أوراق ساحر الكتابة «18»/ قصة أول مجلة تخاطب عرب المهجر / حكاية الفيلم الوحيد الذى تعاون فيه صبرى مع إحسان عبد القدوس
ارتبط اسم صبرى موسى بمؤسسة صحفية عريقة، كان على رأسها واحدا من ألمع الأدباء وأشهر الكتّاب، ارتبط اسمه هو الآخر بالسينما، ويحتل المركز الأول فى عدد رواياته التى تحولت إلى أفلام سينمائية، وبعضها كتب له السيناريو بنفسه، وأقصد به بالطبع إحسان عبد القدوس..
فكيف كانت طبيعة العلاقة التى ربطت بين رجلين فى مؤسسة واحدة ويتنافسان فى مجالات وساحات واحدة هى الصحافة والأدب والسينما؟
(1)
شغلنى السؤال كثيرا، حتى وجدت له إجابة شافية عند رفيقة صبرى موسى زميلتنا الكاتبة أنس الوجود رضوان:
"العلاقة بينهما كانت أكثر من رائعة، صبرى كان محبا لإحسان وعارفا بقيمته ومقدرا لموهبته، يتابع مقالاته ويقرأ رواياته بشغف، ويرى أنها من صميم المجتمع المصرى وتعبر بصدق عن الإنسان المصرى..وكان يتمنى أن يترجم هذه الأعمال إلى سيناريوهات سينمائية.. وفى المقابل كان إحسان يحب صبرى ويقدره، وهنأه بحرارة عندما فاز بجائزة "بيجاسيوس" أو الحصان المجنح من أمريكا (1977)، اتصل به وبارك له وكان سعيدا من قلبه بهذا الإنجاز الكبير الذى حققه زميله، ويومها داعبه إحسان: يعنى يا صبرى عمال تكتب أفلام للسينما، والسينارست الكبير عمل وسوى، إلا ما فكرت تعمل لى حاجة من رواياتى؟ واستجاب صبرى على الفور: أوعدك يا أستاذ.. بس سيبنى أختار قصة من شغلك على مزاجى!..وأوفى صبرى بوعده واختار قصة "حبيبى أصغر منى"، وكانت أول فيلم ألوان من إنتاج أفلام التليفزيون، وأول بطولة للنجم الجديد خالد زكى، وشاركته البطولة الفنانة فردوس عبد الحميد وأخرجه محمد دياب وعرض فى العام 1987".
لنفتح زاوية الرؤية ونقول جازمين أن العلاقة الإنسانية التى ربطت هذا الجيل - رغم التنافس المهنى الشديد- كانت على درجة رفيعة من النُبل والرقى تليق بموهبتهم وعظمتهم، ولا أدّل على ذلك من موقف يحيى حقى المدهش مع صبرى موسى فى واقعة جائزة "بيجاسيوس"، أهم الجوائز الأدبية العالمية بعد نوبل أو ربما توازيها، فبشهامة مذهلة وروح صوفية مدهشة قرر يحيى حقى أن يرشح رواية "فساد الأمكنة" للجائزة، فقد رأى بموضوعية أنها الأحق والأجدر حتى من رواياته ذاتها، ولأنه يعرف زهد صديقه فى الأضواء والجوائز فقد تولى هو إتمام الإجراءات وتقديم المسوغات، وكان أكثر الناس فرحا عندما أعلن عن فوز صبرى بالجائزة العالمية..
لكن ما حدث بعد ذلك أكثر إدهاشا، فعندما تحدد موعد سفر صبرى إلى أمريكا لاستلام الجائزة، ظل يحيى حقى ساهرا طوال الليل حتى يتأكد أن المسافر ركب طائرته، ولولاه لراحت نومة على صبرى، فقد ظل يتصل به على تليفون منزله، وأيقظه برنينه المتصل رغما عنه ليلحق بموعد الطائرة..!
هذه الروح الودودة تجدها كذلك فى احتفاء زملاء صبرى به وبترجمة "فساد الأمكنة" إلى الإنجليزية وتلقيه دعوة للاحتفال بها فى نيويورك، فكتب رئيس تحريره لويس جريس افتتاحية المجلة عنه تحت عنوان بارز وبجواره صورته: صبرى فى أمريكا، وبكلمات تفوح بالفخر والمحبة قال:
"زميلنا صبرى موسى يحزم حقائبه هذه الأيام استعدادا للسفر إلى أمريكا، وليست هذه رحلة صحفية يقوم بها صبرى لمجلة صباح الخير، ولكنها رحلة تقدير أدبية وقد تفتح له الأبواب ليصبح ثريا!.. فقد حدث منذ أكثر من عامين أن تقدم زميلنا صبرى بروايته "فساد الأمكنة" فى المسابقة التى أقامتها شركة "موبيل" فى مصر بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاما على بدء نشاطها فى مصر..
واختارت الشركة أن يكون احتفالها باليوبيل الماسى هو إجراء مسابقة بين الكتاب فى مصر، واختيار القصة الفائزة لترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وطبعها وتوزيعها فى العالم.. وكانت لجنة التحكيم من أساتذة الأدب فى الجامعة والنقاد والكتاب المعروفين فى مصر.. وفازت "فساد الأمكنة" بالجائزة الأولى، وتم ترجمة الرواية وتلقى صبرى النسخة الأولى، ودار بها على زملائه..وأقامت له المجلة احتفالا صغيرا ووزعت فيه أكواب الشاى والحلوى والتمنيات الطيبة بالثراء القريب..
ومنذ هذا الاحتفال اختفى صبرى موسى وترك رسائل باب أعضاء "نادى القلوب الوحيدة" للزميلة زينب صادق، وقد أعدت له الشركة الناشرة لروايته برنامجا فى مدن واشنطن ونيويورك وكبريات مدن أمريكا الثقافية للقاء الأدباء والحوار معهم حول القضايا الأدبية وإلقاء المحاضرات، وبالطبع لا يخفى علينا أن صبرى أعد لنفسه برنامجا مع ليالى نيويورك الشهيرة!".
هذا ما كتبه لويس جريس فى افتتاحية المجلة احتفالا واحتفاء بنجاحات زميل مبدع، وفى جملته الأخيرة عن ليالى نيويورك يلمح لويس بدهاء إلى معرفة صبرى الوثيقة بأمريكا والحياة فيها وبلياليها وتجاربه معها وفيها، وهى معرفة حقيقية بحكم أن شقيقته الكبرى فاطمة كانت متزوجة وتعيش فى الولايات المتحدة فكان يتردد عليها ويزورها كل فترة، وبحكم وجود أصدقاء له هناك وعلى رأسهم د. عاكف النحال أول من نال درجة الدكتوراة فى أدب نجيب محفوظ.. وقد أسفرت هذه العلاقة الممتدة مع الثقافة والحياة فى أمريكا عن ثلاث تجارب فارقة فى مشوار صبرى موسى..
(2)
أولى هذه التجارب كان فى مجال السيناريو.. دارسا ومُدرسا، فى واحدة من أهم معاهد السيناريو فى العالم والموجود بجامعة "أيوا.. صحيح أن صبرى درس السيناريو بمعهد السينما بمصر، حيث التحق به كطالب منتسب عام 1960، وقت أن كان عميد المعهد هو المخرج الكبير أحمد بدرخان، لكنه رغم دراسته الأكاديمية، ورغم ما حققه من نجاحات لافتة كسينارست وما ناله من شهرة وجوائز، إلا أن روح المغامرة دفعته لأن يسافر بعدها بسنوات طويلة للدراسة فى هذا المعهد الأمريكى، ثم يتحول إلى أستاذ به يتحلق طلبته حوله ليسمعوا منه ويتعلموا، وعن هذه التجربة يحكى صبرى فى أوراقه:
"وقد أتيحت لى فرصة أن أشارك فى (مدرسة الكتابة) فى جامعة (أيوا) فى الولايات المتحدة، والجامعة تشتهر وتتميز بمدرسة الكتابة أو ورشة الكتابة هذه.. حيث تقوم بدعوة خمسين كاتبا من أبرز الممارسين لفنون الكتابة من جميع أنحاء العالم والمعبرين عن الاتجاهات السياسية المتباينة فى السينما والمسرح والرواية والصحافة، لنقل الخبرات بين الكتاب والطلبة من خلال الندوات والمحاضرات والمناقشات والجولات الحرة، ومن أشهر من تخرجوا فى مدرسة الكتابة هذه كل الحاصلين على جائزة "بوليتزر"، وقد مكثت بها ستة أشهر بصفتى كاتب قصة وسيناريو وصحفيا، عرضت هناك فيلم "البوسطجى" وفيلم "رغبات ممنوعة" الذى كتبت له السيناريو، وهذه التجربة أغنت وعيى بكثير من المعلومات عن الحياة الأمريكية وعناصرها، وأتاحت لى الفرصة كى أتأمل المجتمع الأمريكى".
(3)
أما التجربة الثانية فتتعلق بتجربة صحفية فريدة، عندما أقدم صبرى موسى على إصدار أول مجلة تخاطب الجاليات العربية فى أمريكا، فخلال فترات إقامته فى الولايات المتحدة استفزه أن تكون هناك جالية من العرب الأمريكان يزيد عددها – حينها – عن ثلاثة ملايين، لا يعرفون بعضهم، وليس لهم منبر يجمعهم ويقرب بينهم ويربطهم بجذورهم ويحفظ هويتهم ويحافظ على لغتهم الأصلية..
وبعد جهود مضنية نجح مع عدد من المثقفين العرب المقيمين بأمريكا فى تأسيس شركة "الناشرون العرب"، تقاسموا دفع رأس مالها من جيوبهم، ومن خلالها أصدروا "بالعربى" لتكون مجلة عربية فى المهجر، تولى صبرى موسى رئاسة تحريرها، وكان من مهامه فيها كذلك تدبير نفقات طباعتها وتوزيعها والاتصال بكتابها وجمع مادتها ومراجعتها وتوضيبها وتجهيزها للطباعة..
وفى افتتاحية العدد الأول من "بالعربى" الصادر فى نوفمبر 1989، كتب صبرى موسى ما يمكن اعتباره "مانفستو" يقدم به مجلته الفريدة لعرب المهجر: "نحن جماعة من المثقفين العرب نقدس الحرية والتقدم والعدل.. نحن لا ننتمى سياسيا لحزب ولا نتبع دولة ما.. نحن لا نقبض من أحد ولا ينفق علينا أحد.. ونحن صحافة عربية محترفة، لم يسبق لها مثيل فى المهجر..نحن نشعر بالحزن حين نرى أولادنا هنا يفقدون لغتهم العربية.. ونشعر بالأسى حين نرى عرب المهجر مبعثرون رغم تفوقهم وإمكانياتهم العلمية والمادية الهائلة.. أقلام كثيرة ورسامون وفنانون فى وطننا العربى يشاركوننا فى هذه المجلة.. فاشترك معنا تشعر بأنك قوى وأكثر معرفة".
بجهود ذاتية مبدعة ومضنية نجح صبرى موسى مع رفاقه المؤمنين بالتجربة أن يحققوا نجاحات استثنائية على مستوى التحرير والتوزيع، وبحسب الطلب الذى قدمه لهيئة الاستعلامات فى مصر لدعم مجلته وتجربته (بعد عام على صدورها) باعتبارها مشروعا قوميا طموحا، نجد تلك المعلومات والأرقام الدالة والمعبرة:
فقد وصل توزيعها إلى 25 ألف نسخة، تصدر شهرية مؤقتا فى 24 صفحة بالألوان، واستطاعت فى السنة الأولى أن تشكل مجموعة من المراسلين والكتاب الدائمين من كل الولايات الأمريكية وكندا، بالاضافة إلى مجموعة من الكتاب المشاهير والفنانين العرب الذين يمدونها بمقالاتهم تطوعا..
طموح صبرى لمجلته وصل إلى التفكير فى أن تكون نواة للوبى عربى منظم وقوى يتجمع فيه وحوله عرب المهجر، حيث يكتب بصراحة فى أوراقه:"إن هدفها تشكيل رأى عام موحد من العرب المهاجرين وربطهم بجذورهم وأوطانهم الأصلية واطلاعهم بطريقة علمية وصحفية على ما يمكن أن يسهموا به فى تنمية هذه الأوطان لتشمل الفائدة أولادهم وأحفادهم المعرضين للذوبان فى المجتمع الأمريكى".
سخّر صبرى كل إمكانياته وعلاقاته لاستمرار التجربة، وعندما تطالع الأعداد التى أصدرها من المجلة تستغرب أن يصل بها إلى هذا المستوى المتميز – تحريرا وإخراجا– رغم صعوبة الموارد المالية، وهى الصعوبة التى اضطرته لأن يصدرها كل ثلاثة شهور، حتى يكون قارئها هو ممولها الوحيد، وحتى لا يضطر إلى تمويل خارجى يفقدها استقلالها، وهو ما يكتبه بعباراته:"وبما أننا قد قررنا منذ البدء أن تكون "بالعربى" ملكا لأفراد الجالية، ورفضنا تلقى المعونة من أية هيئات أو جهات رسمية أو من أفراد من ذوى النفوذ المالى حتى تحتفظ باستقلالها الكامل.. فإننا نرحب بمشاركة قرائها فى ملكيتها بشراء بعض الأسهم لزيادة رأس المال العام.. فهى منكم ولكم".
