«كان 2026» .. حين يتحول المهرجان إلى معركة من أجل روح السينما

كشفت الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، أن السينما العالمية لا تبدو منشغلة هذا العام فقط بالأفلام والنجوم والسجادة الحمراء، بل بأسئلة أكثر عمقا تتعلق بمصير الفن نفسه في عصر يتغير بسرعة غير مسبوقة. ففى لحظة يزداد فيها حضور الذكاء الاصطناعي داخل الصناعات الإبداعية، يأتي «كان 2026» كأنه محاولة للدفاع عن جوهر السينما، بوصفها فعلا إنسانيا قائما على الذاكرة والمشاعر والتجربة البشرية، لا مجرد صور يمكن للخوارزميات إنتاجها.

 

ومن خلال اختياراته الفنية، وملصقه الرسمي، وحتى الخطاب الثقافى المصاحب له يبدو المهرجان هذا العام وكأنه يعلن تمسكه بسينما لا تزال تؤمن بالإنسان قبل التكنولوجيا، وبالصورة كأثر حى لمن صنعها، لا لمن برمجها فقط.

وكان المؤتمر الصحفى الذى عقدته رئيسة المهرجان إريس نوبلوش، ومديره الفنى تييری فریمو کشف مبكرا عن ملامح هذه الدورة، خصوصًا مع موقف المهرجان الواضح من الذكاء الاصطناعي. فحين أكدت نوبلوش أن المهرجان لن يسمح للذكاء الاصطناعي بأن يفرض قوانينه على السينما»، بدا الأمر وكأنه إعلان دفاع عن فكرة السينما، بوصفها فعلا إنسانيا قبل أن تكون مجرد صناعة تقنية. وفي دورة تهيمن عليها أسئلة الهوية والذاكرة والخوف من المستقبل يبدو هذا الموقف منسجما مع طبيعة كثير من الأفلام المشاركة.

لم يكن البوستر الرسمى للدورة التاسعة والسبعين من المهرجان مجرد ملصق دعائى يعلن اقتراب الحدث السينمائي الأهم فى العالم، بل بدا هذه المرة كأنه بیان بصری کامل يلخص روح دورة مشغولة بالحنين إلى السينما الإنسانية فى مواجهة عالم يزداد برودة وتكنولوجيا.

اختار المهرجان لبوستر 2026 صورة تنتمى إلى ذاكرة السينما الكلاسيكية في استمرار للتقليد الذي اتبعه خلال السنوات الأخيرة بالعودة إلى لحظات سينمائية خالدة، بدلاً من تصميمات تجريدية حديثة.

وكالعادة، لا تأتى هذه الاختيارات اعتباطا، بل تحمل رسالة ثقافية واضحة حول نوع السينما التي يريد الدفاع عنها. فالمهرجان الذي أعلن هذا العام موقفه الصريح من الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن السينما يجب أن تظل من صنع البشر»، بدا وكأنه يترجم هذا الموقف بصريًا أيضا عبر بوستر يحتفى بالوجه الإنساني، وبالذاكرة، وبقوة الصورة التي تحمل أثر أصحابها الحقيقيين.

اللافت في البوستر ليس فقط مرجعيته السينمائية بل طريقته في استدعاء الإحساس القديم بالسينما؛ ذلك الإحساس المرتبط بالضوء والظل والنظرات الصامتة والوجوه التي كانت تقول أكثر مما تقوله الحوارات الألوان الهادئة والتكوين البصري البسيط يمنحان الملصق طابعا تأمليا، وكأن المهرجان يحاول التخفف من صخب العصر الرقمى لصالح صورة أكثر نقاء وهدوء.

كما يعكس البوستر هذا العام فكرة مركزية تكاد تجمع معظم أفلام الدورة الحنين إلى الإنسان وسط عالم متغير كثير من أفلام المسابقة الرسمية تتعامل مع الذاكرة والهوية والخوف من المستقبل، فيما يناقش بعضها بشكل مباشر أثر التكنولوجيا على العلاقات البشرية. لذلك يبدو الملصق منسجما تماما مع المزاج العام للمهرجان، لا كعنصر دعائي منفصل عنه.

وعبر تاريخه الطويل، استخدم مهرجان كان بوستراته كجزء من خطابه الثقافي، وليس مجرد واجهة بصرية. أحيانا احتفى بنجوم السينما الكلاسيكية، وأحيانا استعاد مشاهد أيقونية من أفلام صنعت تاريخ الفن السابع، لكنه في كل مرة كان يرسل إشارة ضمنية إلى نوع السينما التي يريد الانحياز لها. وفي 2026 تبدو الرسالة أوضح من أي وقت مضى السينما ليست مجرد صور تنتج بسرعة، بل ذاكرة بشرية كاملة مليئة بالهشاشة والمشاعر والتجارب التي لا يمكن لأى خوارزمية أن تعيد خلقها بالصدق نفسه. لهذا يمكن النظر إلى البوستر باعتباره محاولة للتشبث بروحالسينما القديمة في لحظة يشعر فيها كثيرون بأن الفن نفسه يقف أمام اختبار وجودی حقیقی

المسابقة الرسمية هذا العام تجمع بين أسماء راسخة وتجارب جديدة تحمل رهانات فنية كبيرة. يعود بيدرو المودوفار بفيلمه Bitter Christmas الذي يوصف بأنه من أكثر أعماله قتامة وحميمية، بينما يشارك أصغر فرهادى بفيلم Parallel Tales الذي يعيد طرح أسئلته الأخلاقية المعقدة حول الحقيقة والذنب والعدالة. أما الياباني هيروكازو كورى إيدا فيقدم Sheep in the Box وهو عمل يمزج الدراما الإنسانية بالتأمل في علاقة البشر بالتكنولوجيا. في تقاطع واضح مع الجدل الذي يحيط بالذكاء الاصطناعي هذا العام

كما تضم المسابقة أفلاما منتظرة مثل Hope للكوري الجنوبي نا هونج چین و Paper Tiger للمخرج جيمس جراي إضافة إلى Fatherland للمخرج البولندي بافيل بافليكوفيسكي وFlord للروماني کریستیان مونجيو وهي أفلام تبدو مشغولة بأسئلة الهوية الأوروبية والذاكرة السياسية والانهيار الأخلاقي في عالم مضطرب.

وفي المقابل يواصل قسم نظرة ماء لعب دوره التاريخي كمساحة لاكتشاف الأصوات الجديدة والسينما الأكثر حرية وتجريبا من أبرز أفلام القسم Elephants in the Fog للمخرج النيبالي أبيناش بیگرام شاه الذي يمزج بين الأسطورة والواقع السياسي وBenimana للمخرجة الرواندية ماري کلیمنتین دوسابيجامبو إضافة إلى Club Kid للمخرج الأميركي جوردان فيرستمان، الذي يدخل إلى عوالم الهوية والجسد وثقافة النوادي الليلية بلغة بصرية صادمة وجريئة.

أما أسبوع النقاد فيواصل تقاليده كأكثر اقسام المهرجان قربا من السينما الخام والبدايات الأولى... القسم هذا العام يميل بوضوح إلى الأفلام الشخصية الصغيرة التي تتعامل مع القلق المعاصر والهشاشة النفسية والعزلة مبتعدا عن الاستعراض البصري الصالح الصدق الإنساني والتجريب السردي.

وفي خارج المسابقة، يوازن المهرجان بين السينما الفنية والأعمال ذات الطابع الجماهيري والاحتفالي.. يبرز فيلم الافتتاح The Electric Kiss للمخرج الفرنسي بيير سالفادوري إلى جانب Her Private Hell للمخرج نيكولاس ويندينج ريفن، الذي يعود إلى كان بفيلم يوصف بأنه مزيج من العنف البصري والهوس النفسي كما يحضر الفيلم التاريخي La لأنطونان Bataille De Gaulle: L'Âge De Fer

بودري، وفيلم Karma للمخرج غيوم كانيه.

ما يميز كان 2026 في النهاية ليس فقط قوة الأسماء المشاركة بل شعور واضح بأن السينما نفسها تمر بلحظة مراجعة كبرى فبين أفلام تتحدث عن الذاكرة والهوية والخوف من المستقبل، وبين جدل الذكاء الاصطناعي الذي يحيط بالمهرجان منذ مؤتمره الأول، تبدو هذه الدورة كانها محاولة للدفاع عن السينما بوصفها تجربة بشرية لا يمكن اختزالها في خوارزمية أو معادلة تقنية هنا، لا تزال الصورة مرتبطة بمن يصنعها، لا يمن يبرمجها فقط.

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

كان 2026 .. ساحة صراع كبار السينمائى
..  الجزائرى لخضر حمينة يرحل بعـد تـرميم فيلمه «وقائع سنين الجمر» فى «

المزيد من فن

من خلال خمس مسرحيات كتب عادل إمام اسمه بين عمالقة الكوميديا

رغم غيابه عن الساحة الفنية منذ أن قرر الاعتزال، سيظل عادل إمام، الذي نحتفل بعيد ميلاده السادس والثمانين «مواليد 1940»،

عادل إمام.. 86 عاماً على ميلاد أيقونة فنية لا تتكرر

6 عقود زعيماً للفن العربى ساهم فى ترسيخ مكانة الفن المصرى كأحد أهم أدوات التأثير الثقافى

محسنة توفيق.. فنانة ملتزمة بقضايا الوطن حتى اللحظة الأخيرة

-قد تكون - يا عزيزي القارئ - شاهدت فيلم «الزمار» أو فيلم «العصفور» أو فيلم «حادثة شرف» وغيرها من الأفلام،...

«كان 2026» .. حين يتحول المهرجان إلى معركة من أجل روح السينما

كشفت الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، أن السينما العالمية لا تبدو منشغلة هذا العام فقط بالأفلام والنجوم والسجادة...