أغلب المشاريع عنها لم تكتمل ثورة ملايين.. و«سيمـــا أونطــة»

أفلام وثائقية وتسجيلية تولت مهمة تقديم أعمال خاصة بالثورة

فى لحظات التحول الحاسمة التى تمر بها الشعوب، تصبح السينما ليست مجرد وسيط بصرى، بل أداة وعى، وحافظة للذاكرة الجمعية، ومؤشراً فنياً على نبض الوطن. وإذا كانت الثورات الكبرى قد ارتبطت دوماً بفنون عظيمة، فإن السؤال الذى يفرض نفسه بعد مرور أكثر من عقد على ثورة 30 يونيو ماذا قدمت السينما المصرية عن هذا الحدث الجلل؟

ثورة خرج فيها الملايين إلى الشوارع من كل طوائف الشعب، ضد سلطة حاولت اختطاف هوية الدولة وتفكيك مؤسساتها، ليست حدثاً عابراً. كان من الطبيعى أن تكون هذه اللحظة نقطة فاصلة فى تاريخ السينما، مثلما كانت فى التاريخ السياسى والاجتماعى، ولكن الواقع يخبرنا بعكس ذلك. فرغم ما شهدته مصر من تحولات أمنية واقتصادية واجتماعية عميقة، لم تنتج السينما فيلماً روائياً واحداً يتناول هذه الثورة بشكل مباشر.. من خلال رؤية تحليلية نرصد ما تم، وما لم يتم، ولماذا؟

 غياب الفيلم الروائى

ربما يكون أبرز ملامح المشهد بعد 30 يونيو هو الصمت المريب من صناع السينما تجاه الحدث نفسه. لم ينتج حتى الآن فيلم روائى طويل واحد يجسد ثورة الشعب على حكم الإخوان. لم نرَ عملاً فنياً يتناول الأيام العشرة الفاصلة، لم نرَ بطلاً أو بطلة من الميادين، لم نشاهد لحظة بيان 3 يوليو أو مشهد التفويض الشعبى فى عمل سينمائى.

بينما امتلأت الشوارع بالشباب والنساء والعائلات فى واحدة من أكبر التظاهرات فى تاريخ مصر، ظلت كاميرا السينما غائبة، أو قل خائفة. تردد الكتاب، وخشيت شركات الإنتاج، وأدارت بعض الجهات الإعلامية ظهرها للسينما لحساب الإعلام المباشر، فانكفأ الفن الروائى، وراحت دراما التليفزيون تسد الفراغ من خلال تقديم أعمال درامية مثل الاختيار بأجزائه الثلاثة وغيره من أعمال تناولت الثورة وما قبلها من أحداث وما تلاها.

 الذاكرة البصرية تنتصر للتاريخ

لنعد قليلاً إلى الوراء.. بعد ثورة 23 يوليو 1952، انطلقت السينما المصرية لإعادة صياغة التاريخ سينمائياً وقدمت أعمالاً مثل «رد قلبى» (1957) عن قصة يوسف السباعى وإخراج عز الدين ذو الفقار، والذى جسد التفاوت الطبقى قبل الثورة، واختار ثورة الضباط كخلاص اجتماعى، ثم جاء فيلم «الله معنا» (1955) من إخراج أحمد بدرخان ليطرح مسألة الأسلحة الفاسدة والفساد الملكى، كخلفية ضرورية لفهم أسباب قيام الثورة.

فى المقابل، حاولت بعض الأفلام بعد ثورة 25 يناير أن تلتقط روح اللحظة، مثل «18 يوم»، الذى ضم عشرة أفلام قصيرة أخرجها مجموعة من كبار وصغار المخرجين، و«بعد الموقعة» ليسرى نصر الله الذى دخل المسابقة الرسمية لمهرجان كان، وطرح رؤية مختلفة للبلطجية عبر بطل الفيلم.

رغم اختلاف التوجهات والجدل الذى صاحب تلك الأعمال، إلا أنها جسدت حضوراً فنياًً لمبدأ الثورة نفسها. أما ثورة 30 يونيو، فظلت بعيدة عن العدسة

مشاريع لم تكتمل..

رغم مرور أكثر من عقد على ثورة 30 يونيو، لم يظهر إلى النور فيلم روائى واحد يخلد هذه اللحظة من قلب الحدث، بل ظهرت عدة مشاريع توقفت لأسباب مختلفة من أبرز هذه المشاريع:

فيلم 30 يونيو

فقد أعلن المخرج خالد يوسف فى 2013 عن مشروع فيلم بعنوان «30 يونيو»، يجسد الثورة من منظور شعبى ووثائقى فى آن واحد، وكان يعتمد على مواد مصورة قام هو نفسه بتوثيقها أثناء الثورة، بما فيها لقطات جوية للتظاهرات ومسيرات شعبية وكان السيناريو مكتوباً بمشاركة مؤلفين كبار مثل وحيد حامد ومحفوظ عبدالرحمن، وترددت أسماء مثل خالد الصاوى ومنة شلبى لبطولته، لكن المشروع لم يكتمل، رغم الحماس الذى أحيط به. ويتردد أن السبب الرئيسى لتوقفه كان غياب الدعم الإنتاجى الكافى، وتضارب التوجهات حول طبيعة المعالجة، ما بين التوثيق والدعاية.

سره الباتع.. من السينما إلى التليفزيون

فى محاولة أخرى، عاد خالد يوسف إلى مشروعه القديم «سره الباتع» المستوحى من رواية يوسف إدريس. كان مخططاً أن يكون فيلماً روائياً واسع الإنتاج يسقط أحداث الرواية التاريخية على الواقع السياسى بعد الثورة، لكن المشروع تحول لاحقاً إلى مسلسل تليفزيونى ضخم تم عرضه فى رمضان 2023.

ورغم إدراج مشاهد وثائقية حقيقية لثورة 30 يونيو ضمن المسلسل، إلا أن المعالجة فقدت زخم الفيلم المتخصص، وبات العمل درامياً عامّاً بدلاً من كونه شهادة سينمائية مباشرة.

من المشاريع الأخرى التى لم تستكمل، سيناريو للكاتب مدحت العدل بعنوان «الشارع كان بيتكلم»، كان من المفترض أن ينتجه جمال العدل، ويدور حول صحفية شابة تغطى التظاهرات فى الأيام الأخيرة من حكم الإخوان، ويعرض الحدث من وجهة نظر إنسانية. ورغم جهوزية النص، توقفت التحضيرات لأسباب إنتاجية وتسويقية.

وهناك مشروع آخر باسم 6/30 وكان من المقرر إنتاجه عام 2014.. يتناول حكاية شاب من منطقة شعبية يكتشف خيانة صديقه للإخوان، ويقرر مواجهته، ليصبح مع الوقت رمزاً شعبياً. المشروع تعثر مبكراً لغياب التمويل ورفض قنوات تليفزيونية دعمه.

المحاولة الهزيلة.. المشخصاتى 2

يعد فيلم «المشخصاتى 2» (2016) إخراج مصطفى شكرى وتأليف سامح سر الختم، بطولة تامر عبدالمنعم، المحاولة الوحيدة المعلنة لتناول الحدث لكن الفيلم جاء كوميدياً ساخراً، اعتمد على تقليد الشخصيات، وتفريغها من العمق السياسى أو الرمزية الاجتماعية.

العمل افتقر إلى البنية الدرامية الجادة، واكتفى بأسلوب المسرحيات التجارية التى تعتمد على السخرية المباشرة، دون أن يطرح رؤية. بل إن الفيلم أضر بفكرة تناول الثورة فنياً، لأنه اختصرها فى استهلاك إعلامى سطحى.

 اشتباك.. الفيلم الذى لامس الحافة ولم يذكر الاسم

من أبرز الأفلام التى خرجت من رحم اللحظة الثورية دون أن تسميها، فيلم «اشتباك» (2016)، من تأليف خالد دياب ومحمد دياب، وإخراج محمد دياب وبطولة نيللى كريم وهانى عادل وتدور أحداثه بالكامل داخل عربة ترحيلات تضم متظاهرين من مختلف التيارات السياسية (إخوان، شباب ثورى، صحفيين، مواطنين، وفضوليين)، فى الأيام الأولى لعزل محمد مرسى.

وما يميز الفيلم هو استخدام فضاء مكانى محدود - عربة الترحيلات - لبناء دراما إنسانية مشحونة بالصراع والجدل والانفعال، ترصد حالة الانقسام.. وقد اختار المخرج الابتعاد عن المباشرة، فلم يذكر الأسماء ولا التواريخ، لكنه التقط اللحظة بذكاء، وقدم تشريحاً اجتماعياً دقيقاً لحالة مصر ما بعد سقوط الإخوان. شارك الفيلم فى قسم «نظرة ما» بمهرجان كان السينمائى، ونال إشادة دولية واسعة.

ومن الناحية الفنية، اعتمد الفيلم على كاميرا مهتزة ولقطات ضيقة تحاكى الاختناق داخل العربة، مما عمق شعور المشاهد بأنه حبيس فى هذا الاشتباك. ورغم أنه لم يتناول 30 يونيو مباشرة، إلا أنه ظل من أصدق الأعمال التى عبرت عن تداعيات اللحظة، بل لعل صمته عن تحديد الطرفين جعله أكثر بلاغة.

 الأفلام التسجيلية ومواجهة الإرهاب

فى ظل غياب الفيلم الروائى المباشر، تولت الأفلام الوثائقية والتسجيلية إلى حد كبير مهمة التوثيق، خاصة من خلال ما قدمته القناة الوثائقية المصرية ومن أبرز هذه الأعمال:

30 يونيو شهادة أمة

إخراج دينا سمير، وتأليف محمد رجب ووثق الفيلم شهادات حية من المواطنين والمشاركين فى الثورة من مختلف المحافظات، وأعاد رسم مشهد الأيام الثلاثة بتركيب بصرى متطور، ووتيرة حكى درامية.

 صوت الشعب

إخراج رامى سعيد، وتأليف نشوى حلمى. تناول الفيلم دور الإعلام المصرى فى مواجهة التضليل أثناء الثورة، مع عرض مقاطع أرشيفية نادرة وتقارير من المراسلين فى الميدان.

 ثلاثة أيام غيّرت مصر

إخراج أحمد فوزى، تأليف أحمد على عطية. فيلم استخدم تقنيات الجرافيك واسترجاع البيانات من شبكات التواصل، ليرصد تصاعد الدعوة للنزول وتداعيات خطاب محمد مرسى، وحالة الغليان الشعبى.

وفى يونيو 2022 أنتجت إدارة الشئون المعنوية ووزارة الدفاع الفيلم التسجيلى «إرادة وطن» والذى يقص حكاية الوطن منذ نكسة 1967 وصولا لـ30 يونيو وفى نفس العام تم إنتاج الفيلم الوثائقى «وطن للجميع» والذى يتحدث عن فترة حكم الإخوان أيضاً حتى قيام الثورة.

وكانت آخر هذه الأفلام سلسلة بعنوان «حتى لا تكون آفة حارتنا النسيان» والتى استعرضت فيها أحداث يونيو 2013 بكل ما ارتكبه الإخوان أثناء حكمهم وموقف الجيش المصرى آنذاك..

 سينما الإرهاب والمقاومة.. بعد الثورة

رغم الغياب المباشر، إلا أن سينما ما بعد 30 يونيو شهدت ظهور موجة من أفلام «مكافحة الإرهاب»، التى حاولت توثيق ما عاشته مصر من مواجهات أمنية دامية مع تنظيمات إرهابية كانت قد توغلت فى سيناء ومحافظات مصر المختلفة مثل فيلم «الخلية» والذى عرض فى 2017 ومن إخراج طارق العريان، تأليف صلاح الجهينى. يتناول ضابط أمن وطنى يلاحق خلية إرهابية، استخدم الفيلم تقنيات الأكشن، وجاء بإيقاع عال، وكان بمثابة بداية لمرحلة جديدة فى طرح موضوع الإرهاب سينمائياً.

وكذلك فيلم «الممر» 2019، إخراج شريف عرفة، تأليف أمير طعيمة. وكان يدور حول حرب الاستنزاف، لكنه حمل رسالة وطنية بالغة القوة فى وقت كانت مصر بحاجة لاستعادة الثقة الوطنية. الأداء التمثيلى والبناء البصرى جعله أحد أنجح الأفلام المصرية فى العقد الأخير.

ثم فيلم «الكتيبة 101» والذى عرض فى 2023 من إخراج محمد سلامة، تأليف إياد صالح. وتعرض بشكل تفصيلى لصمود قوات الجيش فى شمال سيناء، وأبرز صورة الجندى المصرى فى أحلك الظروف، بكادرات واقعية وتمثيل مشحون بالعاطفة والانضباط.

هذه الأفلام وغيرها من الأعمال الدرامية ساعدت على نقل بعض من الواقع الذى عايشناه جميعاً من عمليات إرهابية بعد ثورة يونيو وألقت بعضاً من الضوء على ما يواجهه الجهاز الأمنى من مخاطر وما يقدمه من تضحيات بشرية من أفراده سواء الشرطية أو المدنية والعسكرية.

ويبقى السؤال: أين الفيلم الروائى عن الثورة؟ فكل ما سبق من محاولات جادة مقاربة فنية لتداعيات الثورة، لكنه لا يغنى عن العمل السينمائى الكبير الذى يجسد ثورة 30 يونيو نفسها، فيلم يروى التفاصيل من قلب الحدث، بأبطاله الحقيقيين، وصراعاته النفسية والسياسية.. نحن بحاجة إلى فيلم بحجم الحدث؛ يلتقط تلك اللحظة الفاصلة، ويجعل منها حكاية تُروى للأجيال. السينما المصرية مدينة للثورة، ومدينة للوعى العام بفيلم صادق، عميق، وإنسانى.. فالسينما كما قال المخرج الأمريكى روبرت ألتمان.. هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة.. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده.

السينما هى ذلك العالم الذى يستطيع إعادة سرد الحكاية علينا مرة بعد أخرى ليذكرنا بأدق التفاصيل ويجعلنا نستعيد المشاعر بكل ما فيها من فرح أو حزن ليعيدنا لتلك اللحظة فى كل مرة كأنها الأولى.. نحن بحاجة إلى كتاب ومخرجين توثق لروح الثورة فى أفلام تحمل أبعاداً إنسانية، الأمر الذى يجعلها قادرة على الاستمرار والبقاء لعصور، وهذا ما نحتاج إليه لتوثيق ثورة يونيو.. الجوانب الإنسانية هى الأهم والأبقى.

Katen Doe

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فيلم

المزيد من فن

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...

فى الذكرى الثالثة والثمانين لميلادها.. أيام السندريلا.. حكايات وأسرار جديدة

حين غنت سعاد حسنى باللهجة الصعيدية «واه يا عبدالودود» حكاية سهرة فنية طلبت فيها سعاد من أحمد فؤاد نجم أغنية...

محسن محيى الدين: لست خارج حسابات منتجى الدراما

الصدفة وحدها سبب تألقى فى «الأوف سيزون» حينما يأتينى الدور المناسب الذى يحمسنى لتقديمه أقدمه على الفور

أسرار معركة وردة وفايزة على «كـرسى» أم كلثوم

أوراق الوردة (12) علاقة «الغريمتين».. من الخناق إلى الوفاق أنيس منصور ينحاز لفايزة ويصف وردة بأنها صوت قوى بلا إحساس...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص