من السهل أن نلاحظ أن شخصا يقاطع الآخرين أثناء الحديث، أو يبالغ في الدفاع عن رأيه، أو يتسرع في الحكم على الناس. وقد نندهش أحيانا لأن هذا الشخص لا يبدو مدركا لما يفعله، بينما نراه نحن بوضوح شديد.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
لكن المفارقة أن الموقف قد ينقلب تماما عندما نكون نحن أصحاب السلوك نفسه، فنجد لأنفسنا تفسيرا، أو نبرر تصرفنا بظروف الموقف، أو نقتنع أننا كنا مضطرين لما فعلناه. والغريب أننا لا نشعر أننا نمارس ازدواجية في المعايير، بل نعتقد أننا أكثر الناس موضوعية، وأن أحكامنا على أنفسنا عادلة كما هي على الآخرين. فكيف نرى انحيازات الآخرين بسهولة، بينما يصعب علينا أن نرى انحيازاتنا نحن؟
حين يصبح العقل محاميا عن نفسه
يميل الإنسان بطبيعته إلى الاعتقاد بأنه يفكر بطريقة منطقية وموضوعية، وأن الآخرين هم الأكثر تأثرا بالمشاعر أو الأحكام المسبقة. ويعرف علماء النفس هذا الميل باسم البقعة العمياء للانحياز (Bias Blind Spot)، وهو ميل الإنسان إلى ملاحظة الانحيازات لدى الآخرين أكثر من ملاحظتها في نفسه. ولا يعنى ذلك أننا نتعمد خداع أنفسنا، بل إن العقل يحاول باستمرار أن يحافظ على صورة إيجابية عن الذات، فيفسر أخطاءنا على أنها نتيجة للظروف، بينما يرى أخطاء الآخرين تعبيرا عن شخصياتهم. وهكذا يصبح من السهل أن نقتنع بأننا أكثر حيادا وإنصافا ممن حولنا، رغم أننا جميعا نقع في الانحيازات نفسها بدرجات مختلفة.
في الخلافات... لكل طرف روايته
يظهر هذا التأثير بوضوح في الخلافات الزوجية والأسرية. فكثيرا ما يشعر كل طرف أنه الأكثر هدوءا وعقلانية، وأن المشكلة تبدأ دائما من الطرف الآخر. وقد يقول الزوج إنه لم يرفع صوته إلا لأنه لم يجد من يستمع إليه، بينما ترى الزوجة أنها لم تغضب إلا بعد أن شعرت بعدم التقدير. كلاهما يملك تفسيرا منطقيا لسلوكه، وكلاهما يرى أخطاء الآخر أوضح من أخطائه. ولا يعنى ذلك أن أحدهما يتعمد تشويه الحقيقة، بل إن كل إنسان ينظر إلى الموقف من زاوية تجربته الخاصة، ويمنح نفسه من التفسيرات ما لا يمنحه للطرف الآخر، فيزداد اقتناعه بأنه الطرف الأكثر إنصافا.
في العمل.. نحن أكثر عدلا مما نظن
ولا يقتصر الأمر على العلاقات، بل يمتد إلى بيئة العمل أيضا. فقد ننتقد زميلا لأنه يرفض الملاحظات، بينما ننزعج نحن إذا وُجه إلينا النقد نفسه. وقد نصف مديرا بأنه متعنت لأنه تمسك برأيه، بينما نرى تمسكنا نحن بالرأي دليلا على الثبات والثقة بالنفس. بل قد نقتنع أننا نتخذ قراراتنا بناء على الحقائق، بينما يتأثر الآخرون بالأهواء والانفعالات، دون أن نتوقف لحظة لنسأل أنفسنا: هل يمكن أن أكون أنا أيضا متأثرا بما لا أراه؟ وهنا تكمن خطورة هذه البقعة العمياء، لأنها تجعل الإنسان يثق في موضوعيته أكثر مما ينبغي.
لماذا يصعب أن نرى أنفسنا؟
حين نحكم على الآخرين، نعتمد غالبا على ما نراه من سلوكهم، أما حين نحكم على أنفسنا فإننا نضيف إلى السلوك نوايانا، وظروفنا، وضغوطنا، وتاريخنا الشخصي. ولهذا قد نصف شخصا بأنه مهمل لأنه تأخر عن موعد، بينما نصف أنفسنا بأننا كنا مضطرين عندما نتأخر في الموقف نفسه. وقد نعتبر شخصا عنيدا لأنه دافع عن رأيه، بينما نرى دفاعنا نحن عن آرائنا دليلا على الاقتناع والتمسك بالمبادئ. لسنا نقيس الجميع بالمعيار نفسه، بل نستخدم معيارا لأنفسنا وآخر للآخرين دون أن نشعر بذلك.
حين تمنعنا الثقة من التعلم
المشكلة ليست في أن لدينا انحيازات، فهذه طبيعة بشرية، وإنما في اعتقادنا أننا أقل الناس تعرضا لها. فكلما ازداد يقين الإنسان بأنه موضوعي تماما، قلّ استعداده لمراجعة أفكاره أو الاستماع إلى وجهات نظر مختلفة. وقد يخسر فرصا كثيرة للتعلم، ليس لأنه يفتقد المعرفة، بل لأنه لا يرى أنه يحتاج إلى مراجعة نفسه. ولهذا كان التواضع الفكري من أهم الصفات التي تساعد الإنسان على النمو؛ لأنه يترك دائما مساحة لاحتمال أن يكون قد أغفل جانبا من الصورة أو أساء فهم موقف معين.
كيف نقترب من رؤية أنفسنا؟
لن نستطيع التخلص تماما من هذه البقعة العمياء، لكننا نستطيع أن نخفف أثرها. وقد يكون أول الطريق أن نسأل أنفسنا: لو قام شخص آخر بالتصرف نفسه الذى قمت به، هل كنت سأفسره بالطريقة نفسها؟ وهل أطلب من الآخرين ما لا أطلبه من نفسي؟ وهل أستمع إلى الرأي المختلف لأفهمه، أم فقط لأثبت أنني على حق؟ مثل هذه الأسئلة لا تقلل من ثقتنا بأنفسنا، لكنها تجعل هذه الثقة أكثر اتزانا، وتمنحنا قدرة أكبر على مراجعة أفكارنا قبل أن نحولها إلى حقائق لا تقبل النقاش.
حين يبدأ الوعي من الداخل
ربما لن نصل يوما إلى رؤية كاملة لأنفسنا، لكن مجرد إدراك أن لدينا نقاطا عمياء لا ننتبه إليها يجعلنا أكثر تواضعا، وأكثر استعدادا للمراجعة، وأقل استعجالا في إصدار الأحكام. فالإنسان الواعي ليس من يعتقد أنه لا يخطئ، بل من يعرف أن لديه دائما ما يمكن أن يتعلمه عن نفسه، وأن الحقيقة أكبر من زاوية نظر واحدة. وربما لا يكون أكبر ما يمنعنا من رؤية الحقيقة هو ما يخفي عنا، بل ما نظن أننا نراه بوضوح كامل، فنكف عن طرح الأسئلة ومراجعة أنفسنا.
وربما لا تكون أصعب حقيقة نكتشفها عن الآخرين... بل تلك التي نكتشفها عن أنفسنا.
نافذة للتأمل
عندما اختلفت مع شخص آخر أخر مرة.. هل فكرت يوما أن تسأل نفسك:
لو كنت مكانه... هل كنت سأرى الموقف بالطريقة نفسها؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم تكن الأخلاق النبوية في مكة المكرمة مجرد فضائل فردية أو نصائح إرشادية مجردة، بل كانت بنية تحتية لقيم مجتمعية...
لم يعد المتحدث الإعلامي مجرد موظف يتولى نقل بيانات المؤسسة أو الوزارة إلى وسائل الإعلام، وإنما أصبح واجهة حقيقية لها...
الشباب هم رجال وأمهات الغد وهم أمل المستقبل في الحياة، وعلى أيديهم تكون قيادة هذه الأمة في مختلف التخصصات، وقد...
يقدم الدستور المصري الحالي منظومة مهمة لحماية المرأة وتمكينها، لا من خلال مادة واحدة فقط، بل عبر عدد من المواد...