إسماعيل المفتِّش.. ناظر المالية المقتول بأوامر الخديو إسماعيل

شخصيات لها تاريخ «89» كان والده من كبار ضباط جيش محمد على ولم يكن فقيرًا أو فلاحًا كما قال بعض المؤرخين نجح فى مواقعه الوظيفية فأنشأ الجسور وشق التُّرع ومنح العربان الأراضى وشجعهم على الاستقرار ورفض سياسة الاقتراض من أوربا

هذا رجل عجيب، كان الناس يسمونه "الخديو الصغير"، وبعد أن انقلب الحال، اختفى من الوجود، ليس له قبر على أرض مصر، لكن الخديو إسماعيل جعل طبيبا إيطاليا يكتب تقريرا يقول فيه إن "إسماعيل صديق" المشهور بلقب المفتّش، مات فى "دُنقلة" نتيجة تسمم كُحولّى نتج عن إسرافه فى شُرب الخمر، وليس فى المتاح من أوراق المؤرخين ما يقطع بحقيقة مؤكدة، منهم من يقول إنه "فلّاح" ومنهم من يقول إنه ابن ضابط كبير من ضباط جيش محمد على، ومنهم من يرى أنه حاول منع الخديو إسماعيل من الاستدانة والبحث عن حلول تنقذ خزانة مصر من قبضة الدائنين الأوربيين، والدراسة التى قدمها الباحث محمود الرامى ونشرها فى مصر حاولت أن تكشف ما خفى من قصة "المفتش" ونوبار باشا صاحب المذكرات المهمة التى ترصد عصر إسماعيل لم يكن حاضرا لحظة إعدام المفتش ـ ناظر الماليةـ لكنه سمع ما يؤكد أنه مات مقتولا على ظهر دهبيّة سابحة فى النيل، وأن جثته ألقيت فى النهر، واختلف الرواة فى تحديد الموقع الذى ألقيت فيه الجثة، هناك من قال إنها ألقيت بالقرب من حلوان، وهناك من قال ألقيت بالقرب من أسوان.

فى البداية نقرأ ما كتبه "إسماعيل صدقى" رئيس وزراء مصر فى ثلاثينيات القرن العشرين فى مذكراته التى صدرت فى القاهرة فى العام 1951 وفيها ما يضىء جانبا من شخصية إسماعيل باشا صديق "المفتش" الذى كان يوما ذا حظوة:

ـ وُلِدتُ فى 15 يونيو 1875 وكان إسماعيل صديق باشا فى أوج مجده وسلطانه، فسمَّانى والدى باسمه، كما هى العادة لدى الناس حين يسمّون أبناءهم بأسماء العظماء والمشهورين، وهو اسم يجمع بين الخديو وناظره، وبعد أن وقعت الواقعة، وذهب صدّيق باشا ولم يُعرف أين ذهب، خشى والدى أن يكون فى اسمى وقتئذٍ ما يُشعِر بولائه للوزير المنكوب فأسرع بتحويره من إسماعيل صديق إلى إسماعيل صدقى.

انتهى الاقتباس الذى اخترناه واقتبسناه من مذكرات رئيس وزراء مصر الأسبق الذى كان والده من كبار موظفى الدولة وخشى على نفسه أن يُتّهم بالولاء للوزير "إسماعيل صديق" ولكن هذه السطور التى اقتبسناها توضح صورة العصر كله، العصر الذى قيل عنه إنه عصر النهضة والاستنارة، وقد يكون القول صحيحا، لكنه أيضا كان عصر استبداد وسطوة لعائلة غريبة عن مصر، سرقت الثروة والسلطة وقتلت الناس بالظن والوشاية.

