم درمان ليدرس بكلية الزراعة.. ورغم ارتباط الطيب صالح بأرضه وجذوره وقبيلته الركابية بكرمكول إلا أن طموحه في أن يطير ويحلق ويمسك العالم من أطرافه دفعه إلى أن يتقدم لتلك الاختبارات التي أجراها القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي لاختيار عاملين بها في كافة أقسامها.. ونجحالطيب لأنه كان يجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة ليطير إلى لندن للعمل بهيئة الإذاعة البريطانية مع حلول عام ١٩٥٣.. ويستكمل دراسته هناك و يغير مساره الدراسي إلى دراسة الشئون الدولية بالتزامن مع عمله في بي بي سي.
إذن وجد الطيب صالح ابن الريف السوداني المرتبط بأرضه وجذوره نفسه وسط عاصمة الضباب بانجلترا عاملا ومقيما ومنخرطا هناك في الحياة لكنها لم تكن حياة تروق لذلك الشاب الطيب على أية حال إذ قال هو نفسه بعد ذلك: جئت إلى بلد لم أرغب فيه.. واعمل عملا هو كذلك ليست لي رغبة فيه... تركت الأهل والأحباب والدور الفسيحة والتواصل الاجتماعي لأجد نفسي داخل غرفة صغيرة برودتها لا تطاق في بلد غريب بين قوم غرباء).
مع ذلك انخرط الطيب في العمل.. العمل المهني بالبی بی سی.. والعمل الإبداعي کقاص وروائی متفرد و استثنائي
تزوج الطيب صالح باسكتلندية تدعى جولى وانجب منها ثلاث بنات من زينب وسارة وسميرة.. ولاحظ هنا تمسك الطيب بأسماء عربية صرفة لبناته.
في بداية الستينيات نشرت مجلة انكونينتر البريطانية قصة دومة ود حامد للطيب صالح وهي مجلة لا تنشر الا لكبار الأدباء في العالم.. وفي هذه القصة يتجلى تماهى الطيب مع بيئته السودانية وحرصه على أن يظل موصولا بأرضه وجذوره من خلال قدرته على تطويع المكان ليكون مؤثرا وفاعلا في العمل الإبداعي.. وعلى تطويع الحالة الروحية والصوفية أيضا للمجتمع السوداني لتثبت حضورها من خلال هذا المكان الـ (دومة) أو المكان في الموروث السوداني اى مكان ود حامد وحيث يتجلى هذا التجاذب بين المفتونين بالمكان وبالضريح الموجود فيه وبين فئة الموظفين التي ترى في دومة ود حامد مكانا صالحا للاستثمار فيه...
وهكذا يبدو المجتمع السوداني حاضرا في أعمال الطيب صالح منذ بداياته و تبدو اسئلة الهوية الوطنية والثقافية حاضرة وفاعلة على رغم بعد الطيب عن موطنه لكنه كان بعدا بالجسد أما الروحفتحلق فوق أرض المولد والنشأة.
عرس الزين
في رواية عرس الزين تظهر كل مكونات المجتمع السوداني وتفاصيله في القرية السودانية بحيث ندرك أن الطيب يكتب وكأنه لا زال يعيش في كرمكول قريبا من الدبة في إقليم مروى.. نحن أمام شخصيات سودانية محورية أهمها الشخصية المحورية الزين الذي يماثل شخصية عبيط القرية في الرواية المصرية لكنه في الحقيقة ليس عبيطا.
تصحو القرية على خبر أن الزين سيتزوج ابنة عمه نعمة وهي فتاة جميلة رفضت كل الخاطبين الذين تقدموا لطلب يدها وكلهم يفضلون الزين بمراحل لكن نعمة كانت تشعر أنها منذورة لكي تقوم بتضحية ما ويقول الزين لمن يسأله أن نعمة هي من جاءت لامه لتقول لها انها ستتزوج الزين..
الزين شخصية ممن يمكن أن نطلق عليهم الدراويش أو المبروكين.. وجهه غريب و دميم وعيناه غائرتان لم ينبت له ذقن ولا شنب رقبته طويلة حتى أن الصبية يسمونه الزرافة ساقاه نحيلتان يغازل البنات ويضاحكهن.. يغازل الجميلات مثل عزة وعلوية وحليمة البدوية.. ما أشار إلى فتاة وتكلم عنها إلا وتزوجت... شج الشاب العابت سيف رأس الزين فذهب إلى المستشفى وقضى بها فترة ثم خرج منها وقد حسن شكل وجهه وحين رأى (سيف) أمسكه وكاد أن يخنقه وتحول هذا الزين الضعيف إلى وحش شديد القوة كاد أن يهلك سيفا لولا أن صديقه الحنين تدخل في الوقت المناسب وقال له (الزين المبروك.. الله يهديك) فأفلته فورا وكان قد أشرف على الموت.. وبعد هذه الواقعة تحولت شخصية سيف ليصبح إنسانا صالحا يقيم الأذان للصلاة.. الحنين هو رجل صوفى خالص، يقيم ستة أشهر بالقرية ويغادرها ستة اشهر أخرى إلى حيث لا يعرف احد..
وهو هنا يمثل البعد الروحي في الأحداث.. يتوفى الحنين قبل عرس الزين، وفي العرس يختفى الزين ليجدوه عند قبر الحنين فيعود معهم وهو يقول لو كان الحنين موجودا لحضر العرس) في الأحداث شخصيات كثيرة منها عصابة السبعة أو اللجنة التي تدير كثيرا من شئون القرية وفى مقدمتهم محجوب وهناك أيضا شخصية الإمام وقد عارض زواج نعمة من الزين وشخصية الناظر وغيرها من الشخصيات التي تتفاعل في قرية سودانية صميمة، يقودنا الطيب صالح إلى الانخراط في قلب المشهد الاجتماعي السوداني بأدق تفاصيله وكان الرجل لم يترك السودان لحظة واحدة، وأعتقد أن عرس الزين بما حوته من تفاصيل المشهد السوداني والبيئة السودانية تؤكد لنا أن الطيب كان مفارقا للسودان يجسده فقط بينما قلبه وروحه هناك لم يتركا وطنهما لحظة واحدة.
الرواية الفارقة
نشر الطيب صالح روايته الأشهر موسم الهجرة إلى الشمال مسلسلة في مجلة حوار اللبنانية في صيف عام ١٩٦٦. وبعدها مباشرة وفي نفس العام صدرت الرواية عن دار العودة بلبنان.. وبذلك تمر هذه الأيام ستون عاما على صدور الرواية التي أحدثت دويا هائلا وأثارت كثيرا من الجدل والنقاش حول جدلية العلاقة بين الشرق والغرب.
تفاصيل الرواية تقول إن البطل الراوي الذي يتكلم بدون اسم عاد إلى قريته عند منحنى نهر النيل بعد سبع سنوات قضاها في لندن للدراسة...
التداعى مشاهد وأحداث الرواية حين يفاجأ الراوي بشخص غريب هادئ ولا يغير صخبا يسكن قريته.
عرف أن اسمه مصطفى سعيد وأنه جاء إلى القرية منذ خمس سنوات.. اشتری أرضا يقوم بزراعتها وتزوج واحدة من بنات القرية هي حسنة ود محمود.
