من خلال خمس مسرحيات كتب عادل إمام اسمه بين عمالقة الكوميديا

رغم غيابه عن الساحة الفنية منذ أن قرر الاعتزال، سيظل عادل إمام، الذي نحتفل بعيد ميلاده السادس والثمانين «مواليد 1940»،

 أحد العلامات الرئيسية والمضيئة في تاريخ التمثيل المصرى والعربى بكل أشكاله، إذ ترك أثراً سيظل راسخاً في المسرح والسينما والدراما التليفزيونية وكذلك الدراما الإذاعية، على مدى ما يقرب من سبعة عقود، لم يتوقف خلالها عن العطاء والإخلاص لفن التمثيل.

قدم عادل إمام خمس مسرحيات لعب فيها دور البطولة، بالإضافة إلى عروض أخرى أدى فيها أدوارا ثانوية لكنها مؤثرة. وربما يتساءل البعض هل يكفى هذا العدد، أي خمس مسرحيات فقط ليكون نجماً من نجوم المسرحبين أبناء جيله؟ وسيضيف آخرون هناك نجوم من زماننا وزمن مضى أيضا قدموا عشرات المسرحيات ومنحوا المسرح الجزء الأكبر من حياتهم، بل وكانوا أكثر إخلاصاً لهذا الفن من عادل إمام الذي قدم للسينما ما يقرب من ۱۳۰ فيلماً، أي منحها السواد الأعظم من موهبته بالإضافة إلى ما يقرب من عشرة مسلسلات تليفزيونية مع بعض الأعمال الدرامية للإذاعة. وتقريبا المسرح هو أقل الفنون التي تعامل معها عادل إمام على مستوى الكم، ورغم الشهرة الواسعة والتأثير الذي حققه من خلاله، إلا أنه لم يقدم سوى خمس

مسرحيات استمر بعضها سنوات على خشبة المسرح: «مدرسة المشاغبين». شاهد ماشفش حاجة» «الواد سيد الشغال»، «الزعيم»، «بودي جارد».

وأذكر حين كرمه المهرجان القومي للمسرح وأطلق اسمه على إحدى دوراته تناثرت هذه الأسئلة، ولكن لا يعلم من تبادرت إلى ذهنه هذه التساؤلات أن عادل إمام بالمسرحيات الخمس، سيظل أحد أهم أبطال المسرحالمصري في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين لما يمتلكه من مواهب وإمكانيات لم تتوفر لغيره.

ولد عادل محمد إمام محمد في ١٧ مايو ١٩٤٠ في إحدى قرى مركز المنصورة الأب موظف بإحدى المصالح الحكومية وعاش طفولته وصياه بحي السيدة زينب، وفي تلك الفترة عرف عنه ميله في شبابه المبكر للشغب والمشاكسة في المدرسة والشارع، أي تميزت شخصيته

بالشقاوة التي امتزجت بخفة الظل والمرح. هكذا جاء وصف شخصية عادل إمام في قاموس المسرح»، إذ كان التمثيل هوايته المفضلة، وشارك في مراحل الدراسة في عروض الفرق الجامعية، وهو لا يزال طالبا في كلية الزراعة، وفي عام ١٩٦٢ التحق بفرق

التليفزيون المسرحية. ورغم صغر الأدوار التي أسندت إليه بعروض المسرح الكوميدي، إلا أنها لفتت الأنظار إلى مواهبه کممثل کومیدی

ليصبح عادل إمام حالة خاصة في تاريخ التمثيل العربي، فهو ليس كغيره وليس كعدد كبير من النجوم والمشاهير الذين جاءوا وذهبوا، وقدموا بعض

الأعمال المتميزة وعشرات الأعمال العادية أو المتواضعة. فأعمال عادل إمام كلها متميزة، وإن جاء هذا التميز بدرجات متفاوتة، لأن تمثيل عادل إمام وقدراته الأدائية هما سر هذا التميز فهناك أعمال عادية على مستوى الكتابة أو الإخراج والمفردات الأخرى قدمها عادل إمام، لكنه أضفى عليها طابعاً خاصاً من شخصيته في الأداء، فجاءت مختلفة ومتميزة.

فمنذ أن شاهدت عادل إمام في أعماله الأولى المسرحية والسينمائية التي عرفه الجمهور من خلالها في القرن الماضي، وأنا أتذكر الإعجاب والشعور بالمتعة، وبأنني أمام فنان مصري خالص وأننى أيضا أمام فنان يحب نفسه كما يحب الفن. فمنذ أن ذاع صيته وأصبحمن نجوم الصف الأول، لم يتنازل عن هذا المقعد حتى بعد أن تجاوز الثمانين وهذا لم يحدث لممثل من قبل أن يصل إلى هذه السن وما زال النجم الأول في أعماله التي يؤديها، إما على الشاشات بأنواعها أو من خلال الإذاعة.

نعم، تتغير الشخصيات، وصفات الدور وملامح البطل وفقا للمرحلة العمرية التي يمر بها عادل إمام، سواء اختلفنا أو اتفقنا حول القيمة الفنية للدور ومن الطبيعي أن تتفاوت الأدوار وفقا لمعطيات كثيرة السيناريست والمخرج، وفريق العمل، وفي كل الأحوال يكون الدور متميزاً لأن المؤدى هو عادل إمام.

لن أبالغ إذا قلت إن هذا الممثل ليس من زماننا، فهو إن كان يعيش في زماننا، فهو يعيش أيضا في أزمنة أخرى، أو يستعير قيم هذه الأزمنة، فحين أكتب عن عادل إمام، لا بد أن أزور نجيب الريحاني وفؤاد المهندس أطرق باب الأول أسأله واستنير برأيه عن هذا الفتى وأقدم الشكر للثاني الذي كان يعيد النظر حين شاهد الأستاذ دسوقي، بملابسه المهلهلة وبنطاله القصير، وسترته الممزقة، وطربوشة المتهالك، ودوره المحدود عام ١٩٦٣، صاعداً إلى أعلى درجات المجد في المستقبل القريب.

وحين أكتب عن فؤاد المهندس أبدا بنجيب الريحاني، ولا أنسى عادل إمام وحين أكتب عن الريحاني يراقبني عادل إمام وفؤاد المهندس، وهكذا لا استطيع أن الذكر أحدهم دون الآخر وعندى الأسباب

فنجيب الريحاني أستاذ الكوميديا المصرية ليس فقط فناناً عظيماً قدم مثالاً لما يجب أن يكون عليه الكوميديان، إذ قدم الريحاني الكوميديا على صورة الإنسان المصري ومثاله. وذلك حين بدأ طريقة المسرحي في العقد الثاني من القرن العشرين، ومعه سيد درويش وبديع خيري وآخرون حيث كان يقدم شخصيات تحمل صفات الواقع المصري، ليس فقط تجسد معاناة المواطن المصري وأفراحه وأحزانه، لكنها تؤرخ لهذا الواقع من خلال الشخصيات المسرحية.

وقد انضم إلى هذه المدرسة التي اختارت طريق الخلود الفني فؤاد المهندس وعادل إمام، وللأسف أغلقت المدرسة أبوابها، بل وهجرها المعلمون وتبدلت المناهج، بل وأصبح التعليم مسألة ثانوية بالنسبة للسواد الأعظم من الأجيال التالية

التالي المهندس بالريحاني فقط لمدة عامين حين تعرف عليه وهو ما زال طاليا بكلية التجارة، ثم رحل الريحاني لكن ظل التلميذ وفيا الأستاذه، حيث رأي فيه القدوة والمثل الأعلى في تأكيده وإصراره على تقديم شخصية الإنسان المصري البسيط في حياته العادية، والبحث عن الضحك من المفارقة بين بساطة هذا الكائن والحياة المعقدة التي يعيشها.

