شهد الإعلام الرقمي خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا غير مسبوق، مع دخول تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) إلى صلب العملية الإعلامية.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
لم يعد الأمر مجرد تطوير في أدوات العرض، بل أصبح تحولا في طبيعة التجربة الإعلامية ذاتها، حيث لم يعد الجمهور متلقيا سلبيا، بل شريكا فاعلا يعيش الحدث ويتفاعل معه.
في الماضي، كان الإعلام التقليدي قائما على نقل الخبر في صورته النصية أو المرئية، مع هامش محدود من التفاعل. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان أن يدخل المستخدم إلى قلب الحدث، يتجول داخل بيئته، ويتابع تفاصيله من زوايا متعددة.
هذه النقلة النوعية جعلت من المعلومة تجربة حسية ومعرفية في آن واحد، حيث يندمج الإدراك البصري مع التفاعل الشخصي، ما يعزز من ترسيخ الفكرة في ذهن المتلقي.
تتيح تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز إمكانيات غير محدودة لمحاكاة الأحداث المعقدة، سواء كانت كوارث طبيعية أو نزاعات سياسية أو حتى تجارب علمية دقيقة و هذا النوع من السرد التفاعلي يمنح الجمهور شعورا قويا بالحضور، ويقربه من فهم السياقات المعقدة بطريقة أكثر عمقا مقارنة بالوسائط التقليدية. كما أن كسر قيود الزمان والمكان يتيح للمستخدم حرية استكشاف القصة، واختيار مسار التفاعل، ما يحول الخبر من محتوى جامد إلى منتج جاذب.
لكن، رغم هذه الإمكانيات الهائلة، تبرز إشكالية جوهرية تتمثل في اختلاط الواقع بالحقيقة الرقمية.
ومع تطور أدوات إنتاج المحتوى، أصبح من الممكن خلق مشاهد افتراضية تحاكي الواقع بدرجة يصعب معها التمييز بين الحقيقي والمصطنع، خاصة بالنسبة لغير المتخصصين.
وقد يجد المتلقي نفسه أمام محتوى بصري يبدو واقعيا بالكامل، لكنه في الحقيقة نتاج خوارزميات وتقنيات ذكاء اصطناعي.
هذه الإشكالية لا تتوقف عند حدود الالتباس المعرفي، بل تمتد إلى التأثير على الرأي العام. إذ يمكن توظيف هذه التقنيات لتوجيه المشاعر والانطباعات بشكل غير مباشر، من خلال تصميم بيئات بصرية أو سرديات تفاعلية تحمل رسائل ضمنية.
وهنا يتحول الإعلام من ناقل للمعلومة إلى صانع للإحساس، وهو ما يفرض تحديات أخلاقية ومهنية عميقة.
من هذا المنطلق، تزداد مسؤولية الإعلاميين بشكل كبير ولم يعد دورهم مقتصرا على جمع المعلومات وصياغتها، بل أصبحوا مطالبين بفهم أدوات التصميم الرقمي، وآليات البرمجة، وتأثيرات المحتوى على نفسية الجمهور.
إن الإعلامي اليوم هو مخرج لتجربة متكاملة، وعليه أن يوازن بين الإبداع والمصداقية، وبين التأثير والشفافية كما تبرز الحاجة إلى وضع معايير واضحة للتحقق من المحتوى الرقمي، تضمن الفصل بين ما هو واقعي وما هو مُنشأ، وتوفر للمستخدم أدوات تساعده على التمييز.
يمكن القول إن المصداقية لم تعد مسألة نقل خبر صحيح فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضا بكيفية تقديم هذا الخبر وسياقه البصري والتفاعلي.
في المقابل، لا يمكن إغفال الجوانب الإيجابية لهذه التقنيات حيث يتيح الواقع الافتراضي إمكانيات تعليمية وتنويرية هائلة، من خلال إعادة بناء الأحداث التاريخية، أو محاكاة الأزمات، أو تبسيط المفاهيم العلمية المعقدة.
إن هذه الاستخدامات تعزز من قدرة الجمهور على الفهم والاستيعاب، وتحول المعرفة إلى تجربة معاشة.
في النهاية، يمثل المزج بين الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي في الإعلام الرقمي سلاحا ذا حدين هو يفتح آفاقا واسعة لتطوير المحتوى وتعميق تأثيره، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بالحقيقة والمصداقية.
وبين هذين البعدين، يبقى الوعي المهني للإعلامي، والوعي النقدي للجمهور، الضمانة الحقيقية للحفاظ على توازن دقيق بين الواقع والخيال!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...
لم تعد قضية المرأة في مصر مجرد ملف اجتماعي أو عنوان موسمي يتجدد مع شهر مارس، بل أصبحت مدخلًا حقيقيًا...
في بعض الفترات، لا يكون الألم هو المشكلة الأساسية، بل غياب الشعور نفسه؛ تستيقظ في يومك، تمارس ما اعتدت عليه،...
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، يبرز اسم المستشار الدكتور عادل ماجد كأحد أبرز الخبراء الدوليين الذين...