يوسف إدريس.. 99 سنة على ميلاد العبقرى الذى وضع الملح على الجروح

وزارة الثقافة مطالبة باحتفالية كبرى فى ذكرى مئوية تشيكوف العرب الفقر والفقراء.. قضية محورية فى «العيب» و «الحرام» و «أرخص ليالى» علاقة المثقف بالسلطة.. خط أساسى فى رواية ومسرح صاحب «العسكرى الأسود» و «المخططين»

لم يكن يوسف إدريس واحدا من كبار أدبائنا المصريين والعرب فقط، ولم يكن مبدعا كبيرا في مقدمة من تصدروا المشهد الأدبى والإبداعى المصرى والعربي فحسب. لكنه كان أيضا حالة إبداعية وإنسانية استثنائية ومختلفة وفريدة. أثار الجدل، وخاض المعارك، وتمتع بنجومية الأديب المبدع والكاتب، وهى معادلة صعبة لم يحققها في عالمنا العربي إلا قلة نادرة من أدبائنا ومبدعينا تكمن صعوبتها في أنه لم يكن ينتمى إلى تلك الأجيال التي ولدت في أيام كانت فيها الكتابة والأدب يجلبان الشهرة والنجومية، أجيال طه حسين والعقاد والمازني ثم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ. لكنه ولد في جيل كانت الشهرة والنجومية فيه تسعيان للنجم السينمائي، وللمطرب صاحب الصوت المعبر بشكل أكبر كثيرا مما تسعيان للأديب والكاتب، جيل تعاطى مع معطيات وأفكار وتصورات جديدة، وكان في شبابه حين استقبل ثورة يوليو. وهى تهب على المجتمع المصرى فتغير كل شيء فيه.

پیدو يوسف إدريس أشبه كثيرا بقروي وجيه، جاء إلى المدينة فعرف كيف يروضها ويسبر أغوارها ودهاليزها. ليواصل وجاهته، ويصنع نجوميته ودوره و تأثيره.... لكن هذا الشكل الظاهر كان ينطوى أيضا على روحتائرة ونفس متمردة، تدور وتفور وتغلى وتصرحثم تواجه الآخرين، بل المجتمع في عمومه، بعيوبه وتشوهاته بلا خوف، وبشجاعة، وبحب حقيقي لهذا المجتمع الناسه وترابه وأرضه، وهذه هي النقطة التي ينطلق منه ضوء يوسف إدريس، الكاشف والموخز في آن واحد.

شهادة طه حسين

يوسف إدريس تمر هذه الأيام ذكرى ميلاده التاسع والتسعين، فقد ولد في التاسع عشر من مايو عام ۱۹۳۷ بقرية البيروم بالشرقية - ونطالب من الآن وزارة الثقافة باحتفالية كبرى بذكرى مئويته العام القادم تليق بمقامه ومكانته - عرف طريقه جيدا منذ البداية. عرف أنه منذور للأدب والإبداع والكتابة، وأن دراسته للطب وتفوقه الدراسي والسنوات القليلة التي عمل فيها طبيبا، لم تكن إلا محطة عابرة، انتهت بعد سنوات من بدايتها، ولم يتوقف صاحبها عندها كثيرا.

يبدو ترك إدريس للطب وكأنه كان مسألة عادية وأمرا بديهيا، عطفا على أنه حقق نجاحا هائلا في عالم الأدب، وصار مبدعا عظيما يعرفه الناس، لكنني اعتقد أن الأمر كان صعبا جدا عليه، حين قرر أن يحسم أمره ويترك الطب نهائيا، ويتفرغ للأدب والإبداع والكتابة فهو يترك مهنة تقف على أرض ثابتة، عائدها مضمون وارباحها وفيرة، وعوامل الخطر بها من ضياع أو تشرد تكاد تكون معدومة، ويذهب إلى حرفة لا أرض ثابتة لها، ولا عائدا مضمونا، وإنما هي حرفة تقف على بركان من الصراع والتقلبات المستمرة المتواصلة. لكن، ما حسم الأمر في النهاية لصالح الأدب، هو شيئان: أولهما أن حمى الإبداع الحقيقي وثورته وفورته عند إدريس كانت طاغية، واكتسحت كل سد أو عقبة تعترضها. وثانيهما أن المبدع الشاب الطبيب فاز بصك التفرد الاستثنائي بشهادة عظيمة من عميد الأدب العربي طه حسين الذي استقبل موهبة إدريس استقبالا رائعا، متبنيا صاحبها، مثنيا عليه مشيدا به إلى درجة أنه رحب أن يكتب مقدمة مجموعته القصصية الثانية "جمهورية فرحات"... وهو أمر لم يفعله طه حسين مع موهبة ناشئة إلا في النذر اليسير لأن عميد الأدب العربي اقتنع اقتناعا لا حدود له أن هذا الأدب على موعد مع مبدع مختلف و استثنائي، سيحرك كثيرا من ركود اعتراه.. وهو ما حققه يوسف إدريس بالفعل.

