«كل الأكاذيب» صالحتنى على النصوص القصيرة مخزونى من الحكايات بمثابة ثروة إنسانية تربطنى علاقة رفقة وونس مع كل ما أكتب الرواية أقل رهبة وأكثر تعاونًا من القصة القصيرة
نهلة عبد السلام، روائية وقاصة، صدر لها العديد من الروايات، مثل "عين عابد"، و"كنا يومًا"، و"صاحب العمر القصير"، و"بعد التخلى"، صدر لها مؤخرا المجموعة القصصية "كل الأكاذيب"، وتعد المجموعة هى نتاج غربلة عدد من نصوص كتبتها على مدار سنوات.. عن المجموعة القصصية وبداياتها وتجربتها الإبداعية تحدثنا معها.
كيف جاءت لكِ فكرة المجموعة القصصية "كل الأكاذيب"؟
"كلّ الأكاذيب" صالحتنى مع النصوص القصيرة؛ فبعد أربع تجارب مع الرواية، وفى ظلّ إدمانى للتفاصيل، كان التمرين على تقبّل فكرة الاختزال والمرونة فى الحذف يحتاج إلى الشجاعة والوقت. لذلك لم تُكتب المجموعة دفعةً واحدة، بل على فتراتٍ بينيّة، تصل إلى شهور بين القصة والأخرى، وربما كان ذلك سبب تنوّع حالاتها. ولأننى، فى زمنٍ ولّى، كنت كائنًا اجتماعيًا نشطًا، فقد صار مخزونى من الحكايات بمثابة ثروةٍ إنسانية، ولم يطاوعنى قلبى على هدرها؛ وعليه استثمرتُها فى نسيجٍ قصصى تحمّست لنشره عام 2025.
ما القضايا التى تناولتِها والأفكار التى كنتِ تريدين إيصالها للقارئ فى المجموعة؟
مؤخرًا اكتشفتُ ميلى إلى التعاطف مع عموم البشر، المروَّض منهم والمتوحش؛ ففى النهاية، الجميع حبيس مخزونٍ من الصراعات، كما فى قصص (قِفل صدئ، كائن من رُتبة أدنى، زيارة ملكية، جدتى "سرايا")، أو يحترف المغالطات كما فى (بابا "حداد"، "بيجاما شورت"، حادثة "دقدق"). حتى مدّعو المثالية أو المظلومية مستحقّون للعفو، إن جاز تنصيبُ حكمٍ على اعتبار الآخر متَّهَمًا.
هل تهتمين بأن يكون لكل قصة مغزى عن الأوضاع الاجتماعية المعاصرة، أم تكتبين لتعبرى عن مشاعرك؟
نحن نتاجُ بيئتنا وظروفنا، وما أُجبرنا عليه من تحدّيات، فالكتابة ليست سوى محاولةٍ لترتيب فوضى مشاعرنا وأفكارنا، وغالبًا ما تبوء بالفشل؛ لذلك فإنّ الصادق منها والحقيقى ينتفى عنهما طابعُ الترتيب والتعمّد. ولم يحدث أن تشكّلت لديَّ نقطةُ الوصول، وأنا ما زلتُ عند نقطة الانطلاق أثناء رحلة الكتابة؛ فأحيانًا تستدعى الحكايةُ شخوصًا، وتفرض أحداثًا، بما يغيّر المسار والمصائر أيضًا.
ذكرتِ فى أكثر من مناسبة أنك لم تخططى مسبقاً لكتابة القصة القصيرة، كيف حدث التحول من الرواية إلى القصة القصيرة؟
التخطيطُ أكذوبة، والحكايةُ هى التى تضع القواعد وتفرض شروطها؛ لذلك فكلّ ما هناك أنّنى أُنصتُ لأبطالى، وأمنحهم فرصةً ربّما لم أحظَ بمثلها، وهى مساحةٌ للبوح، يعقبها شعورٌ بالخِفّة. والنصوصُ القصيرة أكثرُ استيعابًا للانفعالات اللحظية والمواقف العابرة؛ فهى عدسةٌ تُضخِّم حدثًا نحسبه بسيطًا، فإذا به، فى باطنه، العقدةُ، وأحيانًا الحلّ.
أيهما الأقرب لكِ فى التعبير هل الرواية أم القصة القصيرة؟
يمكننى اعتبارُ الرواية أقلَّ رهبةً وأكثرَ تعاونًا؛ إذ تبتلع ثناياها الهَنات من دون انزعاج، على نقيض القصة القصيرة، حيث تطفو الهفوات مع التكثيف، فيبدو النصُّ مشوَّهًا، بما يجعل التقويمَ لازمًا. وبالنهاية، تربطنى علاقةُ رِفقةٍ ووَنسٍ مع كلّ ما أكتب.
لماذا اخترتِ عنوان "كل الأكاذيب"؟ وما المعنى الذى يختبئ وراءه؟
اخترتُ الأكثرَ رواجًا؛ فالأكاذيبُ بضاعةٌ حاضرة، يتوافر منها ألفُ صنفٍ، بألف وجهٍ وألف لسانٍ، حلوةٌ ومريحةٌ إلى حين، سُكرةٌ يتبعها جحيم. ثم إنّ أبطالى اجتمعوا على اعتناق مبدأ (أنا لا أكذب، ولكنى أتجمّل)؛ أغرتهم الحلول المؤقتة، ربّما بدافع اليأس وقلّة الحيلة، أو لأنّ الكذب طبعٌ أصيلٌ فى البشر، حتى فى ظلّ ظروفٍ مرفّهة.
لماذا استخدمتِ فى بعض القصص صوت الرجل كراوٍ؟
ربّما من رحمات الكتابة عدمُ الانحياز على أساس الجندر، حتى فى ظلّ مجتمعٍ شهد فى الآونة الأخيرة جرائمَ مروّعة بحقّ إناثه. وفى حين يُتَّهَم الرجل، فإنّه ليس المسؤول الوحيد؛ إنّما ثمّة جيشٌ جرّار، غالبًا ما يكون على رأسه من تصبح، فيما بعد، إحدى ضحاياه وقتلاه أيضًا. ولأنّ التعميم منطقٌ مرفوض، أردتُ تبنّى الدفاع عن طرفٍ جعلنا منه الشرير، برغم أنّه صنيعتُنا نحن النساء، ما يعنى ضرورةَ الاعتراف بتحضير العفريت، وأن يضمّ قفصُ الاتهام من تورّطن فى التحريض الخفىّ والمُعلَن على حدٍّ سواء.
تكررت صورة المرأة المقهورة اجتماعيا فى المجموعة، هل تكتبين دفاعا عن المرأة أم مجرد رصد للواقع؟
الكتابة لا تمنح أكثر من التضامن والتعاطف، ورصدُ الواقع قلّما استدعى حراكًا اجتماعيًا يستجيب له القانون، فيسنّ تشريعاتٍ من شأنها أن تحمى النساء، وتحفظ عليهنّ كرامتهنّ وأرواحهنّ، فى ظلّ تصاعد وتيرة العنف والوحشية ضدّهنّ، وبشاعة ما يُرتكب بحقّهنّ من جرائم. لذلك لم أتعمد الدفاع أو الإدانة؛ فهى، بوصفها أنثى، قاهرةٌ ومقهورة، يُعاد تعريف موقعها داخل هيكل العائلة تبعًا لصفتها.
كيف انعكس استخدام وسائل التواصل الاجتماعى فى قصة "الحالة صامت" على فكرة العزلة والوحدة؟
مع هجمة الهواتف الذكية، وسيلِ التطبيقات ذات القدرة المرعبة على قراءتنا واستنباط توجّهاتنا واهتماماتنا، وبالتزامن مع اتّساع الفجوة بين الأجيال بشكل غير مسبوق، ومع كلّ update يومى، باتت وسائل التواصل الاجتماعى الطرفَ الوحيد الذى يُبدى اهتمامًا دون طلبٍ منّا، بلا اعتراض على ما اشتهيناه، ولو كان مسمومًا. حاضرٌ وموجود، كالسوس ينخر فى الهيكل الأسرى حتى ليُوشك على الانهيار؛ مجموعةُ غرباء يظلّهم السقف نفسه، وتحيط بهم الجدران ذاتها، وكلٌّ سابحٌ فى ملكه، لا يبلغ علمه عن شركاء السكن سوى أنّهم ما زالوا على قيد الحياة. والناتج بشرٌ منعزلون، تعساء، محبطون، وانتعاشُ سوق الإخصائيين النفسيين؛ مستمعٌ بأجر. بطلة "الحالة صامت" شاهدةٌ على تفشّى داء الصمم؛ فما من أذنٍ إلا ومغروزٌ فيها Ear buds، وبدورها تورّطت فى الخرس، بعدما أتلف طبلةَ أذنها محيطٌ مزعجٌ وزائفٌ فى آن.
نهايات بعض القصص كانت صادمة أو مفتوحة، هل هذا كان مقصودا؟ وهل هذا الأسلوب يصل للقارئ بسهولة، خصوصا أن الغموض يعتبر جزءا من متعة التلقى؟
المتأمّل فى الحياة، المعنيّ بفهم ألاعيبها وأكاذيبها، تُحذف من قاموسه معانى الدهشة والصدمة والغرابة؛ لذلك تبدو له أيّ حكاية، مهما بلغ حجم تعقيدها ومفاجآتها، فى مجملها عاديّة. أمّا الخام العصيّ على التشكيل، فيأتى دوره كسارد ليصنع منه حالةً متفرّدة، يصوغه على هيئةٍ تفتن؛ فالمتلقّى الواعى يرفض تهميشه، وأعتقد أنّ النهايات المفتوحة تحيله مشاركًا، يمكنه إضافة ما شاء من احتمالات، بالطبع بما يتّفق وهواه. ثمّ إنّ الإجبار لا يتّفق وفعلٍ حرّ، كما فى الكتابة.
رواية "بعد التخلى" كانت عن فترة الأربعينيات، ورواية "صاحب العمر القصير" كانت تستعرض المجتمع المصرى فى الثمانينيات، كيف تبحثين فى التاريخ الاجتماعى الذى يظهر فى أعمالك؟
كلمةُ السرّ (الحاجة عزيزة)، جدّتى لأمّى، مواليد 1919؛ هى المولعةُ بالحكى، وأنا بالإنصات منذ وعيتُ لها. محظوظةٌ بمعايشة شخصٍ اشتبك مع الحياة ما يجاوز التسعين عامًا. معلوماتى عن فترة الأربعينيات طازجةٌ بنار المشاهدة والمشاركة، ليست مُعلّبةً فى كتب، ولا كما تُقدَّم فى الدراما والسينما، مضافًا إليها توابلُ منكَهة تطغى على مذاقها الأصلى. ولا أنكر دور هذه الوسائط كمصادر توثيقٍ مساعدة. أمّا عن الثمانينيات، فيردّنى إليها الحنين؛ هدنةٌ من الجنون والجموح، وشيءٌ من خصوصيةٍ استباحتها كاميرات الهواتف، ورحّبت بها تطبيقات اليوتيوب والتيك توك، بعد أن ذهبت المشاهدات وعائدها بالعقول، وتخدّرت الضمائر بفعل شهرةٍ جوهرُها الفضائح. وقبل ذلك، كانت بساطةُ التفاصيل وتقاربُ الشرائح ما جمع جيلها على اعتبارها آخرَ عهدهم بحقيقةٍ لا تلاعب فيها بالفوتوشوب أو الذكاء الاصطناعى.
كانت لكِ محاولات لكتابة الشعر، ما تفاصيل هذه التجربة؟ ولماذا لم تكتمل؟ وهل يمكن العودة لها مرة أخرى؟
أثناء دراستى الجامعية، شرعتُ فى كتابة نصوصٍ لها هيئة شعر الفصحى، ربّما كانت خطّتى للنجاة من الغرق فحسب. لم أسعَ للانضمام إلى أيٍّ من الجماعات الأدبية بالكلية، ولم تخطر فكرة النشر على بالى. لكن بعدما جمعتُ عددًا منها فى ديوان، تراءى لى عرضُه على شخصيةٍ تعمل بالصحافة، ولعلّه انبهر به، فكان تعليقه دافعًا لأن أدفنه فى درج مكتبى، وفى الوقت ذاته تحوّلتُ إلى قارئةٍ نهمة، ووجهٍ مألوف فى المكتبات العامة، فى عصر ما قبل تطبيقات القراءة الإلكترونية. أعدتُ التجربة بشيءٍ من الجديّة مع شعر العامية، واكتفيتُ بمشاركته ضمن فعاليات نوادى الأدب، ونشره عبر فيسبوك، من خلال صفحةٍ سمّيتها (قطوف) دشّنتها عام 2015. وبغضّ النظر عن دهشتى من التفاعل مع النصوص، آثرتُ مجاورتها لسابقاتها فى الدرج ذاته. ويبدو أنّنى استسغتُ حالة القفز بين قوالب الشعر، فوجدتُنى متورّطةً مع قصيدة النثر، وأتوقّع خطوةَ نشرٍ قريبًا.
أنت مهندسة اتصالات، لأى مدى استفدتِ من هذا المجال فى الكتابة؟
الهندسة، فى العموم، فرخُ صنفرة؛ جليٌّ للدماغ وإطلاقٌ للخيال. دراستها تضعك فى وضعية الرصد والاستقبال، التحليل والاستنتاج، وامتلاك الرؤية، لأنها فى جوهرها قائمة على الإبداع، إذا ما أردت المنافسة وترك بصمة. أما الاتصالات، فهى تخصص يحتاج مواكبة، ويشبه فى ذلك تطور شكل السرد وقوالب الشعر: طريقة التناول، وإزاحة مفرداتٍ على حساب أخرى. ومن دون تعمد، أضع خطة عمل وجدولًا زمنيًّا لكل مشروع كتابة؛ فالتنظيم عاملٌ أساسى فى إنجازه، والدقة فى تحرّى صحة المعلومة وتاريخها ضرورية لضمان مصداقيته.
كيف ترين وضع الأديبات فى مصر حاليا؟
يدعو للفخر، مع تراجع موضة تصنيف الأدب على أساس جندرى، وثقة دور نشر بارزة فى أقلامهن، ما عزّز إنتاجهن المستمر عامًا بعد آخر، ليَتصدّرن المعارض المحلية والدولية، ومن ثم القوائم الطويلة والقصيرة للجوائز الأدبية المرموقة، بل ويقتنصنها. ومؤخرًا، وجد بعض هذا الأدب طريقه إلى دور السينما، محققًا نجاحًا جماهيريًا لافتًا.
كيف كانت بدايتك مع الكتابة؟
تجرأتُ، أو بالأحرى تهوّرتُ، على النشر عام 2018، فكانت رواية "عين عابد" أولى تجاربى مع النص الطويل، تلتها فى عام 2020 رواية "كنا يومًا"، وأعتقد أننى تلافَيتُ فيها بعض سقطات العمل الأول.
ما أهم الصعوبات التى تواجهك ككاتبة؟
افتقادى لوجود عينٍ خبيرة أخرى، دورها قراءة العمل وهو فى طور الكتابة، أو حتى بعد بلورته كاملاً فى مسودة، كان سببًا فى إخراجه بأفضل صورة ممكنة، وهو ما حظيت به فى روايتى الأحدث. كذلك، (بلوك الكتابة) غير المعروف أسبابه، مرحلة سمتها القلق، ثم المناقشات المباشرة، المرعبة بالنسبة لشخص متقوقع، تشكل دورة حياته: يكتب.. ينشر.. يركض إلى صدفته.
هل أنصفك النقد وتعامل مع تجربتك بما تستحق؟
نسبيًا، ألتفت إلى تجربتي؛ تناولتها العديد من المنصات، وناقشتها قامات أدبية أدين لهم بالفضل. صحيح أنّى أعتز بصوتى الخاص، لكن بطبيعتى منصتة. النقد، حتى مع قسوته أحيانًا، يصب فى مصلحة النصوص المستقبلية، وليس ثمة شبهة فى توجيهه نحو شخصى.
ما مشروعك القادم؟
انتهيت من رواية بعنوان "ديك يحكم عرفه العالم"، وأتوقع جاهزيتها للنشر خلال 2026. وبالكاد أستوعب جرأتى على قصيدة النثر، مع شروعى فى نشر ديوانى الأول "الأشياء التى التهمت لساني". وأعمل حاليًا على رواية أخرى بعنوان "رابع يوم بعد الموت".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
دليلك الكامل عن اشتراك هولك (Hulk IPTV) في السعودية لعام 2026. اكتشف مميزات السيرفر الألماني، مكتبة الـ 4K، حلول مشاكل...
غلبه النوم، فجعل من التروسيكل سريراً!
«كل الأكاذيب» صالحتنى على النصوص القصيرة مخزونى من الحكايات بمثابة ثروة إنسانية تربطنى علاقة رفقة وونس مع كل ما أكتب...
الصحفى الذى كشف غموض أحمد حسنين بـاشا وألاعيب نازلى وأسرار الملك فاروق حكايــات أمير الصحـافــة مــع روز اليوسف وأسمهان وأم...