صدر للروائى أحمد عامر مؤخراً رواية "بروفة لحياة مؤجلة"، وهو كاتب صاحب تجربة إبداعية طويلة، رغم قلة عدد إصداراته، فبدايته الحقيقية كانت فى أواخر التسعينيات
مع القصة القصيرة، حيث بدأ بالمجموعة القصصية "مقبرة كبيرة قد تكفى"، وطبعها على نفقته، ثم أصدر "بورتريه لجسد محترق" عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2005، ثم رواية "رجل فى الأرض امرأة فى السماء"، وأخيرا "بروفة لحياة مؤجلة". فى هذا الحوار تحدثنا معه عن بدايته، وروايته الجديدة، ورؤيته لسوق النشر فى مصر.
ما أهم ما كان يشغلك أثناء روايتك الأخيرة "بروفة لحياة مؤجلة"؟
كتبت الرواية بروح شاعر، يحاول أن يكتشف العالم من حوله ويجرب أدواته، لم أعتمد على السرد التقليدى أو أن تكون الحكاية هى البطل المركزى، لأن الفكرة فى الأساس عن الحياة المؤجلة، حيث يهرب الإنسان من واقعه عندما يعجز عن تحقيق أحلامه ويفشل حتى فى التجاوب مع الحياة، ويجد نفسه أسيرا لواقع مفروض ومجبرا على الحياة دون الاعتراف بها، فقط يتعايش واهما نفسه بأن الحياة التى ينتظرها مؤجلة، وكعامل مقاومة يتعايش دون روح مع الواقع بكل سلبياته، ربما تكون هذه الحياة المؤجلة متوقفة على المستقبل أو لحياة أخرى فى عالم آخر غيبى، أو يكون هناك تمرد على هذه الحياة، والهروب إلى عالم افتراضى. "بروفه لحياة مؤجلة" أحاول من خلالها خلق معادلة صعبة، بأن أقدم كتابة ترضينى فى المقام الأول وتحترم عقلية القارئ، ربما يجد القارئ بعض الصعوبات لأن الأحداث تسير بشكل أفقى مع حالة التشظى، لكن النتائج حتى الآن مبشرة من خلال ردود فعل القراء. كما أن الرواية استخدمت صيغة قريبة من المنشورات وتقنيات وسائل التواصل الاجتماعى، لأن الأحداث تدور بين عالم واقعى وآخر افتراضى.
بدأت كتابة الرواية منذ سنوات لكنها صدرت هذا العام.. فما سبب تأخر صدورها؟
بدأت كتابة الرواية منذ 10 سنوات، ومزقت ما كتبته أكثر من مرة، لأننى كنت غير راض عن ما كتبته، ولإيمانى المطلق بتقديم عمل مختلف أو التوقف عن الكتابة، فلن يتغير العالم بنشر روايتى أو بدونها، ولكن سعادتى بتقديم كتابة مختلفة ولو بعض الشىء ربما يكون فارقا لى.
بطل الرواية يمثل جيل مواليد الثمانينات وما مر به من أزمات وثورات، كيف ترى هذا الجيل وكيف صورته فى الرواية؟
تبدأ الرواية ليلة وصول البطل المركزى سن الأربعين، حيث يتعرض لحادث بسيط يفقده الوعى دقيقة واحدة، ثم يفيق ولديه مجموعة من الأسئلة. بالفعل الرواية كتبت عن الجيل الذى ولد فى بداية الثمانينات ونهاية السبعينات، هذا الجيل الذى عاش حياة باردة جافة، خالية من الأحداث الكبرى، الجيل الذى قتلت أحلامه، وأصبحت اللامبالاة من أهم صفاته، وشهد التغيرات الاجتماعية والثقافية كناتج طبيعى للانفتاح الاقتصادى الذى غير المعايير وأثر على السلوك العام والتركيبة الاجتماعية، ثم شهد هذا الجيل وشارك فى ثورات، وعانى من أوبئة، ويشهد ويتفاعل مع ثورة التكنولوجيا، ومع ذلك لم يحقق أحلامه المجهضة، وخير شاهد على ذلك هو عدم مشاركة هذا الجيل بعد فشل الثورة فى العمل السياسى، لأن الأهم بالنسبة لهذا الجيل الإجابة على أسئلته الملحة التى ترتبط باحتياجاته أولا، ثم تحقيق أحلامه..هذا الجيل فى حاجة لدراسات اجتماعية ونفسية كثيرة، لمعرفة أسباب عزلته أو هروبه لعوالم بديلة. إنه جيل يعانى أزمات تفوق ما عاناه جيل النكسة، ولذلك كانت روايتى عن هذا الجيل.
اتبعت فى الرواية أسلوبا جديدا فى ترقيم الفصول وهو البدء بالسالب ثم الصفر فى منتصف الرواية ثم يبدأ العد بالموجب.. فماذا كنت تقصد بهذا الأسلوب؟
لا يوجد فعل إيجابى يقوم به البطل المركزى، أو الأبطال فى الرواية، كل ما يملك البطل فعله هو طرح مجموعة من الأسئلة الفلسفية عن الصيد والضمير وازدواجية المعايير والأحكام المطلقة، سواء فى الجانب الدينى أو الاجتماعى أو الأيديولوجى، لذلك كان الترقيم بالسالب، فالبطل غير مستقر يتنقل الناس ويرصد حركتهم، ويخشى عيونهم المتربصة التى تتابع وتتطفل وتقتحم حياة الآخرين، فإجمالى الفعل سلبى لا يؤدى إلى نتائج إيجابية ما بين الواقع والعالم الافتراضى، الذى يعتقد البطل أنه البديل، بل هو الأفضل، حيث الحرية المطلقة، بداية من اختيار الاسم والشكل وأسلوب الحياة والأصدقاء، ليكتشف أنه عالم زائف. النقطة الإيجابية الوحيدة فى حياة البطل هى قصة حب منتهية بلا أسباب يدركها، أنهت القصة بسمة لأسباب تخصها، والبطل غير أسطورى مثلنا جميعا، يعيش حياة طبيعية فى الظاهر، ولكنه يرفضها سرا ويبحث عن بطلة غائبة، ثم تصل الرواية للفصل صفر، واستعير كلمة أحد القراء كتب على صفحته عن الرواية أن الفصل صفر يساوى العدم، حيث تتصارع الأحداث الساكنة، ثم يتحول الترقيم من السالب إلى الموجب حيث تتحول الأحداث لحركة إيجابية، ويبدأ البطل قراءة الملاحظات التى دونها على هاتفه، ويعيد اكتشاف العالم من جديد، الواقعى والافتراضى، ولا يستطيع الفصل بينهما.
بدايتك كانت مع القصة القصيرة ثم تحولت إلى الرواية، فأيهما أقرب لك؟
القصة القصيرة حالة مدهشة، تختزل موقفا أو لحظة. أما الرواية، فهى عالم كامل متكامل، كان أستاذى سعيد الكفراوى يقول "لا أكتب القصة كاستراحة بين رواية وأخرى"، القصة مستقلة لها خصوصيتها، ورغم أننى أميل للرواية، وهى أيضا لها خصوصيتها وعالمها المستقل. القصة الجيدة والإخلاص لفن القص وحده قادر على البقاء عن روايات غير جيدة، وخير مثال الراحل العظيم سعيد الكفراوى الذى أخلص لفن القصة القصيرة.
من الكتاب الذين تأثرت بهم خلال مسيرتك الأدبية؟
توقفت أمام كتابات جيل الستينات وأحببت ما يكتبونه، حيث شكلت كتاباتهم نقلة نوعية فى الكتابة المتعارف عليها. كانت البدايات واكتشاف عوالم جديدة مدهشة مع سعيد الكفراوى وإبراهيم اصلان ومحمد مستجاب ويحيى الطاهر عبد الله وعبد الحكيم قاسم وصبرى موسى وعبد الوهاب الأسوانى وعلاء الديب، ومن جيل الثمانينات سيد الوكيل ومنتصر القفاش وناصر الحلوانى وحمدى أبو جليل. أحببت تقريبا كتابات كتاب هذا الجيل بالكامل، إلا القليل منهم، وكذلك الجيل اللاحق، ولكن تأثرت كثيرا بمحمد حافظ رجب هذا الكاتب الكبير المجرب، وأيضا بالكاتب السورى زكريا تامر، هذا على المستوى المحلى، أما بالنسبة للكتاب العالميين كانت البدايات مع كافكا ثم ماركيز وسراماجو والبير كامو، لكننى لم أتأثر بالمعنى المتعارف عليه. أحب جدا الكتابات المدهشة المختلفة، وأتوقف معها احتراما للإبداع والاختلاف، ورغبة الكاتب فى تقديم جديد للعالم، ولكنى أبحث دائما عن كتابة جديدة تخصنى وترضى ذاتى، على الأقل فى الاختلاف وخلق مساحات من التجريب.
كيف ترى المشهد الثقافى فى مصر حالياً؟
المشهد فى مصر مرتبك جدا، والتطور التكنولوجى وغياب النقد والمتابعة فتح الباب لموجة من الكتابات المبهمة على جميع المستويات، دون وعى أو احتكاك أو معرفة مسبقة بالكتابة، فنجد يوميا كتابات ضعيفة تعتمد على جمهور يبحث عن التسلية، فقد انتشرت فى الآونة الأخيرة كتابات متخصصة فى أدب الرعب والخيال العلمى والحكايات، ولكن المشهد الفعلى، وأتحدث عن جيلى وأجيال لاحقة، فعلى مستوى الشعر هناك طفرة شعرية وقصصية وروائية، كما أن هذا الجيل تشكلت ملامحه الإبداعية والنقدية دون وجود قيود أو روابط، فالإبداع هو الأساس.
أندية الأدب منتشرة فى كل مكان فى مصر ولكن لا نشاهد نشاط فاعل حقيقى لها. فما أبرز مشاكل أندية الأدب؟
أندية الأدب تقريبا تغطى الخريطة الجغرافية فى مصر، وهى متنفس للمواهب الجديدة فى الأقاليم، ومن المفترض أن يشارك الأدباء المتحققون فى أنشطتها لدعم المواهب واكتشافها، والدفع بها للحركة الأدبية، ولكن النشاط غير مكتمل لوجود قيود تعوق الانتشار والتوسع، مثل الالتزام بميزانية ضئيلة للغاية، وشروط يجب أن تتوافر فى المحاضر المركزى ليس لها علاقة بالتميز والمكانة، بل هى روتينية تخضع للمراقب المالى بالإقليم الثقافى، الذى يشترط وجود موافقة جهة العمل على المشاركة فى فعاليات الإقليم فى غير أوقات العمل الرسمية، إضافة إلى وجود موظفين غير مؤهلين للتعامل مع الأدباء. كل هذه السلبيات جعلت الأدباء المتحققين أو المعروفين يهجرون أندية الأدب، لأن العمل تطوعى ويجبرهم على خوض حروب وصراعات عبثية، ولكن هناك أماكن مازالت تسعى لتقديم خدمة ونشاط ثقافى متميز وعامرة بأدباء، ولكن هذه نقاط مضيئة فى خريطة كبيرة متشعبة، فرغم وجود نشاط حيوى، فإن كل محافظة بها أكثر من 10 أندية أدب ليس لهم وجود فى المشهد، بسبب عزوف الأدباء عن المشاركة والروتين القاتل.
ما أهم المشاكل التى تواجه كتاب وأدباء الأقاليم؟
لا أرى مشاكل تخص أدباء الأقاليم. الكاتب الجيد يفرض نفسه بأعماله، وأرفض المسمى، فالكتاب الذين يعيشون فى القاهرة الآن ينتمون للأقاليم، ويمكن أن نصنف الكتاب التصنيفات الكروية، دورى درجة أولى ودورى درجة ثانيه ودورى المظاليم، فيعيش فى دمياط الكاتب الكبير محسن يونس، ويعيش فى دمنهور العظيم عمنا سيد إمام، ويعيش فى الإسماعيلية الشاعر الكبير مدحت منير، ويعيش فى اسوان الكاتب الكبير يوسف فاخورى، ويعيش فى المحلة الكاتب الكبير جار النبى الحلو، ويعيش فى الاسكندرية الكاتب الكبير حجاج أدول، ومع ذلك لهم حضور كبير فى الساحة الأدبية. كذلك عاش فى الاسكندرية حتى وفاته الرائع محمد حافظ رجب. المشكلة أن يرى الكاتب نفسه صغيرا أو مهمش، وينشغل بهذه القضايا الفرعية الوهمية، ويبتعد عن الإبداع. ذكرت أسماء أدباء كبار يقيمون فى أقاليم مصر، ويمكن رصد مئات الأسماء من أجيال مختلفة، ولهم حضور أهم وأقوى من أدباء يعيشون فى القاهرة.
بدايتك كانت مع الشعر ما سبب ابتعادك عنه، وعدم الاستمرار فيه؟
مازلت أعشق الشعر وأستمتع جدا بحضور الأمسيات وقراءة الشعر، ولكن جميع البدايات تكون مع الشعر، حيث البراءة وكتابة المشاعر بشكل عفوى وجاذبية الموسيقى، ومع القراءة والاطلاع والتجارب الحياتية يتشكل الوعى ويفرض الشكل الأدبى نفسه على الكاتب. كنت مسكونا بالشعر فى بداياتى، ولكن كنت أحمل القصيدة بقضايا وسرد يفسدها، فنصحنى أستاذى الشاعر ربيع عبد الرازق بأن أجرب مع السرد، وبالفعل كتبت قصة قصيرة وشجعنى، فوجدت ضالتى فى كتابة الرواية.
لماذا اتجهت إلى النشر الخاص؟ وكيف ترى سوق النشر فى مصر؟
اتجهت للنشر الخاص لأن روايتى لا تحتمل الحذف، فبعد كتابة الرواية خططت لمراجعتها معتمدا على حذف الزوائد، وتم ذلك فى أكثر من جلسة فى أوقات متباعدة، فاخترت النشر الخاص لرفضى المسبق بحذف أى مقطع منها تحت أى مسمى رقابى أو أخلاقى أو دينى. كانت لدى رغبة فى نشر روايتى كما كتبتها، وبالشكل الذى يرضينى. بالنسبة لسوق النشر فهو مرتبك مثل المشهد الأدبى تماما، فدور النشر تسعى للبقاء والاستمرار، بعيدا عن جودة ما تقدمه، فدار النشر نشاطها الأساسى تجارى، ولكن ما يستحق التوقف والتأمل هو أن دور النشر تسعى لتقديم احتياجات القارئ، حتى لو كان هذا القارئ متدنى المستوى، ولا تسعى لتحقيق المعادلة الصعبة بتقديم نصوص جديدة واعدة، مع تحقيق أرباح. وهناك دور صغيرة تساهم فى إرباك المشهد، فتهتم بالطباعة فقط، وبعدد نسخ محدود جدا لا يكفى لأصدقاء المبدع نفسه، وهذا يربك المشهد لأننا نكون أمام حركة وهمية على مستوى النشر والإبداع.
هل النشر الإلكترونى أثر على الورقى؟ وكيف ترى مستقبل الكتاب فى مصر؟
لم يؤثر النشر الإلكترونى على الورقى بشكل كبير، فمازال الكتاب الورقى له جمهوره ولكن النشر الإلكترونى له مميزات كبيرة، مثل سرعة الانتشار وسط مجموعة كبيرة من القراء، والمستقبل للنشر الإلكترونى حيث نشهد طفرة فى التطور التكنولوجى والوسائط المتعددة، تسهل القراءة والانتشار وتجاوز الحدود ووصول الكتاب لأكبر عدد من القراء المحتملين، وفى ظل ارتفاع أسعار الطباعة وسعر الكتاب الورقى سيتحول سوق النشر للكتاب الإلكترونى بشكل مباشر ومستقل.
هل عملك فى مجال النشر أثر عليك كروائى؟
نعم أثر بالسلب، لذلك تفرغت للإبداع مكتفيا بوظيفتى والإبداع، لأن النشر يحتاج تفرغا كاملا لتحقيق نجاح، وهذا يؤثر بالسلب على الإبداع، لأن العمل فى مجال النشر يخلق حالة من التشبع من القراءة، فمع الوقت أكون مجبرا على قراءة كتابات مقدمة للنشر، وهى قراءة غير منتقاة، ومع الوقت يؤثر ذلك على الإبداع
ما عملك القادم؟
مجموعة قصصية بعنوان "محاولات للهروب من مخرج الطوارئ" سأتقدم بها قريبا للهيئة العامة للكتاب. وأكتب حاليا رواية جديدة بعنوان "فضيحة عمياء".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة