هزت دولة الاحتلال بأغانيها .. أم كلثوم صوت المقاومة العربية

"إلى أهالى القدس.. اقرأوا هذا.. ليلتان فقط لفاتنة الجماهير ومطربة الشرق الوحيدة الأنسة أم كلثوم.. لا تدعوا الفرصة تفوتكم".. هكذا جاء نص الإعلان عن أول حفل غنائى لأم كلثوم فى فلسطين التى زارتها مرتين فقط طيلة حياتها، وكانت تلك الزيارة فى بداية مسيرتها الفنية بعد أن ذاع صيتها ووصل صوتها الساحر إلى جميع الدول العربية، وبدأت فى إحياء حفلات مختلفة بالوطن العربى.

 

يرجع تاريخ الإعلان عن حفل أم كلثوم فى فلسطين إلى فترة الثلاثينيات من القرن الماضى، حين كانت الحياة الفنية والثقافية عامرة فى قطاع غزة وفى فلسطين بشكل عام، وأحيت السيدة أم كلثوم حفلا كبيرا فى عام 1931، أى قبل إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلية بنحو 17 عاما، فى عدة مدن فلسطينية منها مدينة حيفا والقدس، ففى خلال تلك الفترة حصلت السيدة أم كلثوم على لقب "كوكب الشرق" بعد هتاف من أحد الحضور بتسميتها بهذا اللقب.

لم تكن أم كلثوم (1898 - 1975) مطربة عادية، بل كانت رمزاً وأيقونة.. لكن السنوات التى تلت الهزيمة المشئومة عام 1967 كانت حداً فاصلاً بين كونها مجرد فنانة، وكونها مناضلة أخذت على عاتقها تسخير رمزيتها ومكانتها الفنية وصورتها خدمة للمعركة ضد "إسرائيل"، إذ لم تكتف بدعم الجيش المصرى وحسب، بل دعمت كذلك المقاومة الفلسطينية إثر انطلاقتها فى أواخر ستينات القرن الماضى.

شكل اليوم الذى ألقى فيه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر خطاب التنحى فى 9 يونيو عام 1967، يوماً تاريخياً فى حياة الملايين من المصريين والعرب، حينها شاهد جميع الذين آمنوا بالحلم الذى حلمه عبدالناصر بوطن عربى يملك إرادة مستقلة، لحظة انكسار هذا الحلم فى عينى الرئيس المصرى.. من بين هؤلاء الحالمين بوطن عربى موحد وقوى كانت "كوكب الشرق" أم كلثوم، التى شاركت بصفتها فنانة ومواطنة عربية فى الترويج لهذا الحلم والعمل على تحقيقه. وجلست لمدة شهرين فى الإذاعة المصرية، مع مجموعة من المطربين والملحنين والمؤلفين فى الشهرين اللذين سبقا الحرب، لتجهيز أغنيات حماسية تناصر مصر فى معركتها. ولم يتوقف دور أم كلثوم فى الإذاعة المصرية على تقديم الأغانى الحماسية، بل حاولت توجيه نداءات بصوتها إلى الجنود على الجبهة لرفع معنوياتهم، معربة عن أمنيتها بالغناء فى "القدس" بعد تحرير فلسطين.

لكن بعد أن أنهى الرئيس الراحل عبدالناصر خطابه، أنسحبت أم كلثوم من وسط عائلتها وهى تبكى متجهة إلى غرفة نومها التى سبق أن أعدتها للتدرب على أغانيها. عاشت أم كلثوم عزلة شبه صامتة، حيث كان باب غرفتها مغلقاً والأنوار مطفأة، وكانت تربط رأسها بقطعة قماش لعلها تخفف الصداع الذى عانت منه حينها لوقت طويل.. رفضت أم كلثوم الخروج من غرفتها أو التحدث إلى أحد، ووصفت حالتها بأنها ألم يحرق القلب ويمزقه إلى قطع صغيرة.

وسط الألم واليأس هذا فكرت أم كلثوم فى مخرج لأزمة مصر ومخرج لأزمتها الشخصية أيضاً، بعدما أدركت أن حلمها بوطن قوى منتصر انهار فى لحظة. بعد أسبوع من خطاب عبدالناصر فكت أم كلثوم عزلتها، حتى ترمم النفوس المهزومة. وذلك لأن هزيمة الروح المصرية كما اعتقدت أخطر بكثير من الهزيمة العسكرية، وأن المعركة على المدى البعيد وتحقيق انتصار يمحو آثار الهزيمة يتطلب استعادة المصريين ثقتهم بأنفسهم وتجديد إيمانهم بحقهم.

منذ تلك اللحظة، شعرت أم كلثوم بأن صوتها يجب أن يخصص لهدف عظيم، وهو تحويل الهزيمة إلى انتصار. هكذا تحولت إلى شخص لا يهدأ، وضربت عرض الحائط بالقواعد الصارمة التى وضعتها لحياتها الفنية. بعد أيام قليلة من صباح يوم الهزيمة، أطلقت أم كلثوم حملة غير مسبوقة لدعم المجهود الحربى فى وقت كانت مصر فيه على وشك خسارة 459 مليون دولار من إيرادات السياحة والشحن فى قناة السويس، وحقول النفط التى استولت عليها "إسرائيل" فى سيناء، وأدى ذلك إلى نقص حاد فى العملة الصعبة، فى وقت كانت البلاد بحاجة ماسة فيه إلى الأموال لإعادة بناء الجيش.

خلال 18 شهراً ظلت أم كلثوم تتجول بحفلاتها فى المحافظات المصرية والدول العربية، كالمغرب وتونس وليبيا والكويت ولبنان والسودان، ثم غنت فى قلب أوروبا، على مسرح الأوليمبيا بباريس، لتحول إيرادات حفلاتها بالكامل إلى المجهود الحربي، لكن هدفها الأهم هو إعادة الروح إلى الكرامة العربية التى كسرتها الهزيمة، أو بحسب تعبير المستشرق دينيس جونسون ديفيز الذى علق على تفاعل السودانيين فى حفل أم كلثوم بالخرطوم: "شعب يغنى للحب وهو يعيش فى جو المعركة، لا يمكن أبداً أن يكون شعباً ضعيفاً، بل هو شعب لديه القدرة على أن يواجه أعداءه بقوة".

كانت هزيمة عام 1967 إذن هى اللحظة التى حولت أم كلثوم من مطربة خارقة إلى أيقونة تحشد كل فنها لخدمة بلادها وقضية الوطن العربي، وشهدت الهزيمة ميلاداً جديداً للمقاومة الفلسطينية بقيادة ياسرعرفات والتى أنشئت عام 1965. وبخلاف هدف أم كلثوم فى المساهمة فى إعادة بناء الجيش المصري، كان دورها فى دعم القضية الفلسطينية وحركة "فتح" الوليدة واضحاً. إذ أحيت حفلتين موسيقيتين واحدة منها فى ليبيا خصصت عائداتهما لدعم "فتح"، فيما خصصت عائدات نصف حفلتها فى الكويت عام 1968 لدعم المقاومة الفلسطينية بشكل عام.

بعد انتخاب ياسر عرفات لقيادة "منظمة التحرير الفلسطينية"، كشفت أم كلثوم عن نص أغنية جديدة للفدائيين وهى "أصبح عندى الآن بندقية" من كلمات نزار قبانى وألحان محمد عبد الوهاب، وأشادت فى مقابلاتها وتصريحاتها بالنضال الفلسطيني، ولم تتوان عن مدح المقاومة، وأن بداية العمل الحقيقى لتحرير فلسطين هو ظهور الفدائى الذى يحمل البندقية والقنبلة ويعبر الأسلاك الشائكة والحدود التى أقامتها "إسرائيل" ولا يكتفى بالأمل فى تحرير فلسطين.

وقامت أم كلثوم بدعم قناعاتها السياسية من خلال تصريحاتها المتكررة عن الفدائيين. وعندما سئلت عن هدف مهم لم تحققه بعد، لم تجب بهدف فنى، بل بهدف سياسى: "تحرير الأراضى المحتلة وتطهير فلسطين من الصهيونية، وإعادة الفلسطينيين إلى وطنهم"، والتقت بياسر عرفات وروجت له، معبرة عن رغبتها فى أن تكون هناك انتفاضة مسلحة لتحرير فلسطين. وربطت بين حركة "فتح" وبين حركات التحرر فى جميع أنحاء العالم وليس فقط فى فلسطين، مشددة على كرامة الموت من أجل قضية التحرير، بل وصرحت بنيتها الغناء لدعم فيتنام فى نضالها ضد الغزو الأمريكى، وكذلك روجت للرموز البصرية وشعارات حركة المقاومة الفلسطينية فى عروضها فى ليبيا، إذ علقت شارة حركة "فتح" على الجدار الخلفى للمسرح، ورفعت خلفها لافتات تحمل الشعارات النضالية للحركة.

رحلت بجسدها لكن اسمها مصدر قلق للإسرائيليين

فى عام 2020 قررت لجنة الأسماء التابعة لبلدية حيفا قبول توصية إطلاق اسم الراحلة على أحد شوارع المدينة الشهيرة.. وفى حينه قالت اللجنة فى بيان لها إن "أم كلثوم التى تعتبر من عظماء الغناء العربى هى اسم مرادف للموسيقى العربية عموما والمصرية خصوصا"، ولهذا رأت اللجنة إطلاق اسمها على شارع فى حيفا يقع بين شارعى تل أبيب ويافا "كمدينة مختلطة تمثل نموذجا للحياة المشتركة بين اليهود والعرب".

عضو بلدية حيفا رجا زعاترة، الذى بادر إلى هذه الخطوة، وتحدثت معه بعض وسائل الإعلام وقتها حول الخطوة التى قال إن فكرتها "جاءت فى إطار تخليد شخصية كبيرة زارت المدينة"، معربا عن اعتقاده أن إطلاق لقب "كوكب الشرق" عليها كان فى مدينتهم.

ووفق زعاترة، زارت أم كلثوم فلسطين عدة مرات، بما فيها مدينة حيفا، أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات، وأدت العديد من الحفلات التى جذبت حضورا كبيرا.

وقال الكثير من المسئوليين الفلسطينيين إن تخليد اسم السيدة أم كلثوم فى مدينة حيفا إنجاز نوعى مهم للعرب بالمدينة، على مستوى تأكيد الوجود والبقاء والتجذر، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

فى المقابل، أثار قرار البلدية ردود فعل غاضبة وتحريضية فى صفوف اليمين الإسرائيلى الذى هاجم أم كلثوم أيضا. ومن شدة الهجوم على القرار سمتها الصحف العربية عاصفة اليمين، فقد هب يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلى المثير للجدل، وصف القرار بأنه "عار وجنون". وكان نجل نتنياهو يعقب على تدوينة للناشط اليمينى رونين ماير الذى وصف أم كلثوم بأنها "المطربة المصرية المعادية للسامية".

وأضاف ماير "من الممكن توسيع المفهوم لتغيير طريق الاستقلال إلى طريق بلادى بلادي". لكن ميرون كتساب رد على تغريدة نتنياهو بالقول "هل يمكنك أن تجد تعريفك للعار فى القاموس؟"، مستطردا "هذا الأمر ينطبق عليك، عليك أن تخجل من تحريضك". أما أفيخاى كاتان فغرد يرد على نتنياهو "يائى.. عليك أن تشرب كوب ماء وتستريح، هذه وصيتى لك".

ردة الفعل التحريضية لم تقتصر على نجل نتنياهو، إذ قال عضو الكنيست من حزب (الليكود) اليمينى أرئيل كيلنر: "بصفتى مقيمًا فى حيفا، أشعر بحزن شديد. فهم يعتزمون إطلاق اسم مغنية دعت إلى تدمير الدولة اليهودية على شارع".

 الأغنية التى أزعجت اليمين الإسرائيلى

أعادت صحيفة "كول بو" اليمينية الإسرائيلية نشر كلمات أغنية "أصبح عندى الآن بندقية"، التى قالوا إنها تزعج الصهاينة فى كل أنحاء العالم.. الأغنية التى كتبها نزارقبانى وألحان وتوزيع محمد عبدالوهاب، والتى غنتها أم كلثوم بعد هزيمة عام 1967، جاء فى كلماتها:

"إلى فلسطين خذونى معكم يا أيها الرجال.. أريد أن أعيش أو أموت كالرجال

أصبح عندى الآن بندقية.. قولوا لمن يسأل عن قضيتى

بارودتى صارت هى القضية.. أصبح عندى الآن بندقيتى

قولوا لمن يسأل عن قضيتى.. بارودتى صارت هى القضية

أصبح عندى الآن بندقية.. أصبحت فى قائمة الثوار".

 	كريم حسين

كريم حسين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الشعب المصرى يودّع كوكب الشرق بالدّموع فى يوم 3 فبراير 1976
رفلة
فيلم
أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
السيدة أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنيــة المصرية
مأمون
ثومة
فيلم

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...