عبدالخالق ثروت.. أول رئيس حكومـة بعد إعلان الاستقلال الوهمى

شخصيات لها تاريخ «76» عائلته تركية جاءت من الأناضول وكان والده «روزنامجى» وكان جده «أفندى» فى زمن محمد على الكبير هو أول مصرى يتولى منصب النائب العام فى ظل الاحتلال الإنجليزى وهو الذى حقق قضية اغتيال بطرس غالى تولى منصب وزير الحقانية ثم تولى رئاسة الحكومة بعد تصريح 28 فبراير الذى ألغى الحماية البريطانية على مصر وهو الذى شكَّل لجنة كتابة الدستور المصرى مات فى باريس بعد إصابته بذبحة صدرية فى سن الخامسة والخمسين وتم إطلاق اسمه على شارع من شوارع القاهرة

كل الناس يعرفون شارع عبد الخالق ثروت فى وسط القاهرة، وفيه مقر نقابة الصحفيين ونادى القضاة وهيئات دبلوماسية وسياسية أخرى، لكن الرجل الذى حمل الشارع اسمه كان من النخبة التركية المتمصرة التى اتخذت من التعليم وامتلاك الأطيان وسيلة للبقاء فى مطبخ السياسة العليا فى ظل وجود الاحتلال البريطانى، بل إنه صعد وظيفيا وحاز ثقة المستشار البريطانى فى وزارة الحقانية، ثم كان أول نائب عمومى مصرى وكان قبله يتولاه شخص بريطانى، وكان سعد زغلول وزير الحقانية آنذاك هو من زكّاه، ولعبت الأيــام لعبتها فـــأصبح سعـــد زغلـــول زعـيـــم الــثــــورة الــشعبيـــة وأصبـــح عبد الخالق ثروت -ومعه عدلى يكن- من زعماء الثورة المضادة، وحصل "ثروت باشا" على تصريح 28 فبراير 1922 وبموجبه أصبحت الحماية البريطانية التى فرضت فى 1914 ملغاة، وكوّن الباشا حكومة ولجنة لكتابة الدستور لأول مرة بعد دخول الجيش البريطانى مصر، وخاض تجارب سياسية ومعارك ضد الوفد المصرى وضد السلطان فؤاد، وخسر تعاطف حزب الأحرار الدستوريين ودخل التاريخ وحوله جدل، هناك من اعتبره زعيما وطنيا تحقق الاستقلال على يديه، وهناك من اعتبر الاستقلال خدعة بريطانية بسبب التحفظات الأربعة التى أجهضت معنى هذا الاستقلال.

قبل دخول مجال السياسة ومعرفة تفاصيل ما قام به عبد الخالق ثروت باشا نقرأ "بورتريه" رسمه له الشيخ "عبد العزيز البشرى"، وهو رائد هذا اللون من الكتابة فى الصحافة المصرية:

ـ لطيف الحجم، دقيق الجسم، لولا بُدونة دخلت عليه فى السنين الأخيرة، طَلْق الوجه، عذب الروح، فكِه الحديث، ولو أنه قُدّر لك أن تصحبه عشرين عاما دون أن يقيِّض لك اسمه ما عرفت قطّ أنك فى صحبة هذا الذى لايبلغه العَجب، فلقد تحضر مجلسه فيقبل عليك يحدثك فلا يرتفع بك إلى نفسه، وإنما يتدلّى بكل حديثه إلى نفسك، فتراه يدارجك فى قولك ويكلمك من جنس كلامك ويباريك على قدْر فهمك حتى تنصرف عنه وقد هيّأ لك وهمك أنه مثلك، هذا إذا لطف الله بعقلك فلم يهيّئ لك أنه دونك.

ويضيف "البِشرى" قوله:

ـ لعل ثروت باشا أبعد المصريين نفسا وأعمقهم ضميرا، وقد حدّثنى من طالت به صحبته أنه من شباب سِنِّه قد جعل يمرن نفسه على إخفاء نيّاته، ويأخذ معارف وجهه بألَّا تنم على ما فى قرارة نفسه، ولقد بالغوا فى صمت "أبى الهول" وقدَّروا أن من خلف هذا الوجوم الطويل سرّا طويلا، أما "ثروت" فإنه أحذَرُ من أبى الهول وأحرص على دخيلة نفسه، فإن وجهه الضاحك منك لا ليقنعك بأن هذا الخَلْق لا يحقن من السر كثيرا ولا قليلا، ولو أن إنسانا حدّثك بأن لسان "ثروت" لم يسقط من ثلاثين سنة بكلمة واحدة لايريد هو أن يُطلِقها بكل معناها وما تتصرف إليه من وجوه المغازى لما كان فى قوله متزيّدا ولا غاليا.

 ثروت السياسىّ

كانت النهضة التعليمية التى أرسى دعائمها "الخديو إسماعيل" سببا مباشرا فى وجود نخبة متعلمة، درست فى مدرسة الحقوق، والمدارس الابتدائية والثانوية التى كانت فى القاهرة والإسكندرية كانت تمنح الأغنياء فرصة تعليم أولادهم، لكن هذا لا يمحو آثار إسماعيل السيئة التى أدت إلى "بيع مصر" لبيوت المال الأوربية، ومن المهم أن نعرف أن طبقة الأتراك والشراكسة وُجِدت فى مصر منذ العصر الأيوبى، كانوا هم "المماليك" وصناعتهم الحرب، وامتلكوا الأطيان والإقطاعات وكونوا الطبقة الثرية وحملوا لقب  "الّذوات" والأعيان، ومن بعدهم كان "الفلاحون والعربان"، والعربان كانوا يحتقرون المماليك وبينهم حروب، ومن هؤلاء الأتراك المتمصرين كان "عبدالخالق ثـــروت" الــذى قــالت عنه الباحثة: مشرفة محمد المليجى ـ فى رسالة ماجستير قدمتها لقسم التاريخ فى كلية الآداب جامعة عين شمس ـ وخصصتها له ولدوره فى السياسة المصرية:

ـ كان عبد الخالق ثروت صاحب دور بارز فى خدمة القضية المصرية، وبعد قيام الثورة المصرية فى العام 1919، ظهر دوره وجهده، حيث سعى مع الساعين لخدمة قضية بلاده من خلال المنفذ الذى فتحته تلك الثورة، وهى نفسها كشفت عن وجود تيارين سياسيين يقودان البلاد، حتى بعد انتهاء الثورة، وهما التيار "السعدى" المتشدد، والتيار "المعتدل" بقيادة عدلى يكن، ولما كان "ثروت" قد جاء إلى الحكم على غير رغبة التيار المتشدد وما لهذا التيار من ثقل شعبى، ولما كان تصريح 28 فبراير 1922  هو أهم حدث فى تاريخ مصر السياسى خلال تلك الفترة ـ بدايات القرن العشرين ـ فقد حرصت على إلقاء الضوء على الظروف والعوامل التى مكّنته من الحصول على مقدمات "التصريح" والعوامل التى أدت إلى فشله فى التوصل إلى معاهدة مع بريطانيا لتسوية كل "التحفظات" الخاصة بالمسائل الأربع التى ظلت تؤرق العلاقات المصرية البريطانية، واتضح لنا من أسلوب معالجة "ثروت" للقضية المصرية البريطانية أنه لم يكن يتطلع إلى حل جذرى لاسترداد حقوق مصر من بريطانيا لإيمانه بعدم جدوى ذلك، ومن هنا كان سعيه وحرصه على التدرّج فى الحصول على هذه الحقوق، ولما كان هذا هو أسلوبه فى معالجة قضية البلاد، فلم يكن به حاجة إلى أن يجعل لنفسه ركيزة شعبية.

وتقول "الباحثة مشرفة المليجى" عن تاريخ عبدالخالق ثروت العائلى والوظيفى والتعليمى:

ـ وُلِد محمد عبد الخالق ثروت، فى درب الجماميز، فى بيت أبيه إسماعيل باشا عبد الخالق، الذى كان من كبار رجالات مصر، وينحدر من أصل تركى، من منطقة الأناضول، وكان حضور هذه الأسرة إلى مصر بعد الغزو العثمانى لمصر بفترة قصيرة، وعبد الخالق ثروت من مواليد العام 1873 ووالده كان يشغل وظيفة "روزنامجى" وهو ابن المرحوم "عبد الخالق أفندى" الذى كان من الحكام فى زمن محمد على، ولعل هناك درجة قرابة كانت تربط عائلته بعائلة "محمد على" ومؤسس عائلة عبدالخالق ثروت هو السيد يوسف الكرّانى، الذى نزح إلى مصر من "كرّان" فى بلاد الأناضول، ووالدة "عبد الخالق" تنتمى إلى العرق التركى أيضا، وتزوج عبد الخالق ثروت من "السيدة فاطمة هانم"، وأنجب منها: إسماعيل وأحمد ومصطفى وعزيز وعنايت ونعمت، وعمل الأبناء فى خدمة الحكومة، فكان إسماعيل مستشارا بمجلس الدولة وكان أول رئيس لديوان الموظفين، وأحمد ثروت، عمل مستشارا بالمحاكم المختلطة، وعقب إلغاء المحاكم المختلطة عُيِّن سفيرا لمصر فى فرنسا ثم سويسرا، وعزيز ثروت درس الطب فى سويسرا وعمل طبيبا، ثم مدير مستشفى السكة الحديد فى القاهرة، والابن الأخير "مصطفى ثروت" تولى الإشراف على الأطيان الزراعية التى تملكها العائلة، وتبلغ ألفى وخمسمائة فدان، منها ألف ومائتى فدان تملكها "فاطمة هانم" زوجة عبد الخالق باشا ثروت، وهذه الأطيان كانت فى منيا القمح بالشرقية ودسوق وبنى سويف، وكان "عبد الخالق ثروت" من النابغين منذ طفولته، وحصل على المرتبة الأولى فى سنواته الدراسية فى مدرسة عابدين، ومنها انتقل إلى مدرسة المعلمين وحصل على شهادة "الثانوية"، والتحق بمدرسة الحقوق، وحافظ على تفوقه على مدى خمس سنوات، وفى العام 1893 حصل على المركز الأول بين الناجحين فى امتحانات "الليسانس"، وكان طوال سنوات دراسته يتقاضى راتبا من الحكومة مكافأة له على تفوقه، وهذا التفوق جعل "مسيو تستو" ناظر مدرسة الحقوق يرفع تقريرا ضمّنه اقتراحا بإرسال "الطالب المتفوق عبد الخالق ثروت" إلى فرنسا ليدرس الدكتوراه فى القانون.

 قدرات خاصة

كان الزمن الذى ظهر فيه "عبد الخالق ثروت" هو زمن الخطابة والشهادة العليا والثروة، فكان الخطباء من خريجى "الحقوق" يجدون الفرص الكبرى للعمل فى الوظائف القضائية، أو المحاماة، وكان الحاصلون على الشهادات من المدارس العليا يسافرون إلى فرنسا وبريطانيا وألمانيا فى بعثات دراسية على نفقة وزارة المعارف للحصول على الدكتوراه فى تخصص من التخصصات، وعبد الخالق ثروت الثرى ابن العائلة القريبة من دوائر السلطة، وجد نفسه فى وظيفة قضائية، وتدرج من خلالها فأصبح هو "النائب العمومى" وهنا تقول الباحثة: مشرفة المليجى عن أسباب نجاحه المهنى:

ـ كان "ثروت" صاحب شخصية قوية، تتفوق عنده مَلَكَة البيان، كما كان فى كل أدوار حياته، وقبل أن يشغل منصب "النائب العام" خطيبا مفوّها.. وإذا كان لنا أن ندلل على تفوّق هذه المَلَكَة عنده، فلن نجد قولا أفضل من  قول سعد زغلول عن خطبة "ثروت" فى حفل افتتاح "الجامعة المصرية" إنها أحسن الخُطَب العربية تلاوةً وإلقاءً ومعنى وعبارة، وقد لازمته هذه المقدرة الخطابية طوال حياته، وأمكننى التعرف على مضامين جلسات الجمعية التشريعية التى كان يحضرها بصفته "وزير الحقاّنية" وظهر منها قوة الحجة وقوة البراهين التى كان يستشهد بها، وكان رجل قانون متميزا، وكان مما قالته عنه جريدة "التيمس" البريطانية إنه يوجّه خُطَبَه إلى مستويات ثقافية أعلى من تلك التى يوجه إليها "سعد زغلول" خطبه، كان "ثروت" يخاطب المحامين والموظفين وأرباب الصناعات من المصريين وأعضاء الطبقة الحاكمة، وكان "سعد" يوجه خطابه إلى وجدان الطبقات الشعبية، ومما رواه "الدكتور طه حسين" عن واقعة جمعته و"عبد الخالق ثروت":

ـ أذكر أنى استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة لخلاف كان بينى وبينه فى مادة من مواد لائحة الجامعة، واستقلت أثناء الجلسة، فكلّف من كلّمنى أن أستـــرد استقالتى فأبيتُ، فانتقل من مكانه حتى انتهى إلىّ وهمس فى أذنى قائلا ما معناه إنه لايريد أن أسترد استقالتى ـ الآن ـ بل أرجئها، حتى نتكلم سويّا.

ويقول "طه حسين" إن أثر كلام "ثروت" معه جعله يتراجع عن الاستقالة.

وتقول الباحثة مشرفة المليجى:

ـ كان "ثروت" شغوفا بالقراءة والاطلاع، وهو الأمر الذى كان يعرفه عنه أصحابه، وباعة الكتب، ليس فى مصر وحدها، بل فى باريس أيضا.

وخير من كتب عن شخصية "عبد الخالق ثروت" هو دكتور محمد حسين هيكل ـ رئيس تحرير جريدة السياسة ـ ورئيس حزب الأحرار الدستوريين، الحزب الذى كان متحالفا مع "ثروت" فى فترة رئاسته الحكومة وأثناء إعداد الدستور، ونقرأ ما قاله دكتور هيكل عنه فى كتابه "تراجم مصرية وغربية" وجاء فيه:

ـ وُلِد "محمد عبد الخـــالق ثروت" سنة 1873 فى بيت جاهٍ ونعمة، كان أبوه المغفور لـــه "إسماعيل عبد الخالق باشا" ابن المرحوم عبد الخالق أفندى، من أصل أناضولى، التحق بمدرسة الحقوق، وكان "ثروت الطالب" على ما ذكر الأستاذ لطفى بك السيد ـ زميله فى مدرسة الحقوق- شابا حَسَن الطَّلْعة، تعلوه سيماء الجدّ فى غير عُبُوس، مترفعا فى غير كِبْرٍ، ولمّا نال إجازة الحقوق التحق موظفا بوزارة الحقانية ـ سكرتيرا للمستشار القضائى بها، وكان المستشار القضائى يومئذٍ "جون سكوت" من أحسن من عرفت الحكومة المصرية مقدرةً ونزاهةً، وسرعان ما قدّر مواهب "ثروت" حتى اختصه بكل ثقته ووضع فى يده كل نفوذه، ونفوذ المستشارالإنجليزى ـ يومئذٍـ كان أقوى من نفوذ أكبر كبير من ولاة الحُكم فى مصر، لذلك كان ما استولى عليه "ثروت" من نفوذٍ ومن ثقةٍ، بحيث طوّع له أن يقوم فى وزارة الحقانية مقام صاحب الأمر والنهى فيها، ولا يزال شابا لم يبلغ الخامسة والعشرين من سنِّه، وعاونت هذه الحرية فى السلطة ما وُهِب من مقدرةٍ وذكاءٍ، فلم يلبث إلا قليلا حتى تقدّم فى وظائف القضاء وحتى عُيِّن مستشارا بمحكمة الاستئناف، ثم نُقِل مديرا لأسيوط، ثم عاد إلى الحقانية، نائبا عاما وأُختير وزيرا لها فى العام 1914، وانتخب عضوا فى إدارة الجمعية الخيرية الإسلامية، وعضوا فى إدارة الجامعة المصرية، وكان يومئذٍ يشغل منصب "النائب العام"، وكانت له فى الجامعة وفى الجمعية سلطة نافذة وإرادة قوية، فلما كان صاحب الدعوى العمومية أتاح له حادث خطير أن يتصل بالجمهور اتصالا مباشرا، فقد اعتدى "إبراهيم ناصف الوردانى" على حياة بطرس غالى باشا فى العام 1910 بأن أطلق عليه الرصاص ساعة خروجه مع "ثروت باشا" النائب العام، من مقر وزارة الحقانية، وتولى "ثروت باشا" بنفسه تحقيق هذا الاعتداء والمرافعة فى الدعوى، هنالِك اطَّلع الجمهور على اقتدار خاص منه، وهنالك بدأ الجانب السياسى من حياة "ثروت باشا"، فالعبارة التى ننقلها من تلك المرافعة تلخص إلى حد كبير ما جرى عليه "ثروت" الوزير والرجل السياسى بقية حياته:

ـ نحن أول من يُجِل الاشتغال بالمسائل العامة، ويرى أن السعى بالطرق المشروعة فيما ترقى به البلاد وأهلها من فروض العين على المصرى، وأن كل مصرى مطالب بتضحية شىء من وقته وماله وهمَّته فى خدمة بلاده، نحن أول من يرحب بتنمية الوطن ورياضة النفوس على احتمال أشق المشقّات فى إعلاء اسم "مِصر" وزيادة شرفها ورفعتها، كذلك نرى أن من مرقِّيات الأمم الدارجة فى رقيها النظر فى أعمال القابضين على أَزمَّة الأمور ونقدها، ولكنَّا لانسلِّم بحال من الأحوال أن يتطلّع إلى مقام نقد الحكام إلا رجل جمع إلى العلم الغزير والحكمة البالغة الاتزان فى القول والفعل حتى يقدر الأعمال قدرها وينظر فى الأمور بفكر صحيح، فلايتعدّى حد المشروعية وإلا انقلبت الخدمة وبالا وإرادة الخير شرا.

 ثورة الشعب

كان شهر مارس 1919 هو شهر إعادة خلق الزعيم سعد زغلول، وإعادة الخلق هنا معناها التحوّل من الإصلاح إلى الثورة، ومن القرب من الحكومة إلى خوض الحرب ضد الحماية البريطانية وأدواتها، وكان "سعد" يعتبر السلطان فؤاد، من أدوات الحماية، فكان يطالب بإلغاء الحماية ويعنى به ذهاب السلطان أيضا وإعلان "سلطة الشعب"، وهذا التحوّل الذى جعل من سعد زغلول زعيما شعبيا، جعل من عبد الخالق ثروت وعدلى يكن ومحمد محمود ولطفى السيد دعاة إصلاح، وحكمة وتفاوض ورضا بالقليل، وجاء تصريح 28 فبراير 1922 ليعطى الشعب المصرى الاستقلال الوهمى، الاستقلال الذى منح "السلطان فؤاد" لقب ملك مصر، وأعطاه حق إنشاء وزارة الخارجية والسفارات فى الدول الأجنبية، ولكن دعاة الإصلاح أعادت "بريطانيا" إنتاجهم من جديد، فجعلت تصريح "الاستقلال الوهمى" يأتى على أيدى "عبد الخالق ثروت"، وبذلك أصبح أول رئيس حكومة فى ظل الاستقلال، وهو الذى تولى تشكيل اللجنة التى صاغت دستور البلاد، وهذا الظرف الذى عاشه "ثروت" أوقعه فى معارك كثيرة ضد "عظمة السلطان" وضد حلفائه الذين دعمهم ودعموه وهم رجال الإصلاح "فريق عدلى يكن" الذين أسسوا حزب الأحرار الدستوريين، الورثة الشرعيين لحزب "الأمة" الذى كان أعضاؤه يرون أنفسهم سُراة البلاد وسادتها وأصحاب المصلحة الحقيقية فيها، وهنا نقرأ ما كتبه "أحمد زكريا الشِّلْق" فى كتابه "الأحرار الدستوريون" حول العلاقة بين عبد الخالق ثروت وقيادات الحزب:

ـ  ألّف "عبد الخالق ثروت" وزارته الأولى ـ مارس 1922ـ وكانت تضم إسماعيل صدقى وجعفر ولىّ من مؤسسى حزب الأحرار، وتمت إجراءات تأسيس الحزب وإعلانه خلال عهد هذه الوزارة، وقد اتفقت مصادر عديدة على أن هذه الوزارة قد منحت الحزب الوليد تأييدها بأجهزتها الإدارية، وكان تأييد رجال الحزب لهذه الوزارة فى البداية تأييدا تقتضيه مصلحتهم فى مرحلة التكوين، ولنا أن نتصور أنهم عرضوا على "ثروت" أن ينضم للحزب، وأنه فضَّل البقاء مستقلّا، محتفظا بصداقتهم فى الوقت الذى كان هو فيه فى حاجة إليهم فى مواجهة عداء "السلطان فؤاد" والوفد له، وتكشف الوثائق البريطانية كيف أن رجال الحزب الجديد لم يكونوا يرغبون فى بقائه، وكان "محمد محمود" يشعر بالغيرة منه، وقد أبدىَ رغبته لدار المندوب السامى فى تولِّى "عدلى يكن" على أن يعمل ثروت وصدقى وتوفيق نسيم تحت رئاسته.

 الموت فى باريس

شاءت إرادة الاحتلال البريطانى أن يكون "عبد الخالق ثروت" أول رئيس يشكّل حكومة بعد تصريح 28 فبراير 1922 وهو تصريح منح مصر الاستقلال، ومنح بريطانيا أربعة تحفظات وحقوقا تجعل الاستقلال فارغا، فهى رغم إلغاء الحماية، لها حق الدفاع عن مصر، ولها حق تأمين مواصلاتها، الإمبراطورية ولها حكم السودان، ولها حق حماية حقوق الأجانب فى مصر، وكتبت حكومة "ثروت" دستورا منح الحقوق كلها للسلطان فؤاد، وجعله ملكا، ومنحه لقب ملك دستورى، والحقيقة أنه ملك مستبد، ولكن رحلة "ثروت" انتهت وهو راضٍ عن نفسه، فهو الذى تحقق "الاستقلال" على يديه، وهو الذى سعى لانتزاع "دستور" وحياة نيابية وديمقراطية مثل التى تطبق فى أوربا آنذاك، وشاءت الأقدار أن يموت "ثروت باشا" فى باريس، وكان معه ولده "مصطفى" وكانت زوجته حاضرة لحظة الوفاة، وسبب الوفاة ذبحة صدرية، ونُقِل الجثمان إلى القاهرة ودُفِن بها فى سبتمبر 1928.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فرديناند ديليسبس.. مهندس الاحتلال البريطانى لأرض مصر
بطرس غالى.. أول قبطى يتولى رئاسة الحكومة فى تاريخ مصر الحديث
صدقي

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص