خاضت معركة منع دفن النفايات الذرية بالصحراء الشرقية ضد حكومة السادات ورفضت إرسال القطع الأثرية المصرية للخارج فى عهد مبارك
الكلام عن دكتورة "نعمات أحمد فؤاد"، لايصح أن يكون نثرا عاديا، بل يجب أن يكون شعرا فصيحا، أو عاميا، فهى تقول الشعر فى كل أحاديثها، وعندما تنطق اسم "مصر" تختنق عباراتها بالعبرة، بل العبرات تكاد تبكى عشقا، هى عاشقة نهر النيل والتراث الحضارى للشعب المصرى فى مختلف العصور، وهى عاشقة التراب الوطنى، ولها مواقف ومعارك كبرى، خاضتها ضد الذين فرطوا فى معنى "حب الوطن"، وضد من حاولوا الاعتداء على قداسة تراب الوطن وتراثه وحضارته، وكادت تصبح "سجينة سياسية" فى عهد "السادات"، بسبب مقاومتها له، وقادت معركة كبرى ضد "إسرائيل" مطالبة حكومة "مبارك" باسترداد الآثار المصرية التـى ســرقتهــا دولــــة الاحتلــال مــن "سينــاء" قبــل تحــريـــرهــا بالحرب والسلم..
فى حياة الكاتبة والباحثة "نعمات أحمد فؤاد" ـ رحمها الله ـ تجلى التاريخ المصرى الذى بدأ مع "نهضة" أو "ثورة 1919"، فتلك الثورة أو كما كان صناعها يسمونها "النهضة" خلقت الشعور بالذات القومية، والكرامة الوطنية، فالتفت المثقفون للتاريخ المصرى القديم، واستلهموه واستحضروه فى العمارة، والأدب، والصحافة والجامعة والشعر والموسيقى، فنحت "محمود مختار" التماثيل من ذات "الأحجار" التى نحت منها "المثال المصرى" فى عصر الفراعنة، وكتب "دكتور محمد حسين هيكل" رواية "زينب" وصور فيها حياة الفلاح المصرى، وكتب "على محمود طه" قصائده التى تشيد بالمجد المصرى القديم، وتغنى عبدالوهاب بها، وكتب الصحافيون والباحثون المقالات والبحوث التى تشيد بالمجد المصرى الفرعونى، وجاء اكتشاف مقبرة "توت عنخ آمون" فى عشرينيات القرن الماضى، ليزيد من عظمة الشعور القومى لدى المصريين الذين وجدوا فى هذا الشعور، واحة يهربون إليها من قسوة الفقر والقهر اليومى الذى يمارسه الاحتلال البريطانى ضدهم، بعد أن وقعت مصر فى قبضته فى نهايات القرن التاسع عشر "1882"، وكان مولد "نعمات أحمد فؤاد" فى العام 1926، أو العام 1924، فى بيت تاجر صعيدى، فى مدينة "مغاغة"، وكان من حسن حظها أن والدها كان مستنيرا، مؤمنا بحق "البنت" فى التعليم، وقبل أن تولد "نعمات" رأى والدها رؤية منامية، مفادها أن البنت التى سوف يرزق بها سوف يكون لها شأن عظيم، ولأنه مؤمن بالله، ومؤمن بأن الرؤى المنامية، رسالات للبشر، تكشف لهم ما أراد الله كشفه لهم، فقاتل من أجل أن تواصل "نعمات" طريق التعليم، رغم معارضة "الجد"، وهنا نتوقف أمام الظرف التعليمى الذى دعم موهبة "نعمات"، فحسب قولها، كان لها معلم يدرس اللغة العربية وكان صديقا لوالدها، طلب من تلميذات الفصل ـ فى مدرسة مغاغة الابتدائية ـ أن يكتبن موضوع "إنشاء" عن مشاهداتهن فى مصنع السكر، عقب رحلتهن التى نظمتها إدارة المدرسة لهن ليرين خطوات عصر "القصب" وصناعة السكر والعسل، فكتبت "نعمات" موضوعا متميزا ، ففرح بها أستاذها، وطلب من والدها أن يرعى موهبتها ويوفر لها الكتب التى تزيد من وعيها وتجعل خيالها خصبا، وفعل الوالد كل ما طلبه المعلم الفاضل، وترسخت القراءة والكتابة فى حياة "نعمات"، فكان فصل الصيف مخصصا للقراءة الحرة، وفصل الشتاء مخصصا للدراسة والمذاكرة.
موهبة ومناخ صحى
فى لقاء تليفزيونى، ضمن برنامج قديم أذاعته القناة الأولى للتليفزيون المصرى -كان اسمه "نساء ناجحات"- تحدثت "دكتورة نعمات أحمد فؤاد" عن الحضارة المصرية، وعن المرأة ودورها، وخصصت فقرة من حديثها للفلاحة المصرية، وهى فى اعتقادها، المرأة التى صنعت الحضارة، فهى التى ولدت الرجل ومنحته المعرفة، والقوة التى مكنته من الدفاع عن التراب والأرض والمنجز الحضارى، وقالت إن الحضارة المصرية القديمة لها امتداد متمثل فى الحضارة القبطية، ثم الإسلامية، ولما سألها ـ المذيع عبدالرحمن على ـ فى لقاء تليفزيونى آخر ، عن دور "الأم المصرية" فى صنع التاريخ، قالت إن "الأم" الأولى فى تاريخنا هى "إيزيس"، وانتقلت لعلاقة الأنبياء بالأمومة، فقالت إن "موسى" عليه السلام، و"عيسى" و"محمد"، كانت أمهاتهم السند لهم فى المحن، فأم موسى هى التى أوحى إليها بأن تفعل كل ما فعلت، من خطوات ورد ذكرها فى القرآن الكريم "سورة القصص"، و"عيسى" عليه السلام، حديثه معروف مع أمه الصديقة الطاهرة "مريم" التى طهرها الله واصطفاها على نساء العالمين، و"محمد" النبى الخاتم، لما مر بقبر والدته، بكى وترحم عليها، وهى التى اختارها الله لتحمله فى بطنها، حتى يتم الله نوره وينتصر الحق والخير على الفساد والشر، وواصلت ـ دكتورة نعمات ـ حديثها فقالت إن "المرأة" هى رمز الحياة والخصوبة فى كل الحضارات، وهذا الفهم لمعنى الحياة والخلق، نابع من تخصصها العلمى، فهى درست "فلسفة الحضارة" لطلبة جامعات "جورج تاون" فى الولايات المتحدة الأمريكية، و"حلوان" فى مصر، و"طرابلس" فى ليبيا، ورغم عشقها للحضارة المصرية القديمة، لم تكن تفصل بين الحقبة الفرعونية، والحقبة القبطية، والحقبة العربية الإسلامية، وترى أنهم حلقات متكاملة، وهذا مرجعه للتأسيس الأكاديمى والثقافى الأول، فهى تخرجت فى قسم اللغة العربية فى كلية الآداب، فى جامعة فؤاد الأول، وكانت من تلميذات "الشيخ أمين الخولى"، ولم يكن "الشيخ أمين" وحده فى كلية الآداب فى الزمن الذى جلست فيه "نعمات" بين يديه تتلقى العلم ومبادئ البحث الأكاديمى، كان هناك "طه حسين" و"أحمد أمين" و"أحمد لطفى السيد" ـ أستاذ الجيل ـ وكانت الصحافة والأحزاب، وكانت القضية الوطنية، تجعل العلم والتعليم سلاحا يسعى أبناء الطبقة المتوسطة لامتلاكه، و"أحمد لطفى السيد" كان رئيس جامعة فؤاد الأول، وكان صاحب صحيفة "الجريدة"، ومعه الأثرياء الذين أطلق عليهم "أصحاب المصلحة الحقيقيون" باعتبارهم "كبار الملاك" وباعتبارهم "أصحاب مصلحة" فى الاستقلال، لكن خطتهم كانت تقوم على الاهتمام بالفكر والتعليم بهدف خلق جيل قادر على النهوض بالوطن وتحقيق الديمقراطية، وهم من وقف وراء فكرة إنشاء "جامعة" فى مصر، وكانت "نعمات" من الجيل الذى ولد فى أتون ثورة 1919، ونضج ثقافيا وعمريا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتغير الجغرافية السياسية للعالم، وظهور "دولة إسرائيل" فى قلب الوطن العربى، وتشكل طبقة عمالية واعية، ربطت بين "الوطن" والحقوق الاقتصادية، وكانت اللحظة الفارقة فى حياة "نعمات" فى داخل قاعة الدرس، فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب، اللحظة التى أثنى فيها أستاذها الشيخ "أمين الخولى" على البحث الذى صاغته بأسلوب راق، ومنهج علمى صحيح، وهو الثناء الذى شجعها على المبادرة بإرساله إلى مجلة "الرسالة"، التى كان يملكها ويحررها الأديب "أحمد حسن الزيات"، ونشر "الزيات" البحث على صفحات المجلة، وتوالى نشر البحوث التى تكتبها "نعمات" وكان هذا ـ المناخ الصحى ـ داعما لها فى أن تواصل الدراسات العليا وتحصل على درجة "الماجستير" ثم "الدكتوراه" بتفوق..
الزوج المثقف يدعمها
فى بداية سنوات التكوين، كانت "نعمات أحمد فؤاد" ـ الصعيدية ـ محظوظة بوالدها التاجر المستنير، الذى وافق على أن تستكمل دراستها، وبالفعل أسكنها فى السكن الداخلى بمدرسة حلوان الثانوية، ومن مصادفات القدر أن "حلوان الثانوية" تخرجت فيها أربع من سيدات النهضة الفكرية والتحررية هن "بنت الشاطئ" و"نوال السعداوى" و"نعمات أحمد فؤاد" و"آمال فهمى" ـ الإذاعية المعروفة ـ ولكن "نعمات" ما كان لها أن تدخل هذه المدرسة من دون مغامرة الوالد، فى ظل ظروف تعادى تعليم البنات، وكانت "نعمات" الفتاة التى تحتل المرتبة الأولى بين الناجحين فى "التوجيهية "ـ الثانوية العامة ـ وقبلها كان الفوز بالمرتبة الأولى من نصيب الفتيان، وخدمتها الظروف فوجدت الزوج الذى يمنحها التكريم ويقدر قيمة "الفكر" الذى تبذله على الورق، ويحترم "القلم" الذى يصوغ الأفكار، فأعفاها من الواجبات المنزلية، فهيأ لها "الطباخ" و"الخادمة" لتتفرغ للكتابة والبحث، وهو صاحب دار نشر ومصنع أدوية واسمه "محمد طاهر"، وكان يهوى القراءة، وأهداها الكتب الثمينة النادرة، وهى اعترفت له بهذا الجميل فى أحاديثها المذاعة والمنشورة على صفحات الصحف، وهذا جعلها بعيدة عن المعسكر النسوى المعادى للرجال، فهى رغم إيمانها بمركزية "المرأة " فى الكون، لاتعتبر الرجل عدوا لها.. كانت موضوعات الكتب التى أبدعتها والبحوث العلمية التى أنجزتها، محورها الرجال، ومنها رسالة الماجستير التى تقدمت بها لكلية الآداب، كان موضوعها "أدب المازنى"، وإبراهيم عبدالقادر المازنى كان من جيل الرواد، وكان اختيارها لدرسه، تجاوزا للمنطق الأكاديمى السائد آنذاك، فالمتبع دراسة أديب من حقبة سابقة، لأن "المعاصرة قيد" حسب قولهم، ولكنها حطمت القيد، وكتبت رسالة عن أديب معاصر، وكتبت عن "إبراهيم ناجى" الشاعر، و"العقاد".
عاشقة نهر النيل
كانت "نعمات أحمد فؤاد" الطالبة الجامعية تنشر مقالاتها وبحوثها على صفحات مجلة "الرسالة"، وفى يوم من الأيام كتب "أحمد حسن الزيات" مقدمة لواحد من كتبها فقال ما نصه:
"مواطنة مخلصة وعاشقة للنيل، تنشد على ضفافه الخضر أناشيدها المؤلفة من عبرات "إيزيس" وضحكات "كليوباترا" وصلوات عمرو، وغزوات صلاح الدين"..
وهذه السطور عبرت عن "فلسفة" الحياة التى عاشتها "نعمات"، فهى تؤمن بوحدة الحلقات الحضارية المصرية "القديمة الفرعونية، القبطية، الإسلامية"، وقالت فى الحلقة التليفزيونية من برنامج "سيدات ناجحات" إن مسجد "السلطان حسن" يحمل نفس الروح التى تحملها المعابد المصرية القديمة، ويحمل ذات الشموخ، وهى التى كتبت كتابها الأشهر "نهر النيل فى الأدب المصرى" وهى تعرف أن النيل وهب المصريين الحياة، وعلى شاطئيه قامت الحضارة التى أنشأها "الفلاح المصرى"، ومن هذا الإيمان العميق بالحضارة، كان تعلقها بالآثار المصرية القديمة، وكانت لها معركة كبرى ضد حكومة "السادات" التى حاولت منح "هضبة الأهرام" لمستثمر كندى، ليقيم عليها "فيلات" للسكن، وكتبت مقالات على صفحات "الأهرام" و"الأخبار" واستطاعت إيقاف المشروع وروت تفاصيل تلك المعركة التى وقعت فى عصر "السادات" فقالت:
"وجدت أن جريدة "التيمس" أطلقت صيحة فى العام 1975 لحماية الأهرامات وهضبتها من تلك الصفقة، أى أنها عرفت التفاصيل قبل أن نعرفها بعامين كاملين، وبدأت معركتى بمقال على صفحات "الأهرام" نشر فى 7 يوليو 1977 كان عنوانه "مدينة سياحية عند الهرم"وكتبت مقالة أخرى على صفحات "الأخبار" بعنوان "ارفعوا أيديكم عن هضبة الأهرام"، وتدخل "مجلس الشعب" و"الرأى العام" وجماعة المثقفين، وصدر قرار رئاسى بوقف المشروع.
ومن المعارك الكبرى التى خاضتها ـ دكتورة نعمات ـ معركة منع دفن النفايات الذرية بالصحراء الشرقية المصرية، وقصة هذه المعركة ملخصها أن اتفاقا تم بين حكومة "النمسا" وحكومة "السادات" على دفن نفايات ذرية فى مصر، وعلمت ـ نعمات ـ بالأمر، فقاومته بحشد الرأى العام ضده، ودعمها فى ذلك "دكتور حامد ربيع" رئيس قسم السياسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وهذا الموقف جعلها محل عداء "السادات" وحكومته ، وتم وضع اسمها ضمن قائمة المطلوب اعتقالهم، وكان من الممكن أن تكون ضمن الذين اعتقلوا فى "سبتمبر 1981" وتم رفع اسمها فى اللحظات الأخيرة، وخاضت معركة أخرى ضد "فاروق حسنى" وزير الثقافة فى عصر "مبارك" رافضة إرسال القطع الأثرية المصرية للخارج، وهذه المعارك لم تمنعها من مواصلة الكتابة والإبداع، فكتبت عن عبقرية الإسلام، وكتبت عن عصر أم كلثوم، وكتبت فى فلسفة الحضارة المصرية، وظلت على موقفها الوطنى ودفاعها عن التراث والتراب الوطنى والإنسان والحضارة حتى آخر يوم فى حياتها، وكان رحيلها عن الدنيا فى "أكتوبرـ 2016" ومازالت باقية فى وجدان من أحبوها رحمها الله..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة