يحدث أحيانًا أن يجلس شخصان في المكان نفسه، ويشهدان الموقف نفسه، ثم يخرجان منه بقصتين مختلفتين تمامًا. كل واحد منهما يعتقد أنه يصف الحقيقة كما حدثت، وربما يدافع عنها بكل ثقة، بينما يراها الآخر بصورة مختلفة لا تقل اقتناعًا. لا أحد منهما يكذب، ولا يحاول تشويه الواقع، ومع ذلك يبدو وكأن كلاً منهما عاش تجربة مختلفة.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
يتكرر هذا المشهد بين الأزواج، وبين الآباء وأبنائهم، وبين الأصدقاء وزملاء العمل، حتى يخيل إلينا أن المشكلة ليست دائمًا فيما حدث، بل في الطريقة التي فهم بها كل واحد منا ما حدث. وهنا يفرض سؤال نفسه: هل نرى العالم كما هو فعلًا، أم أننا نرى الصورة التي رسمتها عقولنا عنه؟
الخريطة التي نحملها داخلنا
منذ أكثر من تسعين عامًا، حاول الفيلسوف وعالم الدلالة البولندي الأمريكي ألفريد كورزيبسكي أن يفسر هذه الظاههرة، فصاغ عبارته الشهيرة: "الخريطة ليست الأرض." وقد وردت هذه الفكرة في كتابه Science and Sanity الصادر عام 1933.
وللوهلة الأولى قد تبدو العبارة غريبة، لكنها تحمل معنى عميقًا؛ فالخريطة تساعدنا على الوصول إلى المكان، لكنها ليست المكان نفسه. إنها تختصر الواقع، وتنتقي منه ما تراه مهمًا، وتحذف تفاصيل كثيرة.
والأمر نفسه يحدث داخل عقولنا؛ فنحن لا نستقبل العالم كما هو بصورة مباشرة، بل نبني عنه خرائط داخلية تتشكل من تجاربنا، وتربيتنا، وذكرياتنا، وقيمنا، ومخاوفنا، وحتى الكلمات التي سمعناها في طفولتنا.
لذلك لا يرى شخصان العالم بالطريقة نفسها، حتى لو عاشا التجربة ذاتها، لأن كل واحد منهما ينظر إلى الواقع من خلال خريطته الخاصة.
عندما تختلف الخرائط
ربما تبدأ من هنا كثير من المسافات التي تنشأ بين الناس. ففي العلاقات الزوجية مثلًا، قد تقول الزوجة إن زوجها لم يعد يهتم بها، بينما يشعر الزوج أنه لم يقصر يومًا في حق أسرته. هي ترى الاهتمام في الحوار والإنصات والوقت، بينما يراه هو في تحمل المسؤولية وتوفير الأمان.
كلاهما يتحدث بصدق، لكن كل واحد يقرأ الموقف من خريطة مختلفة. والأمر نفسه قد يحدث في العمل، حين نفسر تصرف مدير أو زميل وفق انطباع قديم، فنصبح نبحث – دون أن نشعر – عن كل ما يؤكد هذا الانطباع، ونتجاهل ما قد يناقضه. نحن لا نرى الواقع فقط، بل نرى الواقع كما تسمح لنا خرائطنا أن نراه.
الخرائط القديمة
ولا تقف هذه الخرائط عند نظرتنا إلى الآخرين، بل تمتد إلى علاقتنا بأنفسنا وبأبنائنا. فكثيرًا ما يظل الأب يرى ابنه ذلك الطفل الذي يحتاج إلى التوجيه، رغم أنه أصبح شابًا قادرًا على تحمل المسؤولية، وتستمر الأم في معاملة ابنتها وفق صورة قديمة لم تعد تعبر عنها.
والأمر نفسه يحدث مع الذات؛ فقد يظل الإنسان يردد في داخله عبارات مثل: "أنا لا أنجح"، أو "أنا ضعيف"، أو "أنا لا أستحق"، رغم أن حياته تغيرت واكتسب خبرات وحقق نجاحات كثيرة. لكن الخريطة القديمة بقيت كما هي، فأصبح يحاكم نفسه بعين الماضي، لا بعين الحاضر. قد تتغير حياتنا، بينما تبقى الصورة التي نحملها عن أنفسنا ثابتة لا تتغير.
حين تصبح الخريطة حقيقة
تكمن المشكلة الحقيقية حين ننسى أن ما نحمله ليس الواقع، بل مجرد تفسير له. فنبدأ في التعامل مع خرائطنا باعتبارها الحقيقة الكاملة، ونفسر كل موقف بما يؤكدها، ثم نستغرب لماذا يختلف الآخرون معنا أو لماذا لا يرون ما نراه واضحًا.
وربما لا يكون السبب أنهم لا يفهمون، بل أنهم ينظرون إلى الموقف من خريطة مختلفة. واختلاف الخرائط لا يعني أن الحقيقة غير موجودة، ولا أن كل الآراء صحيحة بالقدر نفسه، لكنه يذكرنا بأن الحقيقة أكبر من زاوية واحدة، وأن الإنسان أكثر اتساعًا من الانطباع الذي نحتفظ به عنه.
هل يمكن تحديث الخريطة؟
لعل أجمل ما تمنحنا إياه هذه الفكرة أنها تدعونا إلى مراجعة خرائطنا من وقت لآخر. أن نسأل أنفسنا: هل ما زلت أرى هذا الإنسان كما هو اليوم، أم كما كان منذ سنوات؟ هل أتعامل مع أبنائي كما أصبحوا، أم كما كانوا؟ هل أحاكم نفسي بما أنا عليه الآن، أم بصورة قديمة لم أعد أشبهها؟ فالحياة لا تتوقف عن التغير، والناس يتغيرون، ونحن أيضًا نتغير، لكن كثيرًا من خرائطنا تتوقف عند لحظة معينة، ثم نواصل العيش بها وكأنها الحقيقة النهائية.
وربما لا نستطيع أن نعيش بلا خرائط، فهذا جزء من طبيعة العقل البشري، لكننا نستطيع أن نتذكر دائمًا أنها ليست الأرض. وأن الواقع أوسع من تفسير واحد، والإنسان أكبر من صورة واحدة، والحياة أغنى من أن تختصرها تجربة واحدة أو انطباع واحد. وربما لا يكون نضجنا الحقيقي في أن نرسم خرائط أكثر دقة، بل في أن نظل مستعدين لتعديلها كلما اكتشفنا أن الواقع أوسع مما كنا نظن.
نافذة للتأمل
ما الخريطة القديمة التي ما زلت تحملها عن شخص قريب منك، رغم أنه ربما لم يعد الشخص نفسه؟وهل توجد خريطة قديمة عن نفسك ما زالت تمنعك من رؤية الإنسان الذي أصبحت عليه اليوم؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يحدث أحيانًا أن يجلس شخصان في المكان نفسه، ويشهدان الموقف نفسه، ثم يخرجان منه بقصتين مختلفتين تمامًا. كل واحد منهما...
احتفلت محافظة القاهرة في 6 يوليو بعيدها القومي، وهي المناسبة التي تستعيد فيها المدينة صفحات من تاريخها الممتد لأكثر من...
لم تعد الثروة تبحث عن أقرب ميناء أو أكبر حقل نفطي، بل عن أسرع مسار للبيانات وأقوى بنية رقمية. وبينما...
فيروس نوروفيروس يسمى أيضا بـ"أنفلونزا المعدة"، وهو السبب الرئيسي للقيء والإسهال الناتج عن التهاب المعدة والأمعاء. نوروفيروس من أبرز مسببات...