هناك جملة تتكرر في حياة كثير من الناس أكثر مما يلاحظون: "سأرتاح عندما..." سأرتاح عندما أتخرج. سأرتاح عندما أجد وظيفة أفضل. سأرتاح عندما أتزوج. سأرتاح عندما يكبر الأولاد. سأرتاح عندما تنتهي هذه الأزمة.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
تبدو الجملة منطقية في ظاهرها. فمن الطبيعي أن نتطلع إلى ظروف أفضل، وأن ننتظر انتهاء المراحل الصعبة، وأن نحلم بأيام أكثر هدوءا واستقرارا. لكن المشكلة لا تكمن في الحلم بالمستقبل، بل في أن يتحول المستقبل إلى المكان الوحيد الذي نسمح لأنفسنا أن نعيش فيه.
فنبدأ في تأجيل الراحة إلى وقت لاحق، وتأجيل الفرح إلى مرحلة أخرى، وتأجيل الحياة نفسها إلى موعد لم يأتِ بعد.
وكأن اللحظة الحالية ليست سوى غرفة انتظار طويلة.
الحياة التي نؤجلها كل يوم
لا أحد يستيقظ صباحا ويقرر أن يؤجل حياته عمدا. الأمر يحدث بهدوء وعلى مراحل صغيرة.
ننشغل بالدراسة لأن المستقبل أهم.ثم بالعمل لأن الاستقرار أهم.ثم بالمسؤوليات لأن الأسرة أهم.ثم بالالتزامات لأن الوقت لا يكفي.
وفي كل مرحلة نقنع أنفسنا أن الحياة الحقيقية ستبدأ بعد الانتهاء من هذه المهمة أو تلك المسؤولية.
لكن المراحل لا تنتهي.
وما إن نصل إلى محطة كنا نظنها نهاية الطريق، حتى تظهر محطة جديدة نؤجل إليها ما تبقى من أحلامنا وراحتنا وفرحنا.
وهم اللحظة المثالية
في أعماق هذه الفكرة يعيش اعتقاد خفي بأن هناك وقتا مثاليا سيأتي يوما ما.
وقت تصبح فيه الأمور مرتبة.وتقل فيه الضغوط.وتختفي فيه المشكلات.ونشعر أخيرا أننا نستحق أن نهدأ.لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.فلا توجد مرحلة خالية تماما من المسؤوليات، ولا عمر يخلو من التحديات، ولا طريق يخلو من بعض التعب.ولهذا فإن انتظار اللحظة المثالية قد يتحول إلى عادة طويلة من الانتظار.
حين تصبح السعادة مشروعا مؤجلا
المشكلة ليست في الطموح، ولا في السعي للأفضل، بل في أن نربط شعورنا بالحياة بشروط مؤجلة.
فنقول لأنفسنا:
سأكون سعيدا عندما...سأبدأ بالاهتمام بنفسي عندما...سأستمتع بحياتي عندما...
ومع الوقت يصبح الحاضر مجرد وسيلة للوصول إلى المستقبل.نعيش اليوم من أجل الغد.ثم نعيش الغد من أجل ما بعده.حتى نكتشف أننا أمضينا سنوات طويلة نستعد للحياة أكثر مما عشناها.
في العلاقات أيضا لا يقتصر الأمر على العمل أو الإنجاز.
أحيانا نؤجل الحب نفسه.نؤجل الجلسات العائلية.نؤجل السفر.نؤجل الحديث مع من نحب.نؤجل الاهتمام بأنفسنا وبعلاقاتنا.
نقنع أنفسنا أن الوقت سيأتي لاحقا.
لكن بعض الأشياء لا تنتظر إلى الأبد.
فالطفل الذي نؤجل اللعب معه يكبر.والصديق الذي نؤجل الاتصال به ينشغل بحياته.والسنوات التي نؤجل أن نعيشها تمضي بصمت.
الثمن الذي لا ننتبه إليه
وربما يكون أكثر ما يستحق التأمل في هذه الفكرة أننا كثيرا ما ندفع ثمنا مؤكدا مقابل شيء غير مؤكد.نتنازل عن لحظات نملكها الآن من أجل لحظات نتمنى أن تأتي لاحقا.
نؤجل الراحة.ونؤجل الفرح.ونؤجل التجارب التي تمنح الحياة معناها.
كل ذلك من أجل مستقبل لا نملك ضمانه بالكامل.
أما اللحظة الحالية، فهي الشيء الوحيد الذي نملكه فعلا.
ولهذا قد نجد أنفسنا بعد سنوات نكتشف أننا أنفقنا أعمارنا في انتظار غدٍ أفضل، بينما كان اليوم يمر أمامنا بصمت.
كنا ندفع أثمانا باهظة لأشياء لم نحصل عليها بعد، وفي المقابل كنا نخسر أشياء حقيقية كانت بين أيدينا دون أن نشعر بقيمتها.
فالمفارقة أن الإنسان أحيانا لا يخسر ما لا يملكه فقط...
بل يخسر ما يملكه بالفعل، وهو مشغول بما يتمنى أن يملكه.
الحياة تحدث الآن
ربما تكون هذه الفكرة هي الأصعب.الحياة لا تبدأ بعد الامتحان الأخير.ولا بعد الوظيفة المثالية.ولا بعد انتهاء كل المشكلات.ولا بعد أن يصبح كل شيء كما نريد.
الحياة تحدث الآن.
بكل ما فيها من نقص واكتمال.ومن راحة وتعب.ومن نجاح وتعثر.
ولهذا، فإن السؤال ليس متى تبدأ الحياة.بل كيف نتوقف عن تأجيلها.
من الطبيعي أن نحلم بالمستقبل، وأن نسعى إلى الأفضل، وأن ننتظر أياما أجمل.لكن ربما يكون من المؤلم أن نكتشف بعد سنوات أننا كنا نعيش وكأن حياتنا الحقيقية ستبدأ لاحقا.فالحياة ليست الجائزة التي نحصل عليها في نهاية الطريق.هي الطريق نفسه.وربما لا نحتاج دائما إلى مرحلة جديدة كي نشعر أننا نعيش...بل إلى أن ننتبه أكثر إلى المرحلة التي نحن فيها الآن.لأن الغد الذي ننتظره قد يأتي، وقد لا يأتي.أما هذه اللحظة...فهي الحياة التي بين أيدينا بالفعل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لماذا نؤجل أهم الأشياء... رغم أننا نعرف أنها قد تغيّر حياتنا؟
كشفت بعثة المجلس الأعلى للآثار بمنطقة آثار شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية عن بقايا مبنى أثري بمدينة "عسيلة" المندثرة، يرجح...
يُحتفل باليوم العالمي للشباب في 12 أغسطس من كل عام، تأكيدًا على الدور المحوري للشباب في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا...
لم تعد حركة الذهب في الأسواق العالمية مجرد انعكاس مباشر لتغيرات أسعار الفائدة الأمريكية أو تقلبات الدولار، كما جرت العادة...