اعتقد أن إدريس حسم أمره تماما، وقرار ترك الطب الصالح الأدب منذ تلك اللحظة التي قال له فيها طه حسين سيولد عندنا آلاف الأطباء، لكن لن يولد سوى يوسف إدريس واحد. وبعدها بسنوات استقال إدريس من وظيفته كطبيب بالقصر العينى، عنه الوسام الرفيع الذي حصل عليه يوسف إدريس في بداياته، فساعده كثيرا أن ينطلق بموهبته العظيمة في عالم الأدب ودنيا الإبداع.

صاحب مدرسة

في القصة أو الرواية أو المسرح، كان يوسف إدريس في إبداعه صاحب مدرسة خاصة وتجربة مختلفة تفرده... إبداعه يعتمد على اللقطة الكاشفة المباشرة، يصل إلى الأشياء من أقرب نقطة تناسبها، لديه مبضع يشرح به ويشخص الأمراض المجتمعية بشكل موخز لديه إبرة يوخز بها فتؤلم، يضع الملح على الجرح.. يدهشك بقدرته على النفاذ إلى أمراض النفس البشرية، ولا يخاف أن يكشف ويعرى، لأنه صادق بلا مواربة، صريح بلا مماطلة.

في قصته الرائعة أكان لا بد يا لي لي أن تضيئي الدوري"، يدخل إدريس إلى عمق النفس البشرية التي يعتمل فيها صراع هائل بين الخير والشر، بين الحقيقة والسراب، بين الإنسان والشيطان.. صراع رهيب في نفس الشيخ الشاب عبد العال، مؤذن مسجد الشبكشي في حي الباطنية. أحب أهل الباطنية صوته الجميل وهو يؤذن أو يتلو القرآن، صاروا يصلون الفجر حيا في صوته، لكن الشيخ عبد العال يصطدم باغراء لى لي". الفتاة الانجليزية المصرية، أبوها چندی انجلیزی تزوج أمها المصرية أسبوعا وسافر إلى الحرب ومات.. يقول: أكثر من مرة حاولت تفاديها فكانت تقتحمني، عيونها شرارة كهرباء تخترق الهواء قافزة من قطبها المصرى إلى قطبها السكسونى جمالها طاغ على الحي محرم بالقوة حاولوا بالنقود بالزحف على البطون على لي لا تقرب إلا الأجانب، لم تكن تقول، ولكنه السر سرها الدفين في النهاية كعهدهم أمام كل مستعص قبلوها كما هي احترموا أنها ليست لأحد، وما دامت كذلك فهى للكل، يحمونها، ويوصلونها، أخت الجميع المحرمة المرغوبة.

دائرة المئذنة في مستوى النافذة، فركت عيني أتطلع

نظرة واحدة جذبتني كالعاصفة العاتية من قاع الغفوة إلى قمة اليقظة، لا شيء كان ينبهني إلا استغاثتي الأولى انتباهي هذه المرة انتباه آخر انتباه مرعوب، أنا أمام شيء مروع الغرفة بها سرير خشبي مرتفع، ماذا غيره هناك لا أعرف على السرير ترقد امرأة بيضاء شاهقة البياض، ممدودة بطولها، وقد أحدث ساقا، ولا شيء عليها سوى قميص نوم لا يكاد يكفى لإخفاء نصفها الأعلى".

