قصة سمير ذكرى.. صاحب الفيلم السورى عن الرواية المصرية / حدث فريد فى تاريخ السينما: فيلمان بدولتين عن رواية واحدة فى نفس التوقيت
تظل روايات صبرى موسى مربكة لنقاد الأدب، عصية على تصنيفهم، ففى كل رواية يخوض تجربة جديدة وقفزة مختلفة، سواء فى الشكل أو فى المضمون أو كليهما معا، فلا تضبطه فى مدرسة أو تحسبه على تيار، هو وحده حالة، وهو بذاته مدرسة وتيار..
وعندما سئل مرة: ماذا تصنف نفسك، فإنه اعترف بأنه نفسه لا يعرف.." لا توجد رواية كتبتها بنفس أسلوب ما قبلها، وطوال عمرى أكتب بإحساس الهاوى لا المحترف، وتصنيفات النقاد من واقعية وحداثية مربكة جدا للمبدع، والمبدع عليه أن يكتب فقط ثم يترك المصنفين يصنفون"!
ولكن الذى لا خلاف عليه بين نقاد الأدب المنصفون: أن صبرى موسى يكاد يكون الوحيد من أبناء جيله الذى أوجد لنفسه عالما خاصا بعيدا عن بصمات وتأثير وآثار نجيب محفوظ ومدرسته التى سار فى فلكها غالبية الروائيين الذين جاءوا بعده.." فهو لم يسقط فى رواية الحارة المصرية وشخوصها الشبه أسطورية، ولم يتناول الأعمال الاجتماعية برموز سياسية.. صحيح أن صبرى موسى كان يحمل تقديرا بالغا وإعجابا غير محدود بنجيب محفوظ وتجربته، وصحيح أنه كان مثله ابنا مخلصا للطبقة الوسطى وهمومها، وللحارة الشعبية وسحرها، ولكنه حاول بكل إصرار أن يكون هو نفسه.. وليس ظلا لأحد.
(1)
قدم صبرى موسى ما يمكن تسميته بالأدب الإنسانى، من خلال قضايا وشخصيات تحمل نفس الهموم الإنسانية المتكررة فى أرجاء الأرض على اتساعها واختلاف مجتمعاتها..
لذلك عندما قرأ المخرج السورى سمير ذكرى رواية "حادث النصف متر" فإنه شعر أنها تمس مجتمعه السورى أيضا، وأحداثها يمكن أن تقع فى "حلب" مثلما وقعت فى القاهرة.. فقرر بلا تردد أن تكون قصة فيلمه الروائى الأول، ومن أجلها ضحى بفيلم كان يجهز له ليكون عمله الروائى الأول فى السينما السورية، وهو فيلم "بقايا صور" المأخوذ عن قصة للروائى السورى المعروف حنا مينا، وشارك فى كتابة السيناريو مع صديقه نبيل المالح، ثم تنازل له عن إخراجه ليتفرغ لكتابة وإخراج "حادث النصف متر".
وسمير ذكرى واحد من ألمع مخرجى السينما السورية، من مواليد حلب عام 1945، درس السينما فى موسكو، وبعد عودته بدأ بإخراج أفلام تسجيلية مميزة، منها فيلمه الوثائقى "عنها" الذى يسجل فيها تاريخ نضال المرأة السورية، قبل أن يصبح واحدا من أصحاب التجارب السينمائية المميزة، وبأعمال صارت من كلاسيكيات السينما السورية، من أبرزها "وقائع العام المقبل"، "علاقات عامة"، تراب الغرباء،و"حراس الصمت".
لكن يبقى "حادث النصف متر" له مكانة خاصة فى مشواره السينمائى، كبشارة عن مولد مخرج موهوب له بصمة وصاحب رؤية وباحث عن النجاح الصعب.
المدهش أن سمير ذكرى تعرف على الرواية بالصدفة، وفى جلسة على مقهى "القصر" بمدينة حلب، جمعته بصديقيه الأديبين محمد كامل الخطيب ونيروز مالك، ومنهما سمع عن الرواية، ولما قرأها وقع هو الآخر فى سحرها، ومن أجلها قرأ ما كتبه مؤلفها ليتعرف على عالمه المتفرد، وبلا تردد قرر أن يتنازل لصديقه نبيل المالح عن إخراج فيلمه السينمائى الأول "بقايا صور" ويتفرغ للرواية التى سحرته، ويبحث عن مؤلفها ليحصل على مو افقته ليحولها إلى فيلم سينمائى.
وهنا يطل السؤال: من كان الأسبق زمنيا فى تحويل الرواية إلى عمل سينمائى: النسخة السورية بمشروع سمير ذكرى، أم النسخة المصرية برؤية صبرى موسى كاتبا للسيناريو وأشرف فهمى منتجا ومخرجا؟!
طبقا لأوراق صبرى موسى وشهادته فإن أشرف فهمى كان الأسبق فى طرح الفكرة، فقد عرضها عليه فى العام 1978، لكنها بقيت مجرد فكرة ورغبة فى تحويل الرواية لفيلم دون خطوات تنفيذية أو عملية، ثم حدث أن سافر بعدها صبرى إلى بغداد ليعمل مديرا لمكتب روزاليوسف فى العراق والخليج، وفى أثناء تلك المهمة الصحفية زاره المخرج السورى الشاب سمير ذكرى فى شتاء العام 1979 وكان فى مهمة سينمائية تخص مؤسسة السينما السورية، وأخبره سمير أنه قرأ "حادث النصف متر" وفتنته ويرغب فى تحويلها إلى عمل سينمائى، وأمام حماسه الجارف للرواية وموضوعها ومعانيها منحه موافقته.
ولما عاد صبرى إلى القاهرة فى صيف ذلك العام، جاءه أشرف فهمى ليجدد مشروعه ويطلب منه أن يبدا فى كتابة السيناريو والحوار لروايته، وأخبره صبرى بأمر سمير ذكرى ومشروعه لتحويل الرواية إلى فيلم من إنتاج مؤسسة السينما السورية، وأجرى صبرى اتصالات تأكد منها أنهم بدأوا التصوير بالفعل فى سوريا، ورغم ذلك لم يتراجع أشرف فهمى عن مشروعه، كان كل ما يقلقه – كمنتج – مسألة التسويق الخارجى، فلما جاءته التطمينات من سوريا بأنه لا مانع من شراء الفيلم المصرى فإنه شرع فورا فى التصوير.
ويعترف صبرى موسى بأنه كان أسعد الناس بوجود فيلمين عن روايته "حادث النصف متر"، فأولا كانت التجربة فريدة ولم تعرفها السينما من قبل، وثانيا فإنها تضمن له وجود رؤيتين مختلفتين لروايته، كل واحدة تحمل بصمة خاصة لمخرج موهوب.
لكن الاعتراف الذى توقفت أمامه مندهشا هو ما ذكره صبرى موسى فى أوراقه:
"تجربتى فى كتابة السيناريو والحوار عن رواية لى لم تسعدنى، بل لا أنصح أحدا من الروائيين بخوضها، فالسينما فنا آخر يختلف عن الأدب، فن له شروطه وظروفه الإنتاجية والرقابية كذلك، فالرقابة الاجتماعية المفروضة على السينما أشد كثيرا من الرقابة المفروضة على الأدب، ذلك أن الجهات المسئولة تتصور أن الأدب يقرأه المتعلمون فقط، ولذلك فتأثيره مقصور عليهم، وإذا كان من ضرر فإنه قاصر عليهم كذلك، أما السينما فيشاهدها قطاع أكبر من الناس، ولا يشترط فيها التعليم والثقافة، فالجاهل يمكنه أن يدخل السينما ويتعرض لكل التأثيرات التى يبثها الفيلم، ولذلك فإن الرقابة عليها تكون أشد.. وفى تجربتى مع الفيلم واجهت الكثير من العقبات الرقابية كان علينا أن نتجاوزها، خاصة بعد أن تورط أشرف فهمى فى الإنتاج ووضع فلوسه فى الفيلم، فكان لا بد من إكماله، وتورطنا بالتالى فى تعديلات وتغييرات مست العناصر الدرامية والشخصيات الأساسية، وهو أمر محزن لأى مبدع، حين يجد عمله والبناء الأساسى له تُسحب منه أعمدة رئيسية، ولذلك لم أكن راضيا عن التشويهات التى تعرض لها السيناريو بسبب تعسف الرقابة وقيودها..".
(2)
والراجح أن تلك العقبات الرقابية كانت سببا رئيسيا فى تأخر تصوير النسخة المصرية من الفيلم، وهو ما أسهم فى خروج النسخة السورية إلى الشاشة أولا، خاصة وأن سمير ذكرى كان قد قرأ الرواية وهضمها وتوصل إلى رؤية جديدة لها، كتب لها السيناريو والحوار بنفسه، ولم تكن لديه مشكلة فى التمويل بعدما قامت مؤسسة السينما السورية بإنتاج الفيلم..
لكن يبقى السؤال المُلح: ما الذى جذب سمير ذكرى إلى "حادث النصف متر" بالذات، وكان قد قرأ معها أعمال صبرى موسى الروائية والقصصية، وفيها ما هو أشهر وأكثر جاذبية، فلماذا سيطرت عليه وحدها ودفعته لأن يترك مشروعه مع حنا مينا ويذهب إليها ويقرر أن تكون فيلمه الروائى الأول؟
لنسمع الإجابة من سمير ذكرى:
لما قرأت "حادث النصف متر" شعرت أنها الأقرب إلى نفسى وتلمس روحى وبها ما يلهم عقلى، وبدأت فورا فى تحويلها إلى فيلم ولما قابلت صبرى موسى فى بغداد طلبت موافقته ومباركته، ورغم أنه كتبها فى أوائل الستينات إلا أنها كانت موحية وملهمة، ومنحتنى آفاقا للتفكير والخيال السينمائى، وأنا شخصيا أعشق هذا النوع من الأدب اللماح، بما يحمله من فكر ورؤية مغلفة بالسخرية، خاصة تلك التى تميل إلى الكوميديا السوداء، وبمعالجة لا تفتقد للخلفية الاجتماعية والسياسية، هذه الروح وجدتها فى الرواية، كما أنها مثل كل الأعمال الكلاسيكية الإنسانية تترك المجال مفتوحا لأكثر من قراءة وأكثر من تفسير، وهو كان يتفق مع رؤية المؤلف نفسه حين لم يمنح اسما لبطل الرواية وبطلتها، مما جعلهما أقرب إلى الرموز والمعانى، والمؤكد أن المؤلف كان سيتفق معى فى منح تفسيرات ورؤى جديدة للرواية، وهو ما شجعنى على تقديم قراءة سينمائية خاصة بى وتتفق مع وعيى وقناعاتى".
لم تعد قضية الشرف والعذرية هى القضية الأهم فى رؤية سمير ذكرى للرواية، فقد كان مدركا للتطور الاجتماعى الذى شهده المجتمع العربى عبر نحو عشرين سنة تفصل بين كتابة الرواية وتصوير الفيلم، ولذلك فإنه استخدم العلاقة العاطفية بين البطل والبطل كإطار لرؤيته السياسية، حيث جعل من نكسة 1967 موازيا لنكسة البطل وهزيمته.. وهو ما قصده سمير ذكرى حين وصف فيلمه:
"أصبح يدور حول شخصية إنسان ضائع ومنغلق على مشاكله الذاتية، وتدور الأحداث خلال عام 1967 والبلد تسير نحو الحرب، وينتهى الفيلم بنكستين: نكسة البطل الفردية، والنكسة القومية"..
وفى النسخة السورية تدور الأحداث حول "صبحى"، الشاب الثلاثينى الخجول الذى يعمل موظفا بمصلحة الضرائب، ويعيش حياة عدمية تافهة وقصة حب فاشلة، إلى أن تتغير حياته فجأة بعد لقاء فى الأتوبيس المزدحم بفتاة جميلة، وتتغير حياته بعد تلك الصدفة السعيدة بفتاة الأتوبيس، ويعيش معها قصة حب حقيقية وتساعده "ندى" فى تغيير حياته الروتينية وتعطيها معنى ويتفقان على الزواج، وخلال القصة العاطفية بين ندى وصبحى تكون نكسة 67 هى محور الأحداث، ويرافقها إلى المخيمات، لتدور مناقشات تتناول الصراع العربى الإسرائيلى، ومن المخيم إلى أمكنة أخرى، وصولاً إلى الغرفة التى فوق السطح التى يستأجرها صبحى بالساعة تقابلها العوامة فى الفيلم المصرى، إلى أن يكتشف أنه لم يكن الرجل الأول فى حياتها، فتنهار علاقة الحب تحت أقدام تفكيره الشرقى المحافظ، ولا تختلف النهاية هنا كثيرا عن نهاية النسخة المصرية، فهى واحدة تقريبا - باتخاذ الأنثى قرار الانفصال - كما تقول الناقدة السورية سلوى عباس:
"فبعد معرفة صبحى أنه ليس الرجل الأول فى حياتها يرفض الجنين فتعرض ندى حياتها للخطر إثر الإجهاض، وحينما يتراجع عن موقفه ترفض العودة إليه وتقرر متابعة طريقها بعيداً عنه. أما وفاء - نيللى - فى الفيلم المصرى فترفض عودة أحمد إليها بعد إجهاض نفسها بطريقة مؤذية، وتقرر أن تتزوج من ابن عمتها الطبيب الذى استوعب حكايتها وتورطها مع الرجلين إشارة إلى الأمل الذى رمى إليه الكاتب صبرى موسى لبداية التطور الفكرى الاجتماعى واستمرار الحياة بالابتعاد عن الماضي".
زمنيا، كانت النسخة السورية هى الأسبق فى العرض، حيث عرضت فى شتاء العام 1981، وشارك فى البطولة: عبد الفتاح المزين، جيانا عيد، نجاح حفيظ، فيلدا سمور، على الأسعد، وحسان يونس، وكانت الموسيقى التصويرية بلمسات وابداع مارسيل خليفة، وعرض الفيلم حينها ومثّل سوريا بمهرجان البندقية السينمائى وحظى بتقدير خاص من لجنة التحكيم..
(3)
فيلمان عن رواية واحدة وبالاسم نفسه ويعرضان فى ذات الوقت تقريبا وبإنتاج دولتين مختلفتين..هو لا شك حدثا فريدا فى تاريخ السينما العربية، وهو السابقة الأولى وربما الوحيدة كما يؤكد الناقد السورى بشار إبراهيم وحين يشير إلى:
" فرادة «حادث النصف متر» فى تاريخ السينما العربية، ونحن نميّز بين فكرة قيام فيلمين سينمائيين، فى زمنين متقاربين جداً (إن لم نقل متداخلين، وهو كذلك فعلاً)، فى العمل على أفلمة رواية ما، وهو ما لم يحدث فى تاريخ السينما العربية من قبل «حادث النصف متر»، أو من بعدها، على ما نعلم، وبين فكرة إعادة أفلمة رواية ما، بعد زمن طويل على إنتاج فيلم أول أو سابق عنها، كما حدث فى فيلم «اللص والكلاب» بإخراج كمال الشيخ فى العام 1962، و«ليل وخونة» بإخراج أشرف فهمى فى العام 1990، وهما فيلمان مأخوذان عن رواية «اللص والكلاب» للأديب نجيب محفوظ، أو كذلك قيام فيلمين مصريين باستلهام عمل أجنبى، خلال وقت متقارب، كما حدث فى فيلم «الراعى والنساء» إخراج على بدرخان فى العام 1991، و«رغبة متوحشة» إخراج خيرى بشارة فى العام 1992، المأخوذين عن مسرحية «جريمة فى جزيرة الماعز» للإيطالى أوجوبتى.
ورغم هذا النجاح الجماهيرى والنقدى للتجربة، فإن صبرى موسى لم يكن راضيا عنها، بعدما أجبرته الرقابة فى النسخة المصرية على تعديلات أخلت بالسيناريو الأصلى وبالرؤية التى تمناها، وهى تدخلات تكررت معه فى تجربته السينمائية، وبشكل أكثر فظاظة كما حدث مع فيلميه "رغبات ممنوعة" و"قاهر الظلام".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة