محسنة توفيق.. فنانة ملتزمة بقضايا الوطن حتى اللحظة الأخيرة

-قد تكون - يا عزيزي القارئ - شاهدت فيلم «الزمار» أو فيلم «العصفور» أو فيلم «حادثة شرف» وغيرها من الأفلام، ورأيت هذه الفنانة الهادئة الملامح التي ارتبطت عند الجيل السابق على جيلى باسم «بهية»

الذي حملته فى فيلم «العصفور» الذي أخرجه يوسف شاهين، وغنى فيه الشيخ إمام أغنية من تأليف أحمد فؤاد نجم، أغنية ارتبطت عند الجماهير بروحالمقاومة التي حملها الفيلم، الأغنية هي: «مصر يا أمه يا بهية، يا أم طرحة وجلابية، الزمن شاب وانتى شابة هو رايح وانتى جاية ..»، وكانت «بهية» هي محسنة توفيق، لأنها لخصت الروحالشعبية المصرية في تلك الحقبة القاسية التي فرضها الاستعمار على الوطن العزيز.

هي حقبة الحروب التي كان الغرض منها تدمير المشروع الوطني التحرري المصرى والعربي، وهذا المشروع كان نتيجة نضال شعبى على مدى سبعين عاما، بدأت في معركة التل الكبير التي استشهد فيها محمد عبيد البطل المقاتل في جيش عرابي وجيش عرابى هو الذي حرر مصر في معارك القناة - حرب الفدائيين - بعد إلغاء معاهدة 1936، وهو الذي عبر القناة في أكتوبر 1973 وخاض أطول حرب فى التاريخ العربي المعاصر حرب الاستنزاف التي استمرت لمدة ألف يوم وحقق فيها المقاتل المصرى المعجزات، وكان على الفنانين المصريين خوض المعركة الوطنية وتقديم نماذج تمثل الشعب المصرى الصامد، البطل المقاتل وكانت شخصية بهية» التي أطلقت عبارتها الموجزة حنحارب.. حنحارب تعبيراً عن جماهير الشعب المصرى التي رفضت قرار عبد الناصر بالتنحى عن الحكم عقب هزيمة 5 يونيو 1967.

هذه الجماهير هى التى منحت الجيش المقاتل روحالمقاومة، وكان خروج الجماهير المصرية في يومى 9 و 10 يونيو 1967 أقوى رسالة مضمونها التحدى والرفض لكل مؤامرات أعداء الوطن، وكانت «بهية» في فيلم «العصفور» - التي قدمت شخصيتها الفنانة الراحلة محسنة توفيق - هى التشخيص، أو التعبير عن المرأة المصرية أم الشهداء وأم الأبطال الحريصة على بذل الغالي والنفيس من أجل أن تظل راية الوطن مرفوعة.

كانت محسنة توفيق فنانة موهوبة، تمتلك الوعى الذي جعل مسيرتها الفنية حية فى قلوب جمهورها وكان يوم رحيلها - 7 مايو 2019 - شديد القسوة على من أحبوها وأحبوا صدقها وإبداعها والتزامها بالقضايا الوطنية والإنسانية حتى اللحظة الأخيرة من حياتها.

ميمى شكيب.. بنت الأرستقراطية الغجرية فى «دعاء الكروان»

الفنانة ميمى شكيب توفيت إلى رحمة الله في مايو 1983، وقيل إنها انتحرت، وقيل إنها قتلت، وقيل في موضوع موتها كلام كثير من أعجبه أنها ماتت في 1982 بأزمة قلبية في بيتها في شارع عبد الحميد سعيد فى وسط القاهرة، وأعلن خبر موتها في العام التالى، وهذا كلام عجيب لا يصدقه عقل.

-ما يهمنا هنا الاقتراب من مسيرة هذه الفنانة الأرستقراطية، التي نشأت في أسرة محافظة ورغم هذا استطاعت - ميمي أو أمينة - الخروج من القفص الحديدى العائلى، وانطلقت في الحياة ووجدت في التمثيل نفسها، ووقفت على خشبة المسرح أمام الفنان الكبير نجيب الريحاني، وتزوجت مرتين، الأولى كانت بناءً على تقاليد وأوامر العائلة، وخرجت من هذه العلاقة والتقى قلبها مع قلب الفنان سراج منير الذي حاول الحصول على موافقة عائلتها على الزواج منه، ورفضت العائلة بالطبع لأن الأرستقراطية في أبسط تعريفاتها كانت تعنى احتقار العرب والمصريين بالذات، لأن هذه الطبقة هي امتداد الشركس والمماليك.

والمدهش أن العربان - البدو - كانوا يحتقرون المماليك ويعتبرونهم رقيقا أبيض، لا يصح ولا يجوز لهم أن يحكموا الأحرار ولكن هذه الطبقة أحياها محمد على لأنه كان في حاجة إلى ظهير شعبي، بعد مذبحة القلعة التي قتل فيها المماليك القدامى، فاستقدم عائلات من ألبانيا والأناضول ومنحها الأطيان لتكون الظهير الذي يعتمد عليه في حروبه الداخلية ضد أعدائه من العرب والمماليك.

وفي سيرتها الفنية قدمت ميمى شكيب عدة مسرحيات وعدة أفلام، من أشهرها فيلم «دعاء الكروان» مع الفنانة فاتن حمامة والفنانة أمينة رزق والفنانة زهرة العلا، وقدمت فيه شخصية الغجرية التي تقرأ الكف وتوشوش الودع وتقدم الخدمات للراغبين فى المتعة، ونالت عن هذا الدور جائزة أفضل ممثلة دور ثان، وهى من الفنانات اللاتي قدمن أدواراً متباينة في مراحل عمرية مختلفة، فشاهدناها شابة جميلة، وشاهدناها فى سن الوقار والجمال الهادئ وشاهدناها في سن متقدمة، وفى كل مرحلة عمرية كانت قادرة على القيام بدورها وإقناع جمهورها بالشخصية التي تقدمها.

زوزو نبيل.. شهرزاد الإذاعة والزوجة الجبارة فى السينما

هي من المنوفية، وكانت أمها رافضة دخولها مجال التمثيل، لأن الممثل في أذهان الناس - آنذاك -كان حاله يصعب على الكافر، فهو في نظرهم ذلك الذي يأتي في المولد ضمن فرقة رجال ونساء ليقدم للناس النمر المضحكة والمسلية، وبعد أن ينتهى المولد يسافر إلى مولد آخر باحثاً عن اللقمة والقرش.

لكن فيما بعد اختلفت صورة الممثل، وأصبح يسمى الفنان، بعد أن كان يسمى «المشخصاتى» وكانت المحاكم الشرعية لا تقبل شهادته في القضايا التي تنظرها لأنه فاقد الأهلية، ومحرض على الفسق والفجور، وأصبحت عزيزة - فنانة، واسمها الفني أصبح«زوزو»، وظهرت مع أم كلثوم في -فيلم «سلامة»، وظهرت مع شادية في فيلم «لحن الوفاء»، وظهرت في فيلم «غلطة حبيبي مع عمر الشريف.

وبالتوازي مع عملها في السينما كانت قد حازت نجومية واسعة من خلال الإذاعة المصرية فأصبحت مشهورة عند الناس بعبارتها «بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأى الرشيد» التي تستهل بها حكايات «ألف ليلة وليلة» وهذه الليالي كتبها الشاعر طاهر أبو فاشا وأخرجها محمد محمود شعبان بابا شارو»، وهي من التراث الإذاعي ولها جمهورها الذي ينتظرها في شهر رمضان من كل عام.

وزوزو نبيل لها أدوار في السينما منها دور الزوجة الجبارة، والزوجة الخائنة، رغم أنها في حياتها كانت زوجة طيبة القلب، وكان من حسن حظها أنها دخلت بوابة المسرح مع أستاذين كبيرين هما: مختار عثمان ويوسف وهبى وهما من المتمردين على ثقافة الإقطاع الكارهة للفن والتمثيل.

مختار عثمان كان ابن عم محمد محمود باشا رئيس الوزراء ورئيس حزب الأحرار الدستوريين قبل ثورة يوليو 1952، ويوسف وهبى كان والده باشا وكان مهندسا كبيرا في وزارة الأشغال وزوزو نبيل تعلمت منهما قواعد التمثيل، ثم أصبحت تدرس فن الإلقاء لطلبة معهد السينما مع الفنان الكبير عبد الوارث عسر.

ومن أجمل أدوارها - رحمها الله دورها في مسلسل «السقوط في بئر سبع»، قامت بدور أم الجاسوسة انشراح»، وكان لها دور جميل في مسلسل «غوايش» وكل ما قدمته زوزو نبيل في التليفزيون والسينما حمل خصوصيتها وبصمتها الرائعة.

وعلى مستوى العمل والوظيفة تولت مسؤولية الرقابة على المصنفات الفنية لعدة سنوات وكانت مشرفة على المسرحالشعبي التابع لوزارة الثقافة وكان تقديرها لدورها الإبداعي كبيرا، وكانت تؤمن بأن الفن رسالة، وظلت على إخلاصها للفن حتى النفس الأخير.

وهي أم شهيد من شهداء حرب العبور في أكتوبر 1973، كان اسمه «نبيل»، وكان ضابطا من الذين عبروا القناة في الساعات الأولى من المعركة، وعاشت راضية النفس متمتعة بحب الناس حتى رحلت عن الدنيا في يوم 3 1996 مايو

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محسنة

المزيد من فن

من خلال خمس مسرحيات كتب عادل إمام اسمه بين عمالقة الكوميديا

رغم غيابه عن الساحة الفنية منذ أن قرر الاعتزال، سيظل عادل إمام، الذي نحتفل بعيد ميلاده السادس والثمانين «مواليد 1940»،

عادل إمام.. 86 عاماً على ميلاد أيقونة فنية لا تتكرر

6 عقود زعيماً للفن العربى ساهم فى ترسيخ مكانة الفن المصرى كأحد أهم أدوات التأثير الثقافى

محسنة توفيق.. فنانة ملتزمة بقضايا الوطن حتى اللحظة الأخيرة

-قد تكون - يا عزيزي القارئ - شاهدت فيلم «الزمار» أو فيلم «العصفور» أو فيلم «حادثة شرف» وغيرها من الأفلام،...

«كان 2026» .. حين يتحول المهرجان إلى معركة من أجل روح السينما

كشفت الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، أن السينما العالمية لا تبدو منشغلة هذا العام فقط بالأفلام والنجوم والسجادة...