وفي ستينيات القرن الماضي وحين كان عادل إمام لا يزال طالبا في كلية الزراعة اختاره الفنان فؤاد المهندس ليؤدي دوراً ثانوياً في مسرحية أنا وهو وهي من إخراج عبد المنعم مدبولي عام ١٩٦٣، ورغم صغر حجم الدور إلا أن شخصية الأستاذ دسوقي لاقت إقبالا كبيرا وتركت أثرا عند الجمهور

فحين ظهر دسوقي وكيل المحامي الغليان المعتد بنفسه بملابسه الكاريكاتيرية المضحكة وطربوشه المثين والأداء الذي يغلب عليه طابع البارودي، ظلت اللازمة التي أطلقها في هذه المسرحية تعيش زمنا طويلا بلد شهادات

وشارك أيضا في مسرحية اسمها قصر الأحلام»، ثم استعان به فؤاد المهندس عام ١٩٦٥ للمشاركة في مسرحية «أنا فين وانتي فين، وهي مسرحية كوميدية من بطولة وإخراج فؤاد المهندس، وتأليف سمير خفاجي و بهجت قمر وشاركت فيها شويكار و نظیم شعراوی و سلامة الياس، والنجم الصاعد وقتذاك عادل إمام في دور موظف صغير بالشركة، ويظهر فقط في مشهد واحد

وشارك أيضا مع فؤاد المهندس في مسرحية اسمها حالة حب التي أخرجها أيضا عام ١٩٦٧ في دور الشاب الناعم، بالإضافة إلى دوره في مسرحية النصابين»، التي كتبها محمود السعدني وأخرجها سعد أردش عام ١٩٦٦، في دور صحفی انتهازی باداء کاریکاتیری مرح

وكانت آخر المسرحيات التي سبقت أدوار البطولة على خشبة المسرح عام ۱۹۷۰ من خلال مسرحية غراميات عقيقي وأيضا البيجامة الحمراء وفردة شمال وكانت هذه المسرحيات مع أعمال أخرى في الجامعة، تمهيدا للحدث المسرحي الأكبر في حياته، ألا وهو مدرسة المشاغبين...

فالثلاثة، وأقصد الريحاني وفؤاد المهندس وعادل إمام، رغم التفاوت الزمني، ورغم اختلاف النشأة والتكوين الثقافي، ورغم التغيرات والتحولات الكبرى التي طرأت على الحاضنة الاجتماعية التي شهدت تكوين وعى هؤلاء، إلا أن هناك ما يجمع بينهم، ليس فقط التصميم على جماليات الأداء، ولكن الانحياز التام للشخصية المصرية، وطرح أسئلة الواقع وقضايا اللحظة الراهنة من خلال الشخصيات المتعددة التي جسدها هؤلاء للشخصية المصرية.

وهذا ما سوف أحاول تقديمه من خلال هذه القراءة في شخصيات عادل إمام في أعماله الفنية، وخاصة المسرحية لينطلق بعدها عادل إمام على خشبة المسرح من خلال خمس مسرحيات كتبت اسمه بين عمالقة المسرح المصري.

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

يحتفل الزعيم عادل إمام بعيد ميلاده الـ 86 ومع عالمه الواسع من الشخصيات
أوراق الوردة 9 «تمر حنة» يتفوق على «شاهد ما شافش حاجة»
عادل وهاني
عادل
رجال فى حياة «الكوميديان الطيــب» سليمان عيد

المزيد من فن

من خلال خمس مسرحيات كتب عادل إمام اسمه بين عمالقة الكوميديا

رغم غيابه عن الساحة الفنية منذ أن قرر الاعتزال، سيظل عادل إمام، الذي نحتفل بعيد ميلاده السادس والثمانين «مواليد 1940»،

عادل إمام.. 86 عاماً على ميلاد أيقونة فنية لا تتكرر

6 عقود زعيماً للفن العربى ساهم فى ترسيخ مكانة الفن المصرى كأحد أهم أدوات التأثير الثقافى

محسنة توفيق.. فنانة ملتزمة بقضايا الوطن حتى اللحظة الأخيرة

-قد تكون - يا عزيزي القارئ - شاهدت فيلم «الزمار» أو فيلم «العصفور» أو فيلم «حادثة شرف» وغيرها من الأفلام،...

«كان 2026» .. حين يتحول المهرجان إلى معركة من أجل روح السينما

كشفت الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، أن السينما العالمية لا تبدو منشغلة هذا العام فقط بالأفلام والنجوم والسجادة...