هكذا رأى الشيخ عبد العال لى لى، وهكذا تحول كل شيء في لحظة، لكنها ليست لحظة عادية. الشيخ عبد العال ظل يقاوم، لكن اللحظة هزمته مشهد لي لي عارية هزمه، وهكذا داب إدريس الادهاش الصدمة، النقاط اللحظات الإنسانية المغايرة والكاشفة. الماستر سين.. اللحظة المغايرة التي تميز بها إبداع إدريس، كانت حين ترك الشيخ عبد العال صلاته، وترك المأمومين في السجدة الثانية، مندفعا إلى غرفة لى لى.

قضايا جوهرية

تسليط القلم المبدع على قضايا الإنسان الجوهرية الحقيقية، كان هما إدريسيا واضحا في أعمال كثيرة تشريح أخطر القضايا بقلم الأديب ومبضع الطبيب كان خطا إدريسيا ناصعا، وضع إدريس يده على أهم مشكلات المجتمع المصري، وغاص في تربته، وهو المتجذر فيها، فكشف وأظهر وأبان في أعمال كثيرة.

في روايته "الحرام"، فتح الجرح على طبقة الفقراء والمهمشين وعمال التراحيل، حينما عثر على مولود ابن حرام على شط ترعة، وكانت الأم عاملة تراحيل. في رواية "العيب ، فتح جرح الفقراء الذين يقاومون كثيرا تم تنهار مقاومتهم بفعل الفقر من خلال الموظفة التي ترفض الإكراميات والرشاوي والرذيلة ثم تنهار مقاومتها بفعل الفقر في مجموعة "بيت من لحم" يطل الفقر بعينين مخيفتين ويد باطشة، وهو يسحق ضحاياه سحقا، فلا يبقى لهم أملا فى الانعتاق، ولا روحا تقاوم ويتحولون إلى كائنات تحركها الفرائز الحيوانية، بعد أن فقدوا أى أمل أو رغبة في الانعتاق، من خلال حكاية الأرملة التي يموت زوجها، ويترك لها ثلاث بنات يعشن في حجرة واحدة، ويجمعن على ضرورة أن تتزوج الأم الشيخ الشاب الكفيف الذي كان يأتي عصر كل جمعة يقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، على روح الزوج الراحل تقرر البنات والأم في لحظة مقاومة للصمت الذي فرضه الفقر أن تتزوج الأم الشيخ الكفيف، وفي حجرتهن الضيقة، تقدم كل بنت نفسها للشيخ الكفيف على أنها زوجته، وتعرف الأم وتفهم، وربما يعرف الشيخ ويمثل أنه لا يعرف.. وهي قصة في جانب آخر ووجه آخر تعزف أيضا على وتر النفس الإنسانية شديدة التعقيد، وعلى ضعفها وانسحاقها.

وفي "أرخص ليالي"، مجموعته القصصية الأولى التي أصدرها عام ١٩٥٤ ولفتت نظر طه حسين، والتي أصر إدريس أن يكتبها على الغلاف هكذا أرخص لياني). وليس أرخص ليال " الأصح نحويا .. من خلال شخصية عبد الكريم، الفقير الذي يستعيض بالإنجاب عن فقره فينجب سبعة في عين الفقر.

الفقر والإلحاح عليه، قضية محورية في إبداع يوسف إدريس، فتحت أفاق إبداعه إلى مدى لا حدود له و اعتقادي أن مكابدة إدريس، والبؤس الشديد الذي عاينه، وربما عاناه في طفولته وصباه في قريته البيروم جعلاه في حالة صراع دائم مستمر، ومحاولات متواصلة تكشف هذا الوحش الذي يقهر الفقراء، ويسحقهم وينسف أرواحهم وأحلامهم نسفا.

على أن هما إدريسيا آخر تجلى في كثير من أعمال إدريس غير الفقر، وإن تماس معه أيضا، وهو القهر وعلاقة المثقف والناس بشكل عام، بالسلطة، وربما كان التجلى الأكبر لهذه الفكرة في رائعته العسكري الأسود" من خلال ما رواه البطل المتكلم عن زميله الطبيب شوقي الذي اعتقل فترة ثم أفرج عنه، وعين معه طبيبا في المستشفى الحكومي، وقد أورلت فترة الاعتقال أمراضا نفسية خطيرة لدى شوقى، يستدعى الراوي وزميله شوقى والممرض عبد الله في قومسيون طبي لتوقيع الكشف على الشرطي المريض عباس محمود الزنفلي، وفى بيت الزنفلى، وعلى سرير مرضه تقع المواجهة بين الطبيب شوقي وجلاده الزنفلى الذي سعى بالعسكري الأسود، والذي كان تأثير ضرباته وكرباجه ما زال موجودا بقوة على ظهر الطبيب الشاب. الصورة الدرامية التي رسمها إدريس للانقلي، وهو يعوى ويهيهب كالكلب، ويغرس أنيابه في ذراع زوجته تم في ذراعه هو شخصيا، بينما يقطر الدم من ذراعه وذراع زوجته، فيما يستدعى شوقى ما حدث معه فترة المعتقل، ويكشف ظهره الراوي.. صورة مرعبة ومخيفة وكاشفة، وستظل دائما تجليا إبداعيا عظيما وباقيا ومؤكدا العبقرية يوسف إدريس.

علاقة المثقف بوجه خاص بالسلطة، وعلاقة عموم الناس بها، طرحها إدريس في أكثر من عمل سواء في الرواية مثل روايته الشهيرة "البيضا"، التي نشرها على حلقات في جريدة الجمهورية أواخر الخمسينات، ثم أصدرها مطبوعة قبل رحيله بقليل، والتي يبدو من سياقها أنها تناولت جانبا من حياته واشتباكه بالسياسة. وانضمامه للحركة الشيوعية. وفي مسرحه تناولت مسرحية "الفرافير" علاقة فرفور العبد لسيده، وتناولت مسرحية "المخططين" شخصية الزعيم أو الأخ الأكبر الذي اكتشف أخطاءه ويريد إصلاحها، لكن المستفيدين من حوله يمنعونه، وفي أغلب مسرحيات إدريس نلاحظ الرمزية في شخصياته ولغة حواره، وهو أمر احتال به ادريس ليمرر ما أراده من نقد النظام في عصر عبد الناصر، ويكفى أن نقول إن مسرحية المخططين تم

منعها ليلة العرض الأول.

وجوه حضور يوسف إدريس الأخرى، سواء كتبه العامة بعيدا عن الإبداع مثل "فقر الفكر وفكر الفقر" و"أهمية أن تتثقف يا ناس" و "نحو مسرح مصري ... أو موقفه من فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وغضبه الشديد لأنه كان يرى أنه الأحق بالجائزة.. أو معركته مع الشيخ الشعراوى ووصفه الشعراوى براسبوتين العصر، ثم اعتذاره عن الوصف... كلها مسائل وأمور تستدعى لنا يوسف إدريس في جانبه الآخر الإنسان والكاتب الذي يكتب في مسائل عامة، ويشتبك في قضايا خلافية أما صلب الموضوع فهو إبداعه الحقيقي الذي يكشف ويجرح ويدق نواقيس الخطر الإبداع الذي لا يغيب وهو موهبته الفطرية العبقرية، وهو قصصه ورواياته ومسرحياته، التي خلدته على مر الزمن.. هو يوسف إدريس أمير القصة القصيرة وتشيكوف العرب.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

إمام .. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «10»
سامح الجباس: أعدت خطب طه حسين للحياة بعد 70 سنة
ابراهيم
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
طه حسين
الناقد أيمن بكر يقرأ ملامح التجربـة المعرفية فى «هوامش العميد»

المزيد من ثقافة

صورة مصورة - الضحك من غير «سبت»

يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!

تكريم مستحق من نقابة الصحفيين مها حافظ.. أم مثالية في يوم المرأة

كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...

يوسف إدريس.. 99 سنة على ميلاد العبقرى الذى وضع الملح على الجروح

وزارة الثقافة مطالبة باحتفالية كبرى فى ذكرى مئوية تشيكوف العرب الفقر والفقراء.. قضية محورية فى «العيب» و «الحرام» و «أرخص...

يا سيد العديسى.. هذى دنيانا الملفقة

وأنت لم تمت يا سيد لكنك قضمت قطعة من قلبي وصرت تلوكها على مهل، حتى بت أشعر بوخز أسنانك في...