يظل الراوي مشغولا بشخصية مصطفى سعيد الغامضة إلى أن يكتشف ذات مجلس من مجالس السمر أن مصطفى يتكلم الإنجليزية بطلاقة حين نطق بعض أبيات الشعر الإنجليزي بلكنة إنجليزية واضحة.. تتوطد العلاقة بينهما ويبوح له مصطفى سعيد بسره.. إنه من مواليد الخرطوم و كان طالبا نابغا سافر إلى إنجلترا للدراسة وأقام هناك سنوات وأصبح محاضرا في إحدى الجامعات البريطانية.. وخاض مغامرات نسائية مع نساء إنجليزيات ما بين الزواج والعلاقات الحميمة وحكى له عن نسائه آن همند و ایزابیلا سيمور وجين مورس ومغامراته، وأن بعضهن انتحرن بعد افتتانهن به وكأنه كان يرد على غزوهم الاستعماري بغزوه الخاص لهم إلى أن تزوج جين مورس، وبعد صراع عاطفي وجنسي رهيب بينهما قتلها وسجن لمدة قصيرة ثم أفرج عنه ليعود إلى السودان ويقرر أن يعيش حياة بسيطة في الزراعة واختار قريتهم عند منحنى النيل ليعيش بها.. ويوصيه بأسرته إن حدث له مكروه ويخبره عن غرفة سرية تضم أسراره وحكاياته بعد أن صار صديقه المقرب... ثم يختفى مصطفى سعيد ولا يعثر له على أثر.. ليعتقد الجميع أنه غرق في النيل بعد أن جرفته مياه النهر.. ويعرض ود الريس أحد وجهاء القرية الزواج من حسنة أرملة مصطفى فترفض رفضا قاطعا وتهدد بقتله وقتل نفسها إن أجبروها على الزواج به، ويقف الراوي بقوة في صفها ويحدث أن يسافر الراوي إلى الخرطوم بضعة أيام وحين يعود يعرف أن حسنة قتلت ود الريس ثم قتلت نفسها بعد أن أجبروها على الزواج منه، ويشعر الراوي بعقدة ذلب شديدة ويقرر أن يدخل إلى غرفة مصطفى السرية ليجد بها أوراقا ورسائل من نسائه آن همند و ایزابیلا سيمور ولوحة زيتية قديمة لوجه جين مورس وتنتهى الرواية بأن يلقى الراوي نفسه في النيل بعد أن تماهى تماما مع شخصية مصطفى سعيد، وكأنه وجه من وجوهه فيجرفه التيار ويجد نفسه بين خيارين... أن يستسلم ويلقى نفس مصير مصطفى أو أن يطلب النجدة فيقرر أن يستنجد بمنقذ ويصرخ بأعلى صوته النجدة النجدة لتنتهى الرواية نهاية مفتوحة على وقع صراخ الراوي وهو يقول بأعلى صوته النجدة النجدة، ولا تعرف أن كان أحد سينجده أو سيتركونه يغرق.. وكأن الطيب يتساءل هل يفرق البطل.. هل تغرق نحن.. هل من منجد..
لقد أثارت تلك الرواية الفارقة ولا تزال جدلا صاحبا سواء في مضمونها ووجهتها أو في تقنياتها السردية.. أو في إحالاتها الرمزية الدالة.. البطل الراوي الذي ربما يكون أي واحد منا أو جميعنا أو مصطفى سعيد أو الطيب صالح نفسه... كلنا وجوه عملتنا الحضارية وهي تقف في مواجهة الآخر.
عشرون عاما متصلة أو يزيد قليلا قضاها الطيب صالح عاملا في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية حتى وصل إلى رئيس قسم الدراما به.. ثم وفي عام ١٩٧٤ انتقل للعمل بوزارة الإعلام بقطر لمدة سبع سنوات، وفي بداية الثمانينات انتقل الطيب للعمل مستشارا باليونسكو وتخلل تلك التغريبة الطويلة مدة قصيرة رجع فيها إلى السودان وطنه الأم.
في الثامن عشر من فبراير عام ٢٠٠٩ مات الطيب صالح في أحد مستشفيات لندن.. ليعود الطير المسافر الى جذوره بالسودان ليدفن فيها.
يخيل لي أو هي الحقيقة على وجه اليقين أن الطيب صالح عاش كل هذه التغريبة الطويلة وكل أيام الغربة التي امتدت عشرات السنين بجسده فقط بينما كانت روحه تطير وتحلق وتعيش هناك حيث ولد في كرمكول.. قريبا من دبة الفقراء بإقليم مروى شمال السودان... لذلك يظل الرجل جديرا دائما بأن نظل سيرته وأن يظل إبداعه موضعا للدراسة والشغف.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
طه حسين أطلق عليه «لسان الشعب».. ومحمد مندور قال إن شعره قريب من الجماهير روايته «ليالى سطيح» عمل نثرى يرقى...
عن دار وعد صدر عملان جديدان للكاتب والإعلامي محمد جراح الأول مجموعة قصصية بعنوان "وجه صباح ؛ وقد وصلت هذه...
الشاعر ابن التأمل والصمت والمراقبة نعانى من فوضى الكتابة.. والسوشيال ميديا فتحت علينا بوابات الجحيم حاولت الإصغاء لما لا يملك...
تغريبة الطيب صالح التى صنعت مصطفى سعيد وبطولته الخاصة فى «موسم الهجرة إلى الشمال» «عرس الزين ودومة ود حامد» يؤكدان...