قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن تُعلن التحالفات الجديدة، تكون هناك جهة واحدة قد اتخذت قرارها بالفعل: البنوك المركزية. في صمتٍ كامل، بعيدًا عن شاشات المؤتمرات الصحفية وضجيج التصريحات السياسية، تُعاد كتابة خريطة العالم داخل خزائن مغلقة لا يدخلها إلا الأرقام والحقائق الباردة.
نهال الشافعىماجستير علوم سياسية و استراتيجية ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
وحين تبدأ هذه الخزائن في الامتلاء بالذهب بوتيرة غير مسبوقة، فذلك لا يكون مصادفة، ولا انعكاسًا لهلع اقتصادي، بل إشارة مبكرة على أن النظام الدولي نفسه دخل مرحلة إعادة تموضع.
الذهب، في هذه اللحظة التاريخية، لم يعد أصلًا ماليًا تقليديًا، ولم يعد مجرد أداة تحوط في مواجهة التضخم أو اضطراب الأسواق.
ما يجري اليوم أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام تحوّل في وظيفة الذهب من مخزن للقيمة إلى تعبير سيادي عن انعدام الثقة. فالدول لم تعد تخشى الخسارة المالية بقدر ما تخشى فقدان السيطرة على احتياطياتها في عالم باتت فيه العملات، وأنظمة الدفع، وحتى البنوك، أدوات ضغط سياسي قابلة للتوظيف عند الضرورة.
هذا التحول لا يمكن فصله عن المشهد الجيوسياسي المتوتر الذي يتشكل على أطراف النظام الدولي.
فالتصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، والضغط المتزايد على الصين في شرق آسيا، وما يصاحبه من محاولات حصار استراتيجي غير معلن، كلها مؤشرات على أن الصراع لم يعد محصورًا في ساحات القتال أو غرف التفاوض.
إنه صراع على قواعد اللعبة نفسها. ومع كل أزمة جديدة، يتأكد لصناع القرار أن الأصول المالية لم تعد محايدة كما كانت، وأن القدرة على الوصول إلى الاحتياطي قد تصبح في لحظة ما جزءًا من أدوات الصراع.
من هنا، يصبح الذهب خيارًا سياديًا بامتياز. فهو الأصل الوحيد الذي لا يحتاج إلى نظام مصرفي عابر للحدود، ولا يخضع لسلطة سياسية خارجية، ولا يمكن تجميده بقرار. ولهذا تعود إليه الدول حين تشعر أن شبكة الأمان التي وفرها النظام الدولي لعقود بدأت تتآكل. فالقلق لم يعد مرتبطًا بأزمة بعينها، بل بإدراك متزايد أن مرحلة الاستقرار الطويلة تقترب من نهايتها.
اللافت أن هذا التحول يتم في هدوء كامل. لا بيانات رسمية تتحدث عن سباق الذهب، ولا حملات إعلامية لتبريره. البنوك المركزية تشتري، وتصمت. وهذا الصمت في حد ذاته رسالة. رسالة مفادها أن المرحلة المقبلة لن تكون امتدادًا طبيعيًا لما سبقها، وأن الاعتماد المفرط على منظومة مالية واحدة لم يعد رهانًا آمنًا في عالم سريع التبدل.
في هذا السياق، لا يبدو الذهب ملاذًا تقليديًا، بل أداة لإدارة المخاطر الاستراتيجية. فالدول التي تعيد ترتيب احتياطياتها لا تراهن على انهيار وشيك، لكنها تتحسب لعالم أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ميلًا لاستخدام الاقتصاد كسلاح. وفي مثل هذا العالم، تصبح القدرة على الصمود المالي عنصرًا أساسيًا من عناصر القوة، لا يقل أهمية عن التفوق العسكري أو النفوذ السياسي.
بالنسبة لدول مثل مصر، فإن قراءة هذه التحركات يجب ألا تقتصر على بعدها الاقتصادي فقط. فامتلاك احتياطي ذهبي قوي يعزز الاستقرار النقدي، لكنه في الوقت ذاته يمنح هامشًا أوسع للمناورة في بيئة دولية مضطربة. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى، تصبح الأصول السيادية المستقلة أحد أدوات حماية القرار الوطني، ووسيلة لتقليل التعرض للصدمات الخارجية.
الذهب هنا لا يقدم حلولًا سحرية، لكنه يوفر وقتًا ثمينًا، ومساحة حركة أوسع. وهو لا يعوض عن الإصلاح أو التنمية، لكنه يمنح الدول القدرة على عبور الفترات الانتقالية بأقل قدر من الخسائر. ولهذا تحديدًا، تعود إليه الدول كلما شعرت أن العالم على وشك تغيير جلده.
هكذا، يتحول الذهب من معدن صامت إلى مؤشر استراتيجي بالغ الدلالة. فهو لا يُنذر بكارثة محددة، لكنه يكشف عن قناعة عميقة لدى صناع القرار بأن النظام الدولي يدخل مرحلة إعادة تشكل.
وقبل أن تتغير الخرائط، وتتبدل التحالفات، وتُكتب العناوين الكبرى، تكون الخزائن قد سبقت الجميع… وهناك، بعيدًا عن الأضواء، تبدأ السياسة الدولية الحقيقية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن تُعلن التحالفات الجديدة، تكون هناك جهة واحدة قد اتخذت قرارها...
حين ننجذب دون وعي: كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟ لأن القلب لا يختار دائمًا بحرّية… بل بما اعتاد عليه.
في عام 2017، داخل أحد مراكز رعاية المسنين في مدينة أوساكا اليابانية، كانت سيدة في الثمانين من عمرها تجلس بهدوء...