هل البودكاست موضة العصر أم تحوّل نوعي في الإعلام؟

في كل حقبة إعلامية تظهر وسيلة جديدة يُسارع البعض إلى وصفها بـ«الموضة»، قبل أن يتبيّن مع الزمن إن كانت موجة عابرة أم تحوّلًا راسخًا يعيد تشكيل عادات الإنتاج والتلقي معًا. هكذا بدأت الصحافة المطبوعة، ثم الإذاعة، فالتلفزيون، وصولًا إلى المنصات الرقمية. واليوم يقف البودكاست في قلب هذا الجدل: هل نحن أمام ظاهرة مؤقتة أم أمام انعطافة حقيقية في الثقافة الإعلامية؟

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

لغويًا، تعود كلمة Podcast إلى دمج كلمتي “iPod” و“Broadcast”، وظهرت لأول مرة عام 2004 على يد الصحفي البريطاني Ben Hammersley في صحيفة The Guardian. عربيًا، استقر الاستخدام على لفظ «بودكاست»، مع محاولات تعريب مثل «التدوين الصوتي» أو «النشر الصوتي»، لكنها لم تحظَ بالانتشار ذاته.

فنيًا، البودكاست هو محتوى صوتي – وأحيانًا مرئي – يُنتج في حلقات دورية، ويُنشر عبر الإنترنت ليستمع إليه الجمهور في أي وقت يشاء. وقد أسهمت منصات مثل Spotify وApple في ترسيخه عالميًا، بينما وفّر YouTube مساحة واسعة لانتشاره بصيغته المرئية.

بين الحرية والضوابط

من الناحية التقنية، لا يحتاج إنتاج البودكاست إلى أكثر من ميكروفون جيد ومنصة نشر، ما جعله وسيلة ديمقراطية متاحة للأفراد خارج المؤسسات الإعلامية الكبرى.

غير أن سهولة الإنتاج لا تعني غياب الضوابط. فهناك أطر قانونية عامة تتعلق بالتشهير، وحقوق الملكية الفكرية، وخطاب الكراهية. كما توجد معايير مهنية وأخلاقية، مثل التحقق من المعلومات، ووضوح المصادر، والفصل بين الرأي والخبر، واحترام الخصوصية.

الإشكالية أن بعض صانعي المحتوى يتعاملون مع البودكاست بوصفه مساحة شخصية مطلقة، فيغيب التحرير المهني لصالح الانطباعات غير الموثقة، ما يضعف الثقة ويحوّل المنصة من مساحة معرفة إلى ساحة آراء متضاربة.

إيجابيات تعيد الاعتبار للصوت

تبرز قوة البودكاست في عدة جوانب.
أولا: يمنح مساحة للتعمق في زمن السرعة؛ إذ يمكن لحلقة واحدة أن تمتد لساعة أو أكثر، فتتيح تفكيك الأفكار بعيدًا عن اختزال العناوين.
ثانيًا: يعيد الاعتبار لفن الإصغاء في ثقافة طغت عليها الصورة.
ثالثًا: يخلق علاقة حميمة بين المتحدث والمستمع، فالصوت يحمل نبرة وانفعالًا لا تنقله الكلمات المكتوبة. رابعًا، يفتح المجال أمام أصوات جديدة خارج النخب الإعلامية التقليدية.

في المقابل، لا تخلو التجربة من سلبيات. من أبرزها

- غياب المعايير التحريرية الصارمة لدى بعض المنتجين، وانتشار المعلومات غير الدقيقة، وتحول بعض الحلقات إلى منصات ترويج مقنّع أو إثارة مجانية كما أن طول الحلقات قد يصبح عبئًا إذا غاب الإعداد الجيد.
ويضاف إلى ذلك خطر «فقاعة الاهتمام»، حيث يميل المستمع إلى متابعة ما ينسجم مع قناعاته، ما يعزز الاستقطاب بدل توسيع أفق الحوار.

السمعي أم المرئي؟

النسخة السمعية تمنح المستمع حرية الحركة؛ يمكنه الاستماع أثناء القيادة أو المشي أو العمل. وهي تعتمد أساسًا على قوة الفكرة والأداء الصوتي. أما النسخة المرئية فقد أضافت بعدًا تعبيريًا عبر لغة الجسد، ووسّعت الانتشار بفضل خوارزميات تفضّل الفيديو.

لكن هذا التحول يطرح سؤالًا مهنيًا:

هل ما يُبث عبر الفيديو يظل بودكاست، أم يتحول إلى برنامج حواري رقمي بديكور مختلف؟

تتجلى هذه الإشكالية في تجارب شهيرة مثل برنامج The Joe Rogan Experience، الذي بدأ صوتيًا قبل أن يصبح ظاهرة مرئية واسعة الانتشار.
هل تقتصر الصيغة على محاور وضيف؟

تعتمد كثير من الحلقات على ثنائية محاور وضيف، وهي صيغة تمنح الحوار تركيزًا وعمقًا وتقلل من الفوضى. لكنها ليست قالبًا ملزمًا. يمكن للبودكاست أن يتطور إلى «مائدة مستديرة» تضم أكثر من مشارك، أو ما يُسمى «مالتي كاست». غير أن تعدد الأصوات يتطلب إدارة حوارية محكمة، خاصة في النسخة الصوتية التي تفتقد الإشارات البصرية المنظمة للكلام.

تاريخيًا، عرفت الإذاعات برامج المائدة المستديرة منذ عقود. الجديد في البودكاست ليس الفكرة، بل مرونته التقنية وقدرته على الجمع بين الطابع غير الرسمي والإنتاج الاحترافي في آن واحد، فضلًا عن سهولة التسجيل عن بُعد دون تعقيدات لوجستية كبيرة.

موضة أم مرحلة جديدة؟

ربما بدأ البودكاست موجة مرتبطة بطفرة المنصات الرقمية، لكنه اليوم يبدو أقرب إلى تحوّل ثقافي في طريقة استهلاك المحتوى. فقد انتقل الجمهور من انتظار البث في موعد محدد إلى اختيار ما يسمع ومتى يسمع. هذا التحول يعكس نزعة فردية في التلقي، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال لتعدد الأصوات والرؤى وتحفظي المهني أن فورمات الهواء أكثر جاذبية من الفورمات المسجلة لما للهواء المباشر من ميزة تفاعلية !

في النهاية، لا تكمن قيمة البودكاست في شكله، بل في مضمونه. فكما لم تكن الصحافة مجرد ورق، ولا التلفزيون مجرد شاشة، لن يكون البودكاست مجرد ميكروفون وكاميرا. قيمته تُقاس بقدرته على إنتاج معرفة رصينة، وحوار مسؤول، وسرد جذاب يحترم عقل الجمهور بدل مطاردة «الترند».

وعليه، البودكاست ليس موضة عابرة بقدر ما هو محطة في مسار تطور الإعلام. قد تتغير أدواته وأشكاله، وقد ينتقل من ثنائية الحوار إلى تعددية الأصوات، لكن جوهره سيبقى مرتبطًا بحاجة الإعلامي الدائمة إلى أن يحكي مرة وأن يُنصت مرات وفي اعتقادي أن هذه ( تيمة ) النجاح التي يجهلها كثيرون ممن يعملون أمام الكاميرا أو الميكروفون !

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أيمن عدلي
الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد

المزيد من مقالات

قصة القزم الراقص

يوجد في المتحف المصري بالتحرير تابوت أثري فريد يعود لشخصية قزم يدعى "جد حر" (أو يُعرف أحيانًا بـ "چيحو")، وهو...

أوروبا تستعد لعالم الصدمات

لم تعد أوروبا تتعامل مع الأمن باعتباره ملفًا عسكريًا منفصلًا عن الاقتصاد والمجتمع، بل بدأت تعيد تعريف مفهوم الأمن نفسه...

من القاهرة إلى القاهرة

ليس كل ما يدور في أروقة الساسة يُكتب في البيانات، وليس كل ما يُطرح في اللقاءات يكشف وحده ما وراءها....

آداب طالب العلم

يعد طلب العلم في الإسلام رسالة سامية تتجاوز حدود التحصيل الذهني إلى بناء الإنسان روحا وسلوكا، فهو عبادة قلبية تقرب...


مقالات

قصة القزم الراقص
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 01:00 م
أوروبا تستعد لعالم الصدمات
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 10:00 ص
من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م