وكعادة العرب فى إضاعة الفرص، فإنهم لم يدعموا التجربة بما كان يأمل صاحبها، فتوقفت عن الصدور بعدما خذلوه!
(4)
التجربة الثالثة فى علاقة صبرى بالثقافة والحياة فى أمريكا كانت هى الأهم والأبقى، وتجسدت فى رواية من وحى هذا المجتمع، الذى عاشه صبرى موسى ورأى بعينيه كيف يسحق إنسانية الإنسان ويحوله إلى آلة فاقدة للحس والعواطف والمشاعر الإنسانية بكل بساطتها وتعقيداتها ونزقها..
الثابت أن "السيد من حقل السبانخ"، تلك الرواية المتفردة العصية على التصنيف، والتى نشرها صبرى موسى فى العام 1980 كانت من وحى معايشته للأمريكان ونمط حياتهم وكيف حولتهم التكنولوجيا إلى أرقام ومسوخ إنسانية.. هو نفسه يعترف بتلك الحقيقة، حيث يقول صراحة:
"الرواية كانت وليدة تجربتى فى المجتمع الأمريكى وهو مجتمع الوفرة الذى أنجز وأسهم فى تطبيق جميع المخترعات فى تاريخ البشرية واختراع الإنترنت، أقوى الشبكات للمعلومات فى العالم، وجدته صورة من المستقبل الذى تتجه إليه البشرية، لأنه حقق كل الآمال والرغبات للإنسان.. ورغم أنه مجتمع ديمقراطى ولديه هذا القدر من الحرية فإنه أكثر المجتمعات تضييقا على الفرد، لأن إحساس الفرد بالمسئولية والقانون صارم، وهذا يعنى أنه لا توجد رفاهية من دون حدود ولا توجد حرية من دون حدود، وماذا يحدث للبشر حين يتحقق لهم مجتمع الرفاهية الكاملة، والحرية المحدودة بالالتزام تجاه الآخرين، وما هى صورة هذا المجتمع؟".
وفى حين اتجه رأى النقاد إلى اعتبار "السيد من حقل السبانخ" تندرج تحت تصنيف أدب الخيال العلمي، فإن صاحبها لم يعتبرها كذلك، وكان تصنيفه لها مختلفا وحسبها رواية عن المستقبل، وبكلماته:
"وفى أدب الخيال العلمى دائما ما تجد أن صورة هذا المجتمع المستقبلى هى المجتمع الديكتاتورى الذى يسعى إلى غزو المجتمعات الأخرى، وروايتى ضد هذه النظرة فى أدب الخيال العلمي، لأننى أعرض لصورة المستقبل وأنطلق من المأزق الذى تواجهه الإنسانية الآن بعد سلسلة من الأخطاء التى وقعت فيها البشرية القديمة وجعلت الأرض كوكبا غير صالح للسكن نتيجة سوء التعامل مع الطبيعة، وفى الرواية أصور البشر يعيشون فى غلاف زجاجى بعد أن استنفدوا كل شيء فى الأرض، والرواية تعرض لفكرتين عن الأرض، الأولى تنتمى إلى الفكرة القديمة عن الأرض وتمثل الحرس القديم للطبيعة، الذين يريدون إصلاح الأرض وجعلها صالحة للسكن، والثانية ترى أنه ينبغى البحث فى الفضاء عن كوكب آخر يصلح للحياة، والاتجاه الأول يريد العودة بالبشرية إلى الوراء، لأن الظروف الطبيعية تدفعنا إلى اكتشاف آفاق الكون والفضاء"..
نحن إذن أمام رواية أثارت الجدل بداية من تصنيفها الأدبي، وقبلها من عنوانها الغريب، وقبلها وبعدها من أجواءها وشخوصها ولغتها، ومستقبل البشرية المرعب كما رأه صبرى موسى فى القرن الرابع والعشرين..
تحتاج "السيد من حقل السبانخ" إلى زيارة جديدة.. وإلى إعادة اكتشاف.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة