فى الذكرى الثالثة والثمانين لميلادها.. أيام السندريلا.. حكايات وأسرار جديدة

حين غنت سعاد حسنى باللهجة الصعيدية «واه يا عبدالودود» حكاية سهرة فنية طلبت فيها سعاد من أحمد فؤاد نجم أغنية وطنية أخرى بعد «دولا مين»

منذ ثلاثة وثمانين عاما.. وفى مثل هذه الأيام وبالتحديد فى السادس والعشرين من يناير عام 1943، ولدت سعاد حسنى.. التى بزغت فى سماء الفن المصرى والعربى نجمة استثنائية بكل المقاييس الفنية والإنسانية.. استثنائية فى موهبتها الطاغية وعبقريتها الفنية وحضورها الذى لا يغيب.. وفى استحواذها على الأضواء حية وراحلة.. غائبة وحاضرة.. فى البهجة التى أودعتها القلوب.. والحزن الذى لازمها منذ طفولتها وحتى رحيلها.

فى الذكرى الثالثة والثمانين لميلادها.. نكشف لأول مرة تفاصيل وأسرارا  جديدة من حياتها الحافلة.

بعد رحيل سعاد بسنوات استضاف عمرو الليثى أحمد فؤاد نجم ليتحدث باستفاضة عن علاقته بها.. يومها قال نجم كلاما كثيرا عن السندريلا.. وكان مما ذكره أنه اتصل تليفونيا بسعاد فى لندن  قبل رحيلها بثمان وأربعين ساعة فقط.. وأنها بدت فى كلامها معه متفائلة وطبيعية جدا وكان مما قالته له أنها نجحت فى تخسيس وزنها الذى صار خمسة وسبعين كيلو جراما فقط.. وأنها  عالجت أسنانها التى كانت تؤرقها كثيرا وصارت كما كانت طبيعية تماما.. ويومها كما ذكر  نجم لعمرو الليثى قال لها بالحرف الواحد: "سأكون فى انتظارك بمطار القاهرة.. وفى يدى مسرحية كتبتها خصيصا لك".. فأجابته سعاد ببديهتها الحاضرة وذهنها المتوقد: "وفى يدك الأخرى زينب - تقصد ابنته زينب".. واندهش أحمد فؤاد نجم من أن سعاد تعرف ابنته الصغرى  فسألها: "وانت تعرفى زينب منين؟".. فأجابته بالبديهة الحاضرة ذاتها: "زينب دى أشهر واحدة بين المصريين الذين يعيشون فى لندن ".

ماتت سعاد حسنى بعد هذه المكالمة التليفونية مع أحمد فؤاد نجم بيومين فقط .. لكن السندريلا بفنها الجميل وموهبتها  الطاغية ومسيرتها المتوهجة وحكاياتها الفنية والإنسانية الرائعة ظلت حاضرة دائما.

الحقيقة أن سعاد كانت معجبة جدا بتجربة أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام.. وربطتها صلة وصداقة إنسانية  بنجم  منذ بداية السبعينيات.. توطدت بشكل واضح على خلفية الصداقة التى جمعت بين نجم والمخرج الكبير على بدرخان زوج السندريلا.

حلم السندريلا

المعروف أن سعاد أعجبت جدا بكلمات أحمد فؤاد نجم التى كتبها أثناء نصر أكتوبر المجيد «دولا مين ودولا مين.. دولا عساكر مصريين .. دولا مين ودولا مين.. دولا ولاد الفلاحين».. وتحمست جدا لغنائها  وذهبت بها إلى وجدى الحكيم أحد كبار مسئولى الإذاعة المصرية آنذاك  لكى يوافق على أن تغنيها للإذاعة احتفالا بنصر أكتوبر المجيد.. ولما سألها عن صاحب الكلمات أخبرته بعد تردد بأنه احمد فؤاد نجم، إذ كان نجم قد نقل لسعاد تخوفه من عدم موافقة الحكيم على الأغنية لأنها من كلمات نجم الذى يكرهه وجدى الحكيم.. لكن الأخير أخلف ظن نجم السيئ به وتحمس للأغنية  ووافق عليها فورا ليلحنها كمال الطويل وتغنيها سعاد بمنتهى الجمال والإبداع، لتظل إحدى الأغنيات الرائعة التى تعبر عن نصر أكتوبر المجيد.

 قال نجم لسعاد فى مكالمته التليفونية لها إن المسرحية التى ستعود بها للفن بعد رحلة علاجها ستكون جاهزة.. وكانت سعاد تحلم منذ أواخر الثمانينيات بأن تقدم عملا مسرحيا استعراضيا غنائيا كبيرا  يلحن أغانيه واستعراضاته كمال الطويل - وقد ذكرت ذلك صراحة لكاتب هذه السطور - وحين عرضت الفكرة على زوجها ماهر عواد أخبرها  بوجاهة ما تفكر فيه لكنه أخبرها صراحة بأنه لن يكتب لها أو لغيرها عملا مسرحيا، فهو لا يجيد الا  الكتابة للسينما.

والمؤكد أن سعاد فكرت فيمن يمكن أن يكتب لها  عملا مسرحيا  تقدم من خلاله عددا من الأغانى والاستعراضات.. وكان نجم فى مقدمة من  كانت السندريلا تفضل أن يكتبوا لها للمسرح.. لكن تفاقم آلام الظهر بشكل بشع أجبر سعاد على أن ترجئ الأمر تماما، فالاستعراضات على خشبة المسرح عمل مرهق يتطلب أن تكون فى كامل لياقتها الصحية.

وبعد أن أرجأت سعاد الفكرة فوجئت بإغراء كبير من سمير خفاجى الذى عرض عليها أن ينتج لها مسرحية تحدد  مدى وجود استعراضات بها ، وعليها أن تختار من يؤلفها.

.. وغنت سعاد

القاص والروائي والسيناريست حسين عبد الجواد هو واحد من أصدقاء احمد فؤاد نجم المقربين.. وهو في نفس الوقت صديق مقرب لعلي بدرخان وسعاد حسنى.. تعود صداقته  لبدرخان الى  منتصف الستينات حين تزاملا في المعهد العالي للسينما.. فحسين عبد الجواد ينتمى لنفس دفعة بدرخان فى المعهد.. دفعة ١٩٦٧ وهو خريج قسم السيناريو.. وبعد تخرجه  ظلت صداقتهما قائمة ومستمرة  وتعرف عبد الجواد على سعاد بعد زواجها من صديقه على بدرخان

كان عبد الجواد يسكن في العباسية.. فى نفس العمارة التى يقيم فيها احمد فؤاد نجم مع زوجته صافيناز كاظم.. وعن طريق علي بدرخان تعرف حسين عبد الجواد على نجم وصار صديقا مقربا منه أيضا.. صداقة توطدت إلى درجة أن حسين كان  شاهدا على عقد زواج نجم  من المطربة  عزة بلبع واعتقل لأيام مع نجم وبدرخان.. أما صداقته بعلى بدرخان فما زالت ممتدة حتى الآن..  وكذلك كان هناك مشروع فيلم سينمائى  يكتبه حسين  لسعاد وينتجه عدلي المولد لكنه لم يكتمل

يحكى لي حسين عبد الجواد هذه الحكاية :

اجتمعنا ذات ليلة صيفية فى فيلا علي بدرخان القريبة  من ستوديو الاهرام في أواخر السبعينيات وكان علي وسعاد وقتها متزوجين ومستقرين في الفيلا التي كان يملكها بدرخان بالقرب  من ستوديو الاهرام.. كنت أنا وبدرخان وسعاد وأحمد فؤاد نجم وعزة بلبع والدكتور هشام عيسى خال عزة بلبع  وأدركت أن سهرة يجتمع فيها كل هؤلاء المبدعين  لابد وأن يتم تسجيلها وتوثيقها  وأتيت بكاسيت وشريط تسجيل وأخبرت الجميع انتي ساسجل هذه السهرة الفنية والإنسانية.. وفى السهرة حكى نجم بطريقته المعهودة بعض ذكرياته فى حياته الصعبة ومنها مثلا أنه عمل مساعدا لرجل يدعى عم محمود كان متخصصا في بيع بضاعة غريبة جدا، وهي ( الشربة الطاردة للديدان من جسم الانسان.. وهي مسألة مزعجة وخطيرة كانت منتشرة على وجه الخصوص في الارياف..)  وحكى نجم لنا كيف تعلم وتأثر كثيرا بتلك الايام ..ثم تحدثت سعاد عن ذكرياتها مع نجم واغنيتهما الوطنية الرائعة ( دولا مين)  وعرفنا خلال السهرة أن سعاد تريد أن تغني اغنية نجم الشهيرة التي غناها الشيخ إمام عبدالودود  وان نجم لا يمانع وعرفنا أن سعاد حفظت اللحن والكلمات  وبالطبع كانت مستعدة تماما لغناء واه يا عبد الودود.. وادركنا شغف سعاد   لغناء تلك الأغنية الخالدة التي ألفها نجم عقب نكسة يونيو  ١٩٦٧ وغناها الشيخ إمام وصارت واحدة من أشهر الأغنيات التي تقاوم تداعيات النكسة واحباطاتها وتبث الروح الوطنية من أجل الثأر والنصر.. وهىى كلمات على لسان اب صعيدى لابنه على الجبهة غناها الشيخ امام باللهجة الصعيدية ثم صارت الأغنية أيقونة  للنضال والمقاومة ..

واه يا عبد الودود.. يا رابص ع الحدود.. ومحافظ ع اللظام

كيفك يا واد صحيح..عسى الله تكون مليح.. وراجب للامام

امك ع تدعي ليك.. وع تسلم عليك

وتجول بعد السلام.. خليك ددع لابوك

ليجولوا  منين دابوك.. ويمصخوا الكلام

واه يا عبد الودود..عاجولك وانت خابر.. كل القضية عاد

ولسه دم خيك.. ما شرباش التراب

حسك عينك تزحزح.. يدك عن الزناد ..

غنت سعاد اغنية واه يا عبد الودود كما غناها الشيخ إمام بلهجة صعيدية صرف.. بصوتها الاخاذ الجميل..غنت واستغرقت في الغناء فكان غناؤها  معزوفة شجية جميلة للوطن وادهشنا جميعا أن سعاد كانت تحفظ كلمات الأغنية ولحنها  بشكل مذهل.. وبعد انتهائها من الغناء وبعد تصفيق الجميع واعجابهم.. أدرت شريط الكاسيت وسمعنا سعاد مرة واثنتين وانتهت السهرة وطلبت مني سعاد شريط الكاسيت الذي سجلت عليه السهرة والأغنية لتسمع واه يا عبد الودود بصوتها مرة واثنتين وثلاثا واستعارت الشريط مني لبضعة أيام حتى ذهبت إليها وطلبته منها  فردته لي  واحتفظت بالشريط لفترة من  الوقت وكنت اعود اليه  لاسمع من خلاله اغنية واه يا عبد الودود بصوت سعاد الجميل.. بعدها استعارته مني إحدى الصديقات  لتسمع سعاد وهي تتجلى بغناء واه يا عبد الودود واعطيتها الشريط  دون أن يساورني شك في أنها ستعيده.. لكن الذي حدث أن تلك الصديقة لم تعد لي ذلك الشريط  مرة أخرى وقالت لي اكثر من مرة أنهم نقلوا بعض اشيائهم لشقة أخرى وأن الشريط ضاع فيما ضاع من أشياء.. ثم انشغلت سعاد وانشغل نجم ولم يتم مشروع إعادة غناء (واه يا عبد الودود ) كما كانا قد اتفقا.

يقول حسين عبد الجواد: كلما تذكرت حكاية هذا الشريط احزن حزنا شديدا.. فقد ابدعت فيه سعاد وتجلت فى غناء واه يا عبد الودود بطريقة ساحرة ونادرة.. وادركت أنني فرطت في هذه الوثيقة الفنية النادرة..لأن كل من سمع سعاد وهى تغنى في تلك الليلة وبلهجة صعيدية أدرك وقتها أن سحرا خاصا بها تلبسها فغنت كما لم تغن من قبل ومن بعد.

انتهى الكلام ..ولا تزال حكايات السندريلا  حاضرة وجميلة جمال ذكراها

Katen Doe

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سعاد
سعاد

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص