لا تندهش يا عزيزى القارئ من تذكُّرى«أم كلثوم» فى وقت ليس هو وقت ذكرى ميلادها أو ذكرى وفاتها، لأنها هى «كوكب الشرق»
التى أدركت قيمة نفسها وقيمة موهبتها وقيمة الوطن والثقافة التى تنتمى إليهما، فعاشت وفق هذا الإدراك، على سبيل المثال، عندما كان الملك فاروق «آخر حكام أسرة محمد على» يسعى نحو الشعب ويتقرب لجماعة الفن فى مصر، منح يوسف وهبى وسليمان نجيب لقب «البيكوية» وغنى له عبد الوهاب أغنيته التى ذكر فيها معنى رعايته الفن، ومنح المطربة الفلاحة القادمة من قرية طماى الزهايرة وسام الكمال، كان ذلك فى العام الفارق فى حياة فاروق، عام موت رائده أحمد حسنين باشا على كوبرى قصر النيل، وهروب أمه الملكة نازلى من مصر، حزناً على موت حسنين باشا«زوجها» الذى تزوجته بأمر ملكى، والتقرب إلى الفنانين، هو تقرب إلى الشعب، وكان فاروق يريد أن يتقرب إلى الشعب، بعد أن حطم طلبة جامعة فؤاد الأول صورته وهتفوا «الكساء يا ملك النساء» وما يهمنا هنا القول إن ـ وسام الكمال الذى منحه الملك فاروق للسيدة أم كلثوم، لم يمنع هذه السيدة العظيمة من التواصل مع رجال الجيش المحاصرين فى الفالوجا «فى حرب فلسطين 1948» والغناء بناء على طلبهم، وكانوا طلبوا منها غناء أغنية يحبونها، وهى نفسها التى استقبلت هؤلاء الضباط فى بيتها، وهى التى غنت لكل مناسبات الوطن، غنت لقرار تأميم القناة، وقبلها غنّت لنجاة عبد الناصر من محاولة اغتيال دبرها الإخوان ضده فى أكتوبر 1954، وغنت للوحدة العربية والعواصم العربية التى تحررت من قبضة الاستعمار، ولها أغنية مشهورة «بغداد يا قلعة الأُسود» ولما بلغ التوتر السياسى والعسكرى مداه فى الأيام التى سبقت «5 يونيو1967» غنت للجيش المصرى من أشعار صلاح جاهين «راجعين بقوة السلاح» وغنت لفلسطين «أصبح الآن عندى بندقية» من أشعار نزار قبّانى، وكانت الحفلات التى تبرعت بعوائدها لصالح المجهود الحربى وإعادة بناء الجيش المصرى عقب هزيمة «5 يونيو1967» خير دليل على عظمة هذه السيدة، سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنية والثقافة والإبداع العربى، ولمّا توفاها الله واختارها إلى جواره، خرج الشعب المصرى ليودعها، الوداع الذى يليق بمكانتها الكبيرة، أقول قولى هذا، لعل الذين يعبثون بتاريخ هذه السيدة الكبيرة المقام يرتدعون، ومن يريد معرفة تاريخ هذه السيدة يمكنه مشاهدة مسلسل «أم كلثوم» الذى أنتجه اتحاد الإذاعة والتليفزيون وأخرجته إنعام محمد على منذ سنوات.
الشهد والدموع على ماسبيرو زمان.. هكذا تكون الدراما الراقية
لو كتبنا مئات المقالات عن هذا المسلسل الرائع «الشهد والدموع» ما وفيناه حقه، لأنه من نوعية الدراما الإنسانية الراقية، ولعل أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ كانا يدركان «رحمهما الله» حجم التجربة الفنية التى خاضاها وأنجزاها معا منذ سنوات تزيد على الثلاثين، كان يعرفان أنهما يكتبان التاريخ الاجتماعى للشعب المصرى باستخدام السيناريو التليفزيونى المصوّر، وهذا هو سر جمال هذا المسلسل، ويستطيع المؤرخ أن يقول عنه إنه كتب تاريخ الطبقات الشعبية فى القاهرة فى الحقبة التى تلت سنوات الجفاف والأزمة الاقتصادية فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وهى سنوات سمحت بسقوط أقوام وارتفاع آخرين، انهيار أصحاب عقارات وأطيان، وارتفاع أسهم آخرين، استطاعوا الصعود من خانة ـ العمال إلى خانة المُلّاك، والمسلسل يروى قصة «الصنايعى» الذى كان يصنع الحلوى، والسيدة التى تربى عيالها بجلوسها إلى «ماكينة الخياطة» ويروى قصة الغناء والطرب الموروث عن العصر العثمانى، ويروى قصة العائلة المصرية الريفية التى انتقلت إلى القاهرة الشعبية «حى المغربلين» واستطاع أفراد منها اللحاق بالشركس والأتراك الذين أخنى عليهم الدهر، وصهروا هذه العائلات الشركسية والتركية التى فقدت سلطاتها وثرواتها ولم تجد وسائل للعيش غير الإصهار إلى هؤلاء الفلاحين الذين كانوا يعتبرونهم ـ الخدم ـ ويتعالون عليهم وعلى ثقافتهم، لدرجة أنهم كانوا لايتكلمون اللغة العربية فى قصورهم ويعتبرونها لغة وضيعة، يتكلمها الخدم «أولاد العرب» وحكايات وقصص كثيرة قدمها هذا المسلسل العميق المضمون، الممتع للمشاهد، بفضل السيناريو والإخراج والتمثيل الراقى المضبوط المنضبط لفريق من الممثلين الدارسين المحترفين المُدركين معنى التمثيل ومعنى الفن ودوره فى حيوات الناس.
نهاية الطريق.. هدى سلطان تتألق فى سينما الحارة الشعبية
السينما المصرية كانت تحب الطبقات الشعبية وتعيش على هواها، وهوى هذه الطبقات الكادحة يكمن فى الرقص الشرقى والغناء البلدى، والقصة التى فيها درس وحكمة وموعظة وصبر وحزن وعوض من الله للصابرين الذين رضوا بقضاء الله، وهذا الهوى الشعبى المصرى، جعل المنتجين فى الأربعينيات والخمسينيات والستينيات يقدمون الأفلام التى تحتوى هذه « الخلطة » وكان لابد من تصوير الحارة والقرية وتقديم أبطالها من الرجال وجميلاتها اللاتى يقع الرجال فى بحور عشقهن ويبعن الغالى والرخيص من أجل الفوز بقلوبهن، وكان فيلم «نهاية الطريق» للمخرج كمال عطية واحداً من هذه الأفلام الموجهة للطبقات الشعبية، وكتب قصته: كامل حفناوى، وأنتجه أحمد كامل حفناوى، وغنت فيه «هدى سلطان» أغنيات من تلحين محمد الموجى، والفيلم من إنتاج العام 1960، والفكرة التى قدمها الفيلم هى الصراع بين الولد وأبيه، وموضوع الصراع بينهما هى الفتاة الجميلة «شربات» المتطلعة للفوز بقلب رجل غنى ينقلها من حياة البؤس والحارة الضيقة وسكنى السطوح، إلى الغنى والثروة والسكنى فى حى الزمالك «حى الطبقة الغنية فى القاهرة الملكيّة» وكان جارها الشاب العامل فى المصنع، يدرس وفق نظام الانتساب فى كلية الحقوق، وهو الفنان «رشدى أباظة» ولما اطمأنت لإمكانية صعوده الاجتماعى وعمله بالمحاماة، تزوجته، ولكنه لم يحقق النجاح، ورسب فى السنة الأخيرة من سنوات الدراسة الجامعية، وانفصلت عنه وانتهى بها المطاف فى بيت ـ عباس فارس ـ المقاول وصاحب العمارة التى تسكن فيها، وكان ولده المنحرف ـ توفيق الدقن ـ يطمع فى شربات، وانتهى الأمر بأن قتل الولد أباه، وحُرم من التركة التى تركها الوالد الغنى المقتول، فالقاتل من أجل التعجيل بالحصول على الميراث، لا يرث وفق أصول الشريعة الإسلامية، وآلت التركة إلى ـ شربات ـ الزوجة التى كانت المفجر للحرب بين الولد وأبيه، وعاشت فى الحى الراقى وأصبحت تعيش عيشة الهوانم، ولكن«عمر الحريرى» النصّاب المحترف، نصب لها الفخّ، وسرق منها هذه الثروة بطرق غير مشروعة بالطبع، وكان «رشدى أباظة» هو الوحيد الذى نجح لأنه مشى فى الطريق المستقيم، حصل على ليسانس الحقوق وأصبح المحامى المشهور وعادت«شربات» بعد أن فقدت الثروة، طامعةً فى استعادة الزوج القديم الذى هجرته وطلبت منه الطلاق لأنه رسب فى امتحان الليسانس، لكنه رفض عودتها، لأن طريقه هو طريق الكفاح والصعود الشريف على سلّم الكفاح والعرق، وهذا هو الدرس الذى أراد المخرج توصيله للجمهور الشعبى، وكانت هدى سلطان موفقة ومتألقة للغاية فى أدائها شخصية شربات وكانت فى أعلى درجات أنوثتها فى هذا الفيلم الذى جمعها والفنان رشدى أباظة فارس أحلام السينما المصرية فى الخمسينيات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد بدء تصوير مسلسل "حق ضايع" أجواء احتفالية مميزة، مع عودة قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري إلى ساحة الدراما بعد غياب...
عاصر نجيب محفوظ منذ طفولته فى العقد الثانى من القرن العشرين أزهى عصور المسرح المصرى التى امتدت حتى الستينات،
فى فيلم قاع المدينة كانت « نيللى» تحب القاضى عبد الله، لكن القاضى كان يحب ذاته أكثر من الفتاة الجميلة...
ثورة 1936 كما لم تُروَ من قبل