الذكاء الاصطناعي.. ثروة جديدة قد تعمّق فجوة الدخل

لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على قدرته على تغيير شكل الوظائف.. فالمخاوف تتسع الآن إلى سؤال أكبر: من سيحصد الثروة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي؟

فمع تسارع الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي، قد تذهب نسبة كبيرة من المكاسب الاقتصادية إلى الشركات التي تمتلك رأس المال، والبيانات، والبنية التحتية الحاسوبية، والملكية الفكرية، بينما يواجه العاملون في بعض الوظائف خطر