في مرحلة ما من الحياة، يبدأ الإنسان في تكوين صورة واضحة عن العالم. يتعلم من تجاربه، ويكوّن قناعاته، ويصل إلى استنتاجات يراها منطقية ومبررة. وهذا أمر طبيعي؛ فالقناعات تساعدنا على فهم الحياة واتخاذ القرارات والشعور بالاستقرار.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
لكن المشكلة لا تبدأ حين نمتلك قناعة، بل حين تتحول هذه القناعة إلى شيء لا يقبل المراجعة.
في تلك اللحظة، لا يعود الإنسان يستخدم أفكاره لفهم الواقع، بل يبدأ في استخدام الواقع لتأكيد أفكاره. يبحث عما يثبتها، ويتجاهل ما يناقضها، ويشعر بالانزعاج من أي رأي مختلف، ليس لأنه بالضرورة رأي خاطئ، بل لأنه يهدد الصورة التي استقرت داخله.
وهنا، تتحول القناعة من وسيلة للفهم إلى جدار يمنع المزيد من الفهم.
لماذا نحتاج إلى القناعات؟
الحياة معقدة، والإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى والوضوح. لذلك تساعدنا القناعات على تنظيم العالم من حولنا. نكوّن أفكارًا عن الناس، وعن النجاح، وعن العلاقات، وعن أنفسنا. ومع الوقت، تصبح هذه الأفكار أشبه بخريطة نهتدي بها.
المشكلة أن الخريطة ليست الأرض نفسها.
فما كان صحيحًا في مرحلة معينة من حياتنا، قد يحتاج إلى مراجعة في مرحلة أخرى. وما نجح معنا في ظرف معين، قد لا يصلح لكل الظروف. لكن كلما طالت مدة تمسكنا بفكرة ما، أصبح التخلي عنها أصعب.
حين نتوقف عن الاستماع
من أخطر ما يحدث عندما تتصلب القناعات أن الإنسان يتوقف عن الاستماع الحقيقي. قد يبدو من الخارج أنه ينصت، لكنه في الداخل مشغول بالرد، أو بتأكيد وجهة نظره، أو بالبحث عن الثغرات في كلام الآخر.
في هذه الحالة، لا يعود الحوار مساحة للفهم، بل يتحول إلى محاولة لإثبات من يملك الحقيقة.
ولهذا السبب، لا تنشأ كثير من الخلافات لأن الناس لا يتحدثون، بل لأنهم يتحدثون دون أن يسمع بعضهم بعضًا بالفعل.
القناعة ليست المشكلة
من المهم أن نفرق بين امتلاك رأي، وبين التمسك به بشكل مطلق. فوجود القناعات جزء طبيعي من النضج، بل لا يمكن للإنسان أن يعيش دونها.
لكن النضج الحقيقي لا يظهر في امتلاك الإجابات فقط، بل في القدرة على مراجعتها حين تظهر معطيات جديدة.فالعقل المرن لا يعني عقلًا مترددًا، بل عقلًا قادرًا على التعلم.أما العقل الجامد، فيشعر أن أي مراجعة لفكرة قديمة هي تهديد لهويته الشخصية، لا مجرد تطوير لفهمه.
في العلاقات... ماذا يحدث؟
كثير من المشكلات بين الأزواج أو الأصدقاء أو أفراد الأسرة لا تبدأ من اختلاف الآراء، بل من اليقين المطلق.حين يقتنع كل طرف أنه يفهم الآخر تمامًا، أو أنه يعرف الدافع الحقيقي وراء كل تصرف، تتقلص مساحة الفضول والتساؤل.
بدل أن نسأل: "ماذا تقصد؟"
نبدأ في افتراض أننا نعرف الإجابة مسبقًا.
وبدل أن نحاول الفهم، نكتفي بالتفسير.
ومع الوقت، تصبح العلاقة مليئة بالأحكام الجاهزة أكثر من الحوار الحقيقي.
لماذا يصعب علينا المراجعة؟
لأن بعض القناعات لا ترتبط بالأفكار فقط، بل بالهوية. كلما عاش الإنسان سنوات أطول مع فكرة معينة، شعر أن التخلي عنها يشبه التخلي عن جزء من نفسه.
قد يخشى أن يبدو متناقضًا، أو أن يعترف بأنه كان مخطئًا، أو أن يفقد شعور الأمان الذي تمنحه له هذه القناعة.ولهذا، يكون التمسك بالفكرة أحيانًا أسهل من مواجهتها.
بين الثبات والمرونة
هناك فرق كبير بين الثبات على المبادئ، والجمود في التفكير.
الثبات يمنح الإنسان اتساقًا واستقرارًا.
أما الجمود، فيمنعه من النمو.
فالحياة تتغير، والناس يتغيرون، ونحن أنفسنا نتغير. وما لم نمنح أنفسنا فرصة لمراجعة بعض ما نؤمن به، قد نجد أننا نحاول فهم عالم جديد بأدوات قديمة.
كيف نعرف أننا أصبحنا أكثر يقينًا مما ينبغي؟
ربما يظهر ذلك حين يزعجنا الاختلاف أكثر من اللازم. أو حين نشعر أن كل من يخالفنا لا يفهم أو لا يدرك أو لا يرى الحقيقة.
وقد يظهر حين نتوقف عن طرح الأسئلة، ونكتفي بالإجابات التي نعرفها مسبقًا.
فالأسئلة غالبًا علامة حياة، أما اليقين المطلق فغالبًا ما يكون بداية التوقف.
القناعات مهمة، لكنها لم تُخلق لتغلق الأبواب، بل لتساعدنا على فهم ما وراءها.وربما لا تكمن الحكمة في أن نمتلك آراء قوية فقط، بل في أن نحتفظ بمساحة صغيرة تسمح لنا بالمراجعة والتعلم والتغيير.
فليست كل فكرة تمسكنا بها طويلًا صحيحة إلى الأبد.
وأحيانًا، لا يكون السجن جدرانًا تحيط بنا...
بل فكرة لم نعد نسمح لأنفسنا أن ننظر خارجها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في مرحلة ما من الحياة، يبدأ الإنسان في تكوين صورة واضحة عن العالم. يتعلم من تجاربه، ويكوّن قناعاته، ويصل إلى...
في معركة الوعي التي لا تقل أهمية عن معارك البناء والتنمية، يواصل مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أداء...
نتحدث اليوم عن "التحنيط في مصر القديمة" من واقع دراسة أثرية للباحث خالد ناصر عبد الهادي التي تكشف عن ما...
عندما تندلع الحروب، تتجه الأنظار عادة إلى ساحات القتال، وحركة الجيوش، والخسائر البشرية، وخرائط السيطرة والنفوذ. غير أن خلف هذه...