ونعود إلى قصة إسماعيل صديق "المفتش" الذى كان وزير المالية وقتل لأنه اعترض على سياسة الخديو إسماعيل، ومما ورد عنه من معلومات محفوظة فى أوراق الحكومة ودفاتر المهتمين بالتأريخ لعصر إسماعيل، ونقرأ ما كتبه إلياس الأيوبى الذى أرّخ لعصر الخديو إسماعيل:

ـ إسماعيل المفتش كان يقال له "الخديو الصغير" كان فى الحقيقة الصدر المصرى الأعظم، وكان وحده دون زملائه يعمل باستقلال تام فى الرأى والتنفيذ وبدون مشاورة  مليكه "الخديو" الواثق به كل الوثوق، ومع أن إدارة الأقاليم كانت من شئون وزير الداخلية وكان وزير الداخلية هو "ولى العهد" الأمير محمد توفيق، فإن إسماعيل صديق كان المُعيِّن فى الحقيقة لكل مدير ووكيل مديرية ومحافظ ووكيل محافظة ومعظم المأمورين ونظّار الأقسام فى القُطر كله، فكان الكل محاسيبه، يفعمون جيوبه بالمال الذى يعصرونه من جسم الفلاح ليستبقوا لأنفسهم رضاه عنهم، وبلغ إغراق الرجل فى الاستئثار بالسلطة دون أصحابها الشرعيين أن كل محاسيبه هؤلاء صاروا إلى الاعتقاد بأن الخديو نفسه لايستطيع أن يمسّهم بضُر مادام إسماعيل صديق باشا يظللهم بحمايته، ومن ذلك ما يُروىَ عن أحد رؤساء مدينة رشيد، فإنه لمّا كان مدينا بتعيينه للمفتّش رفض الامتثال لأمر "الخديو" الذى قضى بعزله من وظيفته لسوء سلوكه ورفض التخلّى عن منصبه حتى وافاه مدير مصلحة الموانئ والفنارات ـ ماك كيلوب ـ بنَفَر من حرس البحرية وأمرٍ مختوم بخاتم الخديو وطرده من مركزه طردا بالقوة، ولمّا كان "إسماعيل المفتش" أقرب إلى الرعايا وأكثر اختلاطا بهم كان الخوف منه فى الصدور يفوق الخوف المنبعث عن شخص الخديو.

ويواصل "إلياس الأيوبى" وصف حياة إسماعيل المفتش:

ـ ولما كانت الثروة التى جمعها بالطرق غير المشروعة والفظيعة والمثيرة، فاقت فى مقدارها واختلاف مظاهرها ما كان منها لدى أمير مصرى، وبلغ من وقاحة كيفية الإنفاق منها عن سعة متناهية أن ملابس نساء المفتش وحُلُّيهن والرَّغَد المحيط بهن وكثرة حَشَمهنّ وخَدَمهن وفخامة دورهن وكل ما كان يحيط يحياتهن من مظاهر الأبّهة والجلال أصبح مما تحسده عليهن حسَدا حقيقيا أميرات البيت الخديوى وتَغِرنَ منهن عليه غيرة صحيحة، فإن ثمن إحدى مراوح زوجة ذلك الوزير ـ المفتّش ـ بلغ ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف فرنك، وثمن شمسية من شماسيها بلغ ستمائة ألف فرنك وكان من البديهى أن يحقد أمراء البيت المالك وأميراته على إسماعيل صديق باشا ويبغضونه ويرغبون فى إزالته ويعملون عليها، إن لم يكن لسبب آخر فلعدم صبرهم على أن تبسُم الدنيا كل ذلك الابتسام لمن كان مثله ابن فلاح وصعلوك الأصل، طالما مُدَّ أجداده بل أبوه ذاته تحت الكرباج وازرقّت أرجلهم ودفقت دما من تعاقُب السِّياط عليها.

  أصل عائلة المفتّش

 الباحث محمود الرامى له دراسة مهمة تتبع فيها كل ما قيل حول أصل عائلة ـ إسماعيل صديق  ـ المشهور فى زمانه بلقب ـ المفتّش ـ وتعرض فى هذه الدراسة بالبحث والرد على دكتور جمال حمدان وأمين سامى صاحب ـ تقويم النيل ـ وإلياس الأيوبى.. ونحن هنا نقرأ ما توصل إليه الباحث المدقق:

ـ لم نحصل على  وثيقة تثبت تاريخ مكان ولادة ـ إسماعيل المفتش ـ ولكن المرجح أنه وُلِد فى أسيوط، فى عام 1830 لسبب بسيط هو أنه والخديو إسماعيل من مواليد نفس العام وهناك من المؤرخين من يقول إن الخديو إسماعيل من مواليد 1827، وسر ارتباط مولد الخديو إسماعيل ومولد ـ المفتش ـ هو أنهما أخوان فى الرضاعة، فبعد أن وُلِد الخديو إسماعيل، عانت والدته "خوشيار هانم" -زوجة إبراهيم باشا ابن محمد على- من نقص اللبن فى ثدييها، فكلّفت كبيرة وصيفات القصر بإرضاعه، وكانت هذه الوصيفة قد أنجبت هى الأخرى ولدا هو "إسماعيل المفتش"، والوصيفة هى امرأة من الطبقة الراقية تقوم بمصاحبة الملكة وإدارة بعض شئون القصر، وفى رواية للدكتور "جمال حمدان" يقول إن إسماعيل صديق من أبناء الفلاحين الذين فقدوا أرضهم وأصبحوا أجراء يعملون بالسخرة فى الزراعة وحفر الترع وشق المصارف، ويقول مثل قوله هذا إسماعيل الأيوبى، ومن الكتاب المعاصرين من تناول شخصية "المفتش" فقدمه "محفوظ عبد الرحمن" فى بوابة الحلوانى بأنه من أصل قروى، ينتمى إلى عائلة بائسة، وذكر "على مبارك" أن المفتش تربى فى العِشش وهو ما أكده "عبد الرحمن الرافعى" فى كتابه "عصر إسماعيل" بقوله:

لكن الباحث "جمال عبد الرحيم" اكتشف أن والد إسماعيل المفتش هو ـ دونه لى مصطفى أغا ـ من قادة الجيش المصرى، الذى أسسه محمد على باشا وكان من المقربين لإبراهيم باشا، وليس من المنطقى أن ينشأ "المفتش" نشأة فقر وعَوَز ووالده يحتل هذه المكانة الرفيعة، والعادة جرت قديما على منح الضباط وكبار الموظفين الأراضى الزراعية على شكل إقطاعات زراعية، وكان لوالد "المفتش" نصيب من الأطيان والأملاك، وهذا الإجراء كان يسمى "الإنعام" ومنه "العِزبَة" التى وُلِد فيها "إسماعيل المفتش"  ولكن المؤرخين احتاروا فى تحديد  المكان الذى نتتمى إليه أو جاءت منه أسرة المفتش، هناك من قال إنه الجزائر، وهناك من قال "مراكش" وجمال عبد الرحيم فى بحثه وجد الوثائق الرسمية التى تثبت أن "المفتش" كان والده ضابطا فى الجيش وليس فلّاحا، ومروة عباس ـ ابنة حفيدة إسماعيل المفتش ـ قالت إن جد والدتها "المفتش" تركى الأصل وجاء من ألبانيا.

ويقول "محمود الرامى" عن تاريخ إسماعيل صديق المشهور بلقب المفتش:

ـ يقول البعض إن "المفتش" لازم الخديو إسماعيل فى مراحل التعليم، حتى سافر "الخديو" إلى فرنسا، ضمن بعثة الأنجال، والمفتش واصل تعليمه فى مصر، وهناك من قال إنه ـ المفتش ـ كان ضمن بعثة الأنجال، ومن أبرز الروايات التى يتداولها الباحثون، رواية السير ريفرس ويلسون ـ وزير المالية فى أواخر العام 1878 وفى أول وزارة أوربية فى مصرـ التى كتبها فى مذكراته المنشورة فى العام 1916:

ـ صدّيق كان نبيها، ولو أنه لم يكن على درجة عالية من التعليم، فلم يكن يتكلم إلا العربية ولا يجيد كتابتها، والمرجح أن والديه منحاه التعليم الذى جعله فى الخدمة العامة.

ويذكر على مبارك أن له مظلمة عند إسماعيل صديق، فيقول إن "المفتش" تسبب فى قطع عيشه؛ فحين كانت مصلحة السكة الحديد تحت إدارة "مبارك" وزادت إيراداتها، طمع فيها المفتش وأراد ضم إيراداتها إلى ديوانه ـ ديوان المالية ـ ووفقا  للوثائق المنشورة فى كتاب "تقويم النيل" بدأت سلسلة التغيّرات فى مناصب "على مبارك" بفصل إدارة السكة الحديد عن مسئولياته وإسنادها إلى عمر لطفى، وذلك لكثرة مسئوليات "مبارك" الذى كان مسئولا عن نظارة الأوقاف ونظارة الأشغال وديوان المدارس، والسكة الحديد تحتاج إلى من يتفرغ لإدارتها، ثم صدر قرار الخديو إسماعيل فى ـ 21سبتمبر 1870 ـ بإسناد عُهَد نظارة الأشغال العمومية ونظارة ديوان عام المدارس إلى مصطفى بهجت باشا، لينفرد "على مبارك" بديوان الأوقاف، وبعدها بأسبوعين صدر قرار بتجريد على مبارك من منصب ناظر الأوقاف، وبقى له منصب وحيد هو عضويته فى المجلس الخصوصى الذى كان مجلسا استشاريا للخديو، ويمكن القول إن هذه القرارات التى جرّدت "مبارك" من مناصبه، مصدرها رغبة الخديو إسماعيل فى أن يتولى أولاده مقاليد الأمور فى الدواوين، فالأمر أكبر من وشاية "المفتش" لأنه لم يستفد شيئا من هذه التغيّرات، فلم يحصل لنفسه على منصب إضافى ولم يُعيّن أخواه: صائب بك أو نشأت بك فى أى من المناصب التى جُرِّد منها على مبارك.

 عدوّ الأجانب

 ورغم أن إسماعيل صدّيق ـ المفتش ـ كان غنيا حسب ما رواه إلياس الأيوبى، وكان يملك ما لا يملكه أمراء العائلة الحاكمة، ورغم اتهام "على مبارك" له بأنه كان المسئول عن استبعاده من نظارة الأوقاف والأشغال وتجريده من مناصبه الرفيعة، هناك اتهام آخر روّج له الأتراك الذين كانوا يكرهون "المفتش" وهو أنه كان يبيع الوظائف للراغبين، وكان يختار للوظائف من بين المصريين الذين لايجيدون القراءة والكتابة، ويستبعد الأتراك.. ويوضح الباحث محمود الرامى أصل هذه الحرب التى استهدفت قتل المفتش معنويا وتشويه صورته لدى الذين لم يعرفوه:

ـ القول إن إسماعيل المفتش كان يبيع الوظائف التى يمصّرها، مصدره "أمين سامى"؛ ففى كتابه: تقويم النيل، ذكر أن "المفتش" كان يُعيّن الأهالى والأعيان رغم أن كثيرا منهم يجهل القراءة والكتابة، ويذكر أمين سامى "التسعيرة" التى وضعها المفتش للوظائف، ومما أدى إلى انتشار هذه الرواية أن الكُتّاب يتخذون هذا الكتاب ـ تقويم النيل ـ مرجعا، فالشاعر صلاح عبد الصبور ذكر هذه الرواية فى كتابه: قصة الضمير المصرى الحديث، بتفاصيلها نقلا عن أمين سامى، وكذلك فعل آخرون، والبحث الذى بحثناه أثبت لنا أن "أمين سامى" لم يوثّق هذا الاتهام، وأن الأتراك الذين خُلِعوا من الوظائف هم الذين روَّجوا هذا الاتهام، والحقيقة أن المجلس الخصوصى الذى يرأسه "الخديو إسماعيل" أصدر قراره بالرسوم المقررة على الوظائف، يدفعها المتقدمون لشغلها، وذلك القرار صدر فى "9 فبراير 1874"، وفيما يخص مشايخ القرى، لم يكن تعيينهم يتم إلا عقب انتخابهم من أهالى القرى أنفسهم.

ويقول إلياس الأيوبى ما يؤكد عداوة "المفتش" للأجانب، ويذكر أن "جُوشِن" عضو اللجنة التى تشكلت لمراقبة "الخزانة المصرية" كان يعادى إسماعيل المفتش، ويوثق "محمود الرامى" التاريخ الوظيفى للمفتش ويثبت أنه كان ناجحا، ورافضا الاستدانة من بيوت المال والبنوك الأوربية:

ـ  إسماعيل المفتش هو من أنشأ جسر السكة الحديد الممتد من إمبابة إلى القناطر الخيرية، وهو من ضبط إدارة الأقاليم البحرية، حتى صارت أعماله وتنظيماته الإدارية نموذجا يُحتَذى فى أنحاء القُطر المصرى ورقّى أعمال الزراعة وأشرف على معظم مشروعات الرى من شق للترع وتطهير للمصارف وإقامة للقناطر والكبارى والسدود، فهو الذى حفر ترعة الإسماعيلية واستكمل حفر الترعة الإبراهيمية واهتم بتطهير ترعة المحمودية، وله جهوده فى توطين العربان -أى أهل البادية- والقضاء على شرورهم، فكان يصادر أسلحتهم تارةً ويمنحهم الأراضى تارةً أخرى، وارتقى ببعض الصناعات، فأنشأ مصنع ورق لسد احتياجات الحكومة المصرية واستغنى عن الورق المستورد، ونشر التعليم فى كافة أنحاء القُطر المصرى بجمع التبرعات الأهلية واستنهاض همم أهل البلاد جميعا من أجل الارتقاء بالتعليم، ونشر الثقافة، بطباعة الكتب وتوزيعها بالمجان، وقاوم اعتداء الأجانب على الأراضى الزراعية وقاوم إنشاء الوابورات المملوكة للأجانب ـ وابورات حلج الأقطان ووابورات رفع المياه ـ وجعل الحكومة المصرية هى التى تمنح التراخيص بإنشائها.

 مقتل ناظر المالية

 يقول "محمود الرامى" عن قرارات "إسماعيل المفتش" عقب توليه نظارة المالية:

ـ أول ما فعل إسماعيل صديق حين تولى نظارة المالية طالب بالتوقف عن سياسة الاقتراض الخارجى لما تسببه من خسائر، واقترح أن يتم الاقتراض من الأهالى، فطالب بعقد قرض أهلى خاص بأفراد الشعب قيمته ثلاثة ملايين من الجنيهات، ولكنه لم يُوَفق فى مسعاه، فرأى أن يجعل القرض داخليا، أى يشترك فيه الأهالى وغيرهم من سكان القُطر المصرى، ولم يُوَفّق، وحاول من جديد مقاومة الاقتراض الخارجى، فاتفق مع مجلس النواب على ربط ضريبة ـ السُّدس ـ وأضافها من باب الاستثناء إلى مجموع الأموال المربوطة على الأطيان وتُحصّل لمدة أربع سنوات متتالية، فلما كانت القيمة لا تكفى للسداد كان قرض العام 1868 الذى التصق باسمه، وصار اسمه "قرض المفتش".. وفى العام 1876 مع عجز الخديو إسماعيل عن فكّ عقدة الدّيون اضطر إلى قبول إنشاء "صندوق الدّيْن" الذى يتكون من مراقبين أوربيين تكون مهمتهما تسلُّم وتوزيع ما تضعه الحكومة تحت تصرفهم من إيرادات بغرض سداد الديون، وفى العام 1876 اتفقت بريطانيا مع فرنسا على إرسال لجنة إلى مصر مكونة من: مستر جوشن ـ ممثل الإنجليزـ ومسيو جوبير ـ ممثل الفرنسيين ـ وحين وصلت اللجنة إلى القاهرة، تجاهل "جوشن" إسماعيل المفتش، لأنه يعلم مدى كراهيته للأجانب، وسعى "جوشن" لإقالة المفتش، بقوله إنه يعطل عمل اللجنة ويحول دون نجاحها فى مهمتها .ويقول نوبار باشا ـ فى مذكراته- إن هناك علاقة وثيقة بين لجنة مراقبة المالية  التى جاءت من بريطانيا وفرنسا ـ جوشن وجوبيرـ وبين استقالة "إسماعيل المفتش" أو إقالته ويضيف:

ـ إن المفتش تقدم باستقالته يوم "14 نوفمبر 1876"، وسببها أنه لم يكن يريد أن يكون هو العائق المعطل للتسوية المالية، وهناك رواية أخرى تقول إن الخديو إسماعيل هو الذى أرسل إليه وطلب منه تقديم استقالته.

وكان المشهد الأخير، مشهد اغتيال أو مقتل ناظر المالية "إسماعيل صديق" المشهور بلقب المفتش، وهذا المشهد ملخصه أن "الخديو إسماعيل" كان يسعى لاستعادة حلم الإمبراطورية الذى شغل جده محمد على، وهو حلم يقوم على احتلال مكانة الدولة العثمانية، بدعم أوربى، وكان "إسماعيل" يرد الاقتراض من أوربا ليضمن دعمهم له فى حربه ضد السلطان العثمانى، وكان "المفتش" يعطل هذا التوجه، فكان من الضرورى قتله واختفاؤه من المشهد، حتى يتمكن "الخديو" من تحقيق حلمه الإمبراطورى، والخديو هو من دعا المجلس المخصوص لمحاكمة "المفتش" بدعوى أنه يرتب لانقلاب سياسى ضد الخديو، وفوجئ أعضاء المجلس بأن "المفتش" يحمل النيشان العثمانى من الدرجة الثانية، ولا يجوز أن يحاكم إلا بقرار ومعرفة السلطان العثمانى، فدبر "الخديو إسماعيل" جريمة إخفاء المفتش، باستدراجه إلى قصر الجزيرة، وتكليف ضباط الحرس الخديوى بإغراقه فى النيل بعد قتله، فلايكون له قبر فى أرض مصر، وأشاع الخديو ورجاله أن "المفتش" مات فى دنقلة بسبب إسرافه فى شرب الخمر، وشهد بذلك طبيب إيطالى.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نوبار باشا الأرمنى.. أول رئيس نُظَّار فى عهد الخديو إسماعيل

المزيد من ثقافة

أفضل اشتراك هولك Hulk IPTV في السعودية 2026: مشاهدة بدون تقطيع 4K

دليلك الكامل عن اشتراك هولك (Hulk IPTV) في السعودية لعام 2026. اكتشف مميزات السيرفر الألماني، مكتبة الـ 4K، حلول مشاكل...

قصة مصورة - تروسيكل النوم

غلبه النوم، فجعل من التروسيكل سريراً!

نهلة عبد السلام: الكتابة محاولة فاشلة لترتيب فوضى مشاعرنا

«كل الأكاذيب» صالحتنى على النصوص القصيرة مخزونى من الحكايات بمثابة ثروة إنسانية تربطنى علاقة رفقة وونس مع كل ما أكتب...

بعد 49 عامًا على رحيل محمد التابعى.. أستاذ الأساتذة

الصحفى الذى كشف غموض أحمد حسنين بـاشا وألاعيب نازلى وأسرار الملك فاروق حكايــات أمير الصحـافــة مــع روز اليوسف وأسمهان وأم...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص