هى "صفية المهندس"، ابنة العالم الجليل "زكى بك محمد المهندس"، وهى أول امرأة تجلس فى استديو الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية،
فى أربعينيات القرن الماضى، وهى أول من قدمت وكتبت برامج "ركن المرأة "، وهى أول سيدة تتولى منصب رئيس الإذاعة فى الفترة من العام "1975ـ 1982"، وهى التى حملت لقب "أم الإذاعيين" عن جدارة واستحقاق، فكان زوجها الإذاعى "محمد محمود شعبان ـ بابا شارو" هو والد الأطفال، وكانت "صفية" أم الشعب المستمع لصوتها الحنون الصادق عبر برنامج "إلى ربات البيوت"، وكان شقيقها الفنان فؤاد المهندس كوميديان الجماهير العربية، وهذه سطور من قصة نجاحها.
من المناسب هنا، الحديث عن الرجل الذى أنجب هذه الرائدة، وهو "زكى بك المهندس"، وكنت عرفته فى طفولتى، عبر الراديو، كان له حديث صباحى عقب القرآن الكريم مباشرة وهو حديث دينى، وكان المتحدثون رجالا متخصصين فى الأخلاق والشريعة والدين، وهو من أساتذة التربية الأوائل، تخرج فى مدرسة "دار العلوم" وسافر فى بعثة إلى بريطانيا، ودرس علومه التربوية، وتخصص فى علم النفس، وعاد ليكون من بين الأساتذة الذين صاغوا "دار العلوم" فى صورتها الجامعية، بعد أن كانت "مدرسة" تخرج معلمين يدرسون لتلاميذ المرحلة الابتدائية، وانضمت للجامعة "جامعة فؤاد الأول"، وكان "زكى بك المهندس" عميدا لكلية دار العلوم، ثم تولى منصب نائب رئيس مجمع اللغة العربية، وكان يرأسه دكتور طه حسين، وكان يسكن "حى العباسية" بالقاهرة، وهو الحى الذى عاشت فيه نخبة من أبناء التجار وكبار الموظفين، ومن أبناء الحى "نجيب محفوظ" الذى خلده فى رواياته، بعد انتقاله إليه وإقامته فيه سنوات طويلة، وهذا الرصيد العلمى، جنت ثماره مصر كلها، فالرجل من الرعيل الأول الذى رسم خطة النهوض بالتعليم، ولم يكن نائبا لدكتور طه حسين فى "مجمع اللغة العربية" إلا عن استحقاق وجدارة، وهو من الذين درسوا الفلسفة وعلم النفس فى "دار العلوم" وهو رئيس عدة لجان فى مجمع اللغة العربية، والمسئول عن تحرير وإدارة مجلة المجمع بعد رحيل الشاعر على الجارم.
إلى ربات البيوت
وفى بيت زكى المهندس المثقف المستنير نبتت زهرة أفادت المصريين فى زمن الإذاعة والميكروفون، الذى كان فيه "المذيع" يجلس على كرسى الاستديو، مدركا حجم المسئولية التى يضطلع بها، وكان "التثقيف والتوجيه والإرشاد" مهمة قومية يقوم بها الإذاعيون، ولهذا فكر الإذاعيان الرائدان "محمد فتحى وعبدالوهاب يوسف" فى إمداد "دار الإذاعة" بفتاة مثقفة متعلمة موهوبة فى الخطابة، وكانت الفتاة هى "صفية زكى المهندس"، وكانت نبرات صوتها رائعة مميزة، وكانت اللغة العربية على لسانها ذات مذاق عذب، وكان عقلها مرتبا مبدعا قادرا على ضخ الأفكار الجديدة، وكانت الدنيا ظلاما، وكانت المرأة مبعدة عن دوائر الثقافة، فكانت "صفية" المرشدة الأمينة للسيدات القابعات فى البيوت، تقدم لهن من خلال "ركن المرأة" ما يساعدهن على إقامة الحياة السعيدة للعائلات، وتطورت فكرة الركن، لتتحول إلى برنامج يومى حمل اسم "إلى ربات البيوت"، فى التاسعة والربع من كل صباح، وكانت الأمهات تسمعه وتهتدى بالرؤى التى يطرحها.
عيلة مرزوق أفندى
ولعل الجيل الجديد، لايعرف طبيعة هذا البرنامج المهم، كانت "صفيه المهندس" تفتتحه بقصة ودرس ورد على رسالة لإحدى المستمعات، وتتوالى فقراته، كانت فيه دراما عائلية "عيلة مرزوق أفندى"، وفيه "حكايات بمبة وأبوسيد" وهى صورة درامية كانت تقدمها الفنانة "ملك الجمل" مع الفنان "رأفت فهيم" وموضوعها هو النقد الاجتماعى للسلوكيات الخاطئة التى تقع فيها الزوجات فى القرى والمدن، وهو برنامج كان يواكب التصور السياسى والاقتصادى لثورة 23 يوليو 1952، ثورة الطبقة المتوسطة، التى اعتزت بالفكر والثقافة واهتمت بالفنون ووفرت الحد الأدنى لكل الشرائح الاجتماعية، وفتحت باب التعليم المجانى ليكون السلم المشروع للصعود الطبقى، وكانت برامج الإذاعة تحظى باهتمام الدولة، فتختار لها المثقفين والخبراء، ليكتبوا مادتها ويصوغوا مضامينها الملائمة لسياسة النظام الوطنى، وكانت "صفية المهندس" موهوبة بنبرة خاصة، تعلق بالأذن، ولاتنساها أبدا.. أتذكر على سبيل المثال مقدمة برنامج "المرأة العاملة" على موجة البرنامج العام، كانت "صفية" تقول "المرأة العاملة، برنامج من إعداد وتقديم فاطمة محمود" وكان يذاع قبل أذان المغرب، وكانت "صفيه" تقول مقدمة البرنامج الجميل "لغتنا الجميلة" الذى كان يقدمه "فاروق شوشة"، ولكن هذا الصوت الجميل لم يولد فى الفراغ، ولم تكتف صاحبته بحلاوته، بل هى نفسها كانت تبدع الأفكار وتصوغ البرامج، وكان لها أستاذ يعلمها، هو "محمد محمود شعبان" المشهور بـ"بابا شارو" وهو الذى اختبرها وأجازها مذيعة، فى أربعينيات القرن الماضى، وكان يقسو عليها فى التدريب والإعداد المهنى، وبعد مرور عامين على لحاقها بالإذاعة، طلبها للزواج، وتعجب الناس، وقالوا، كيف يتزوجها وهو القاسى عليها فى العمل، ولكنه كان يقصد اختبار قدرتها على الصمود، وكأنه كان يعرف أنها ستقود الإذاعة المصرية كلها، وتتحمل مسئولية صياغة الخطاب الرسمى للدولة المصرية فى يوم من الأيام.
صانعة النهضة الإذاعية
تقول البيانات الرسمية الخاصة بالرائدة الإذاعية الكبيرة، صانعة النهضة الإذاعية إنها من مواليد "ديسمبرـ 1922" فى حى "العباسية" وإنها التحقت بالمدرسة "السنية" للبنات، وحصلت على شهادة "البكالوريا ـ الثانوية العامة" والتحقت بكلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، وكانت عضوة فى جماعة الخطابة وفريق التمثيل، وكانت ممتازة فى نطق ومعرفة قواعد اللغة العربية، وكانت تعتبر والدها المثل الأعلى الذى تقتدى به، وخطت خطواتها الأول داخل "دار الإذاعة" فى مقرها القديم، فى وسط مدينة القاهرة فى توقيت دقيق من الوجهة السياسية والثقافية، فكانت الحرب العالمية الثانية، انتهت، وكانت الشعوب تطالب الحكومات المهيمنة على مصير العالم بأن تفى بوعودها التى بذلتها طوال ست سنوات، تحمل خلالها الناس الموت والفقد والتدمير، وكانت مصر واقعة تحت الاحتلال البريطانى، تبحث عن طريق للتحرر، وكان الملك فاروق يخوض حربا عائلية ضد والدته الملكة نازلى التى عشقت "حسنين باشا" رئيس الديوان الملكى، وكان زواجها منه سريا، لفترة قصيرة، انتهت بموت ـ حسنين باشا ـ فى حادث سير وقع على كوبرى قصر النيل، وفى العام "1946" هربت الملكة من جحيم "القصر الملكى" بعد مقتل زوجها، أو بمعنى أدق "حبيبها" الرياضى الوسيم، معشوق النساء فى الطبقة العليا، طبقة الباشوات والإقطاعيين، واصطحبت ابنتها الأميرة "فتحية" وفى أمريكا تبدلت الحيوات والمصائر والعقائد، وكل هذا انعكس على المملكة المصرية، وكانت الإذاعة مطالبة بتقديم خطاب للشعب، يحفظ صورة "جلالة الملك فاروق الأول" وتنفيذ برامج الحكومات المتعاقبة، وفى العام 1947 والعام 1948 اخترقت البدن العربى، عصابات الصهاينة واحتلت "فلسطين"، وهزمت الجيوش العربية فى حرب غير متكافئة.
بابا شارو المعلم الأول
كانت "صفية المهندس" تتعلم من هذا كله، وكان معلمها هو زوجها "بابا شارو"، واستطاعا سويا أن ينهضا بالإذاعة المصرية، فى المرحلة التى أعقبت ثورة 23يوليو 1952، وامتلكت "صفية" خبرات كبيرة، استمدتها من المواقع الوظيفية التى شغلتها، فبعد أن أصبحت مسئولة عن "ركن المرأة" ارتقت لتصبح مذيعة تقرأ النشرة، وهذه نقلة مهنية كبرى، تحتاج ثقة بالنفس وقدرة على احتمال الطوارئ، والتعامل معها، ولم تكن تنقصها الثقافة ولا السلامة اللغوية بالطبع، وتولت بعدها مسئولية "البرنامج العام"، وكانت مصر تخوض حروبا ضد إسرائيل والاستعمار، وضد الإقطاع، ووقعت هزيمة 5 يونيو 1967، وخسرت الإذاعة مصداقيتها لدى الجماهير، وذلك بسبب رعونة القيادات "العسكرية" التى ورطت "الإذاعة" فى بث بيانات كاذبة، ولكن فى العام 1973 كان "بابا شارو" هو رئيس الإذاعة، وأدار المعركة الإعلامية باقتدار، وطوال سنوات الستينيات كانت "صفية المهندس" وزوجها "بابا شارو" يمدان "الميكروفون" بكل جديد، ومن مثال ذلك، حلقات "ألف ليلة وليلة" و"الأغانى للأصفهانى"، وهى دراما إذاعية معتمدة على كتابين شهيرين من كتب التراث العربى.
صياغة الخطاب الجديد
بعد انتهاء الحرب، كانت القيادة السياسية واثقة فى قدرات "صفية"، واختارتها لتتولى منصب رئيس الإذاعة فى فترة حاسمة ودقيقة، فترة التحول من "الاشتراكية التعاونية" إلى "الانفتاح الاقتصادى"، وكأن الأقدار اختارت "صفية المهندس" لتدير معارك "المفاصل التاريخية" وحدها أو بالشراكة مع زوجها ومعلمها "محمد محمود شعبان"، فهى شاركته الحياة "الزوجية" فى العام 1950، وبعد عامين، انتهى الحكم الملكى وحكم مصر فريق من "الضباط الأحرار"، وكان على الإذاعة أن تصوغ الخطاب المناسب للعهد الجديد بكل تفاصيله ومعاركه، وشهد الزوجان حربين "يونيو 1967، وأكتوبر 1973" واستطاعا معا العبور بالإذاعة إلى بر الأمان، ووثقت الجماهير فيها مرة ثانية، بعد معركة العبور المجيد، وكانت "صفية المهندس" وحدها، فى ظل حكم "السادات" المختلف تماما عن حكم "عبدالناصر"، وعبرت مفاصل كبرى فى تاريخ الإذاعة والنظام السياسى كله، فهى تولت المسئولية فى العام 1976، وبعد شهور قليلة انفجرالشارع المصرى احتجاجا على رفع أسعار السلع الضرورية فى "18و19 يناير 1977"، وكاد النظام يسقط، لولا نزول "الجيش" للسيطرة على الموقف.
أم الإذاعيين
فى "أكتوبر 1981" اغتيل "السادات"، وكان على "الإذاعة" أن تدير الأزمة بوعى وحرص، وبالفعل، نجحت ـ صفية ـ فى المهمة، وتولى "مبارك" الحكم، وقضت معه فترة قصيرة، وغادرت موقعها الإدارى، لكنها لم تغادر"الميكروفون" عشقها الأكبر، وظلت تقدم فقرة الافتتاحية ضمن برنامج "إلى ربات البيوت"، وطوال السنوات التى قضتها داخل أروقة الإذاعة، نالت من الجوائز والتكريم الشىء الكثير، فمنحتها وزارة الإعلام ووزارة الثقافة ونقابة الأطباء المصريين الجوائز، ولكن التكريم الذى منحه لها تلاميذها ظل هو الأغلى والأثمن والأقرب لقلبها، منحوها لقب "أم الإذاعيين"، والذين عملوا معها قالوا إنها كانت أما حقيقية للجميع رحمها الله بواسع رحمته.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة