بعد 49 عامًا على رحيل محمد التابعى.. أستاذ الأساتذة

الصحفى الذى كشف غموض أحمد حسنين بـاشا وألاعيب نازلى وأسرار الملك فاروق حكايــات أمير الصحـافــة مــع روز اليوسف وأسمهان وأم كلثوم بداية رحلته الصحفية مقال عنيف هاجم فيه الإنجليز معارك التابعى الصحفية ضد إسماعيل صدقى ومحمد محمود وعبد الفتاح يحيى

كتب أنيس منصور ذات يوم (كنا صغارا يأخذنا التابعى فى دنياه ويتركنا صرعى على الأرض مذهولين لصاحب القلم الذى يهز أصحاب الكراسى والتيجان.. وأدهشنا أكثر أن اثنين من ملوك الصحافة المصرية مصطفى أمين وعلى أمين يقولان عن التابعى: أستاذنا وكنا نراهما ونسمعهما يقولان له: يا أستاذ.. يا أستاذ. إذن هو أكبر وأعظم من مصطفى وعلى أمين.. وكنا نرى أن الأخوين هما قمة القمم الصحفية، إذن فالتابعى هو قمة فوق القمم) وإذن فهذا هو محمد التابعى أمير الصحافة المصرية ومجددها و أحد أهم رواد نهضتها وحداثتها.. والذى مرت منذ أيام ذكرى رحيله التاسعة والأربعين.. ومن الجميل حقا أن نذكر ونتذكر محمد التابعى ومجده وحكاياته وانفراداته الصحفية وكأننا نكتب له فى عالمه الآخر رسالة اعتذار ونقدم له نوعا من رد الاعتبار لأستاذ الأساتذة الذى خفت اسمه بعد ثورة يوليو، كرائد صحفى كبير وكأنه حسب على العهد الملكى البائد، مع أن الرجل جلد ذلك العهد ورجالاته بكتابات ومقالات ملتهبة لها طابعها وروحها الوطنى الذى لا يجادل فيه أحد.

اسمه بالكامل محمد التابعى محمد وهبة.. أنجب أبواه قبله أربع بنات، ونذرا أن جاءهما ولد فسيسميانه محمد التابعى، تيمنا باسم شيخ فى منطقتهم بقرية نوسا البحر بالدقهلية اسمه محمد التابعى.. ولد التابعى فى حى الجميل ببورسعيد، حيث كانت أسرته فى زيارة للمدينة فى ١٨ مايو عام ١٨٩٦، وإن كان مصطفى أمين يرجح أنه ولد عام ١٨٩٤، ثم عاد التابعى مع أسرته إلى الدقهلية وتلقى هناك تعليمه الابتدائى.. وبعد وفاة والده، انتقلت أسرته إلى القاهرة وعاشت فى حى المنيرة بالسيدة زينب، والتحق التابعى بمدرسة السيدة زينب وتعرف فيها على رفيق عمره فكرى أباظة.

 بداية الرحلة

حصل محمد التابعى على وظيفة فى وزارة التموين بشهادة البكالوريا وأكمل دراسته بكلية الحقوق بنظام الانتساب، ثم حصل على الحقوق وأصبح موظفا بمجلس النواب. واستطاع فى تلك الفترة أن يجيد اللغة الإنجليزية، كتابة وقراءة، إلى درجة أنه قرأ ذات يوم من أيام عام ١٩٢١ مقالا بجريدة الايجيبسبان ميل البريطانية التى كانت تصدر فى مصر باللغة الإنجليزية يهاجم مظاهرات الشباب المصرى ضد الإنجليز، فانبرى للرد على ذلك المقال، وكتب مقالا مضادا بالإنجليزية يفند فيه ما جاء بالمقال المستفز، وأرسله للجريدة الإنجليزية فيعجب به السيد اوفارول رئيس التحرير لينشر المقال فى مكان بارز، لتبدأ رحلة محمد التابعى الصحفية بمقال يهاجم فيه الإنجليز ويدافع فيه عن حق المصريين فى التظاهر ضدهم.. وليكون ذلك المقال الوطنى نقطة انطلاق محمد التابعى فى رحلة صحفية طويلة وممتدة وحافلة وعاصفة.

انتبه الوسط الصحفى لمحمد التابعى بعد مقالاته فى الايجيبسبان ميل، فبدأ يكتب فى النقد المسرحى بالأهرام، وعرفت كتاباته بالحدة وبالقوة فى النقد والهجوم.. وكان المسرح يزدهر بأعمال كثيرة أغلبها مسرحيات معربة مأخوذة عن أعمال عالمية.. كتب التابعى نقدا لاذعا لمسرحية غادة الكاميليا بطولة روز اليوسف ويوسف وهبى، ووجه هجوما شديدا على روز اليوسف، وقال فى مقاله إنها ممثلة هاوية وليست محترفة، كما هاجم يوسف وهبى وأداءه المسرحى، وتناوله بالنقد والطعن، فأطلق عليه وهبى (ناقدى المر)، ومع ذلك حين أصدرت روز اليوسف مجلتها فى أكتوبر ١٩٢٥ استعانت بالتابعى، الذى كان لا يزال موظفا بمجلس النواب.

وقد رأى التابعى فى الأعداد الأولى لروز اليوسف إخفاقا كبيرا، فكانت المجلة توزع مائتى نسخة فقط، ويباع العدد بخمسة مليمات ويحقق خسارة مادية، وفورا أعاد تبويب المجلة، وأدخل إلى صفحاتها الموضوعات السياسية والكاريكاتير، وقفز توزيع المجلة إلى تسعة آلاف نسخة، وسعرها إلى قرش صاغ، وأصبح التابعى رئيس التحرير الفعلى، بينما كان إبراهيم خليل الموظف بالمطابع هو رئيس التحرير الصورى على الورق، حفاظا على وظيفة التابعى بمجلس النواب.

وفى صيف عام ١٩٢٧ نشر التابعى عدة مقالات بعنوان "ملك تحت جنح الظلام"، انتقد فيها بالتلميح والتصريح ملوك أوروبا، وكذلك الأسرة العلوية الحاكمة بمصر، وكان مما نشره على سبيل المثال أن (ولى عهد مصر فاروق يجرى فى عروقه دم فرنسى، لأن أمه الملكة نازلى هى حفيدة سليمان باشا الفرنساوى الذى عمل فى خدمة محمد على الكبير).

وأحيل التابعى إلى محكمة مصر التى حكمت عليه بالسجن ٦ أشهر مع إيقاف التنفيذ، وغرامة خمسين جنيهاً، لم يستطع دفعها فحبس لمدة أسبوع إلى أن دفعها عنه يوسف وهبى، وتم تحويل التابعى إلى التحقيق بمجلس النواب، باعتباره موظفا بالمجلس، وحقق معه فؤاد كمال سكرتير المجلس، الذى حفظ التحقيق، ولم يجد التابعى بدا من الاستقالة من المجلس، ليتفرغ لروز اليوسف ويتولى رسميا رئاسة تحريرها.

 معارك صحفية

دخل التابعى فى معركة ضد رئيس الوزراء محمد محمود الذى قام بتعطيل روز اليوسف، وحين جاء إسماعيل صدقى رئيسا للوزراء، وهو المعروف بصلفه وديكتاتوريته، كاد أن يرتكب جريمة كبرى فى حق مصر وشعبها، عندما أبرم نص اتفاق مع شركة قناة السويس لمد امتياز القناة لمدة ستين عاما أخرى، ولكن مسودة نص الاتفاق وصلت إلى التابعى، حيث استطاع التابعى أن يقنع خطيب ابنة أحد وزراء حكومة صدقى أن يصور له نص الاتفاق الذى كان فى حقيبة والد خطيبته، لينشر التابعى عن هذه الجريمة قبل وقوعها، الأمر الذى أدى إلى تراجع صدقى وحكومته قبل توقيع الاتفاق.

ثم كانت قضية قرية الحصاينة، التابعة لمركز السنبلاوين عام ١٩٣٣، وفيها هاجم التابعى وزير الحقانية ووزارة الداخلية هجوما عنيفا.. حيث داهمت الشرطة مطحن غلال ومضرب أرز يمتلكهما الشيخ طلبة صقر، بادعاء أن هناك مخالفة فى عمل المطحن والمضرب، وكانت قضية المطحن والمضرب لا تزال منظورة فى القضاء وتصدى الأهالى وقتل منهم ثلاثة بينما قتل فرد من أفراد القوة، وكتب التابعى عن القضية، وأحيل للمحاكمة، وقضى بسجنه أربعة أشهر قضاها مسجونا بالفعل، مع أن القضاء أصدر قراره بعدم مخالفة المطحن والمضرب.. وحين خرج التابعى من السجن استمر فى مهاجمة وزارة صدقى.

ثــم ذهــب صــدقــى وجـــ اءت وزارة عبد الفتاح يحيى، ليــدخل التابعى فى قضية أكثر سخونة ضد زكى الأبراشى، ناظر الخاصة الملكية. واحتفظ الابراشى بملف لكل هجوم التابعى عليه، وقدم ضده بلاغا وتم التحقيق معه، وأرجئ إصدار قرار يخصه، وفهم التابعى أن شيئا يدبر له، فسافر إلى أوربا لمدة ثلاثة أشهر، وعاد بعد أن سقطت وزارة عبد الفتاح يحيى، الذى كان أكثر عداء للصحافة من اسماعيل صدقى..  وبعد عودته، اصطدم التابعى بروز اليوسف، بسبب خلاف حدث بينها وبين الصحفى الشاب مصطفى أمين، انحاز فيه التابعى لأمين وقرر مع تلميذه مصطفى أن يتركا روز اليوسف، ليبدأ التابعى صفحة صحفية ورحلة جديدة بتأسيسه "آخر ساعة" عام ١٩٣٤، والتى مثلت خطوة مهمة فى مشوار التابعى، وفى تاريخ الصحافة المصرية بشكل عام.

 أسرار الساسة والسياسة

يعتبر كتاب التابعى "أسرار الساسة والسياسة - مصر ما قبل الثورة"، واحدا من أهم الكتب التى أرخت لمصر فى عهد فاروق، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وفيه تناول بشكل مستفيض الحياة السياسية المصرية فى الأربعينات وما قبلها بسنوات قليلة، ومنذ أن تولى فاروق عرش مصر، من خلال أخطر شخصيات ذلك العصر أحمد حسنين باشا، رائد الملك فاروق، ورئيس الديوان الملكى، والرجل الذى تزوج الملكة نازلى والدة فاروق عرفيا.

تناول التابعى وكتب تفاصيل دقيقة ومثيرة عن أحمد حسنين، وعلاقته بفاروق ونازلى، وعن الرحلة الملكية إلى أوربا، التى كان فيها التابعى هو الصحفى الوحيد المرافق لها.. وبدأ التابعى كتابه بســؤال دال:  هــذا الـــرجل - يقصــد حسنين - هل هو بطل؟  هل هو خائن؟ ويمكننا أن نعرف على وجه الدقة صورة الحياة السياسية وألاعيبها ودهاليزها، و رحلة الرجل الغامض أحمد حسنين باشا، الذى أزاح التابعى كل الحجب والأستار عن غموضه وعن دوره.

كان التابعى أستاذا وأميرا للصحافة، كما كان أستاذا فى الحب والغرام، ويكفى أنه صاحب قصص وحكايات فى الغرام والحب مع أسمهان، التى ألف كتابا عنها بعنوان (أسمهان تروى قصتها) والتى اتفق معها التابعى على الزواج.. لولا ضغوط على ومصطفى أمين، ولولا أن أسمهان نفسها غيرت رأيها.. وأم كلثوم التى حاول مصطفى وعلى أمين أن يضعاها فى طريقه، كى يبعدانه عن أسمهان، ولكن أم كلثوم قالت لهما (أنقذ التابعى لأغرق أنا.. التابعى لا يصلح زوجا لى)..  ولكن التابعى أحب أم كلثوم من طرف واحد، وقد قالت زوجته هدى التابعى أنه فى عز مرضه الشديد بكى بكاء شديدا عندما عرف أن أم كلثوم رحلت، وأنها كانت المرة الوحيدة التى رأته يبكى فيها.. وكذلك علاقته بزوزو حمدى الحكيم، التى قيل إنه تزوجها لمدة شهر واحد وفاتنات أوربيات كثيرات، حكى بالتفصيل حكاياته مع بعضهن فى كتابه "بعض من عرفت"، وتلك قصة أخرى.

 	 محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم

المزيد من ثقافة

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...

دعاء إبراهيم: أكتب لأفهم نفسى والآخرين

اختلاف الثقافة يعمّق الإحساس بالاغتراب.. والألم لا جنسية له


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م