منذ أن بدأ الإنسان يتواصل مع أخيه الإنسان في بدء الخليقة وُلدت فكرة "الإعلام" بوصفها نقلًا للمعرفة والخبر، وتكوينًا للرأي، وتوجيهًا للسلوك.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
إن الإعلام ليس آلة أو وسيلة تم اختراعها حديثًا وارتبطت بالمطبعة أو الشاشة، بل هو وظيفة قديمة قِدم الاتصال البشري نفسه.
1) الهدهد.. أول مراسل أخباري في التاريخ:
إذا أردنا أن نبحث عن أول "مراسل أخباري" في التاريخ وفق التصور القرآني، نجد أنفسنا أمام قصة فريدة في سورة النمل، بطلها طائر صغير هو الهدهد في عهد نبيّ الله سليمان عليه السلام و يقول الله سبحانه وتعالى على لسان الهدهد: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (النمل: 22).
هذه الآية القرآنية القصيرة تختزل أركان العمل الإعلامي الرصين: الإحاطة، والتحقق، واليقين. فالهدهد لم يأتِ بخبر عابر، ولم ينقل شائعة، بل قدّم "نبأً يقينًا"، أي خبرًا موثقًا قائمًا على المعاينة المباشرة. بل إنه قدّم تحليلًا أوليًا للمشهد حين قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، وهنا جمع بين نقل المعلومة ووصف السياق السياسي، ثم أضاف البعد التفسيري: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فحدّد مكمن الخلل القيمي.
وتتجلى صورة الهدهد بوصفه أول "مراسل ميداني" في التاريخ رصد الحدث، وجمع المعطيات، ثم قدّمها بوضوح، وربطها بالمعيار القيمي.
2) التثبت.. مبدأ قرآني في العمل الإعلامي:
ولم يقبل سليمان الخبر دون تحقق، بل قال: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فكان في ذلك تأسيس مبكر لمبدأ التثبت الذي يؤكد عليه القرآن أيضًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6).
إن الإعلام في الرؤية القرآنية ليس مجرد نقل، بل مسؤولية أخلاقية تقوم على الصدق والتحقق.
3) الإعلام في السنة النبوية والتاريخ الإسلامي:
وإذا انتقلنا إلى السنة النبوية الشريفة وجدنا أن وظيفة "الإعلام" كانت حاضرة بقوة فقد اعتمد النبي محمد عليه الصلاة والسلام على الرسل والسفراء لنقل الرسائل إلى الملوك، كما فعل حين أرسل الكتب إلى قيصر وكسرى والنجاشي.
وكانت الخطبة النبوية على المنبر وسيلة إعلام جماهيرية تُبلغ الناس بالأحكام والمستجدات.
بل إن الأذان نفسه كان شكلاً من أشكال الإعلام المنظّم، يُعلن دخول الوقت ويدعو الناس إلى الاجتماع.
أما مهنة المذيع في عصرنا، فإن جذورها التاريخية تعود إلى "المنادي" الذي كان يجوب الأسواق والطرقات، ناقلًا أوامر الحاكم أو مُعلنًا الأخبار العامة. كان صوته هو الوسيلة، وصدقه هو رأس ماله. هذه الصورة نجدها واضحة في المجتمع الإسلامي المبكر، إذ كان المنادي يُبلغ الناس بقرارات الدولة، كما في إعلان الجهاد أو تنظيم الصدقات.
ومع اتساع الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، برزت الحاجة إلى منظومة إدارية وإعلامية أكثر تنظيمًا، فكان عمر يخرج بنفسه ليخاطب الناس، ويقف على المنبر ليشرح السياسات، ويستمع إلى النقد العلني، في مشهد يجمع بين الإعلام والمساءلة.
4) تطور الإعلام بعد عصر الخلفاء:
في العهد الأموي، تطورت أدوات التواصل الرسمي، وبرزت الخطب الجامعة التي تُلقى في المساجد الكبرى، خاصة في عاصمة الخلافة دمشق. كان الخليفة أو ولاته يوجهون الرسائل السياسية عبر المنبر، وهو ما يُشبه "البث المباشر" بلغة العصر.
ومع قيام الدولة العباسية واتخاذ بغداد عاصمة لها، ازدهرت حركة التدوين والترجمة، وأصبح "الخبر" يُكتب ويُنقل عبر شبكات واسعة من الرواة والمؤرخين. وظهر دور "الحكماء" الذين كانوا بمثابة محللين ومعلقين على الأحداث، يُرجع إليهم الناس في الفهم والتأويل.
لقد كان الحكماء يمثلون ضمير المجتمع الفكري. لم يكونوا مجرد ناقلين للأخبار، بل مفسرين لها، يربطون الوقائع بالمبادئ. وهذا الدور هو نفسه ما يقوم به المحلل أو المعلق السياسي اليوم، حين يقرأ الحدث في ضوء القيم والمعايير. الفرق بين المراسل ورئيس التحرير هو ذاته الفرق بين الهدهد الذي نقل الخبر، وسليمان الذي نظر فيه وقرّر بناء عليه.
5) النبأ والخبر.. رؤية قرآنية للأبعاد المهنية
ومن اللافت أن القرآن يميز بين "النبأ" و"الخبر". فالنبأ في الأغلب يُطلق على الخبر العظيم ذي الشأن، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ (النبأ: 1-2). وهذا يحمّل الإعلامي مسؤولية التمييز بين ما هو عابر وما هو جوهري. ليس كل ما يُنقل يستحق أن يبث أو ينشر ، وليس كل حدث "نبأً" يتحول إلى قصة إخبارية وهنا يكرس المفهوم القرآني أخلاقيات المهنة الحديثة التي تفرّق بين الخبر المهم والضجيج.
6) الإعلام بين الماضي والحاضر:
إن القول بأن الهدهد هو أول مراسل أخباري ليس مبالغة، بل قراءة رمزية عميقة؛ فهو أول من قدّم نموذجًا متكاملًا للعمل الإعلامي: مبادرة ذاتية، إحاطة بالموضوع، تحقق من الوقائع، ووعي بالقيمة. وجاء بنبأ يقين، لا ظن فيه ولا تهويل. وفي المقابل، أسّس القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي لمبدأ الرقابة الأخلاقية على الإعلام: التثبت، والعدل، وعدم إشاعة الفاحشة، وتحريم الكذب والبهتان.
وعبر العصور، ظل الإعلام وظيفة مركزية في بناء الوعي الجمعي من المنادي في الأسواق، إلى الخطيب على المنبر، إلى الكاتب في ديوان الخلافة، وصولًا إلى المذيع خلف الكاميرا اليوم وهكذا تغيرت الوسائل، لكن الجوهر واحد ( نقل الحقيقة، وصياغة الفهم، وتوجيه الرأي العام).
وإذا كان الإعلام المعاصر يملك أدوات تقنية هائلة، فإن التحدي الأخلاقي الذي واجهه الهدهد ما زال قائمًا هل نأتي بالنبأ يقينًا، أم نكتفي بالسبق والانتشار؟
7) خلاصة القول :
إن استحضار قصة الهدهد يعيدنا إلى أصل الفكرة... الإعلام أمانة ورسالة قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية قبل أن يكون شهرة.
وكما قال الهدهد: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، ينبغي لكل إعلامي أن يسأل نفسه: هل ما أنقله يقين؟ وهل يحقق مصلحة الناس ويهديهم إلى الحق؟ هنا يلتقي الماضي بالحاضر، ويتأكد أن الإعلام – في جوهره – قديم قِدم الإنسان، لكنه لا يزدهر إلا إذا استند إلى الصدق، والوعي، والقيم !
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...
نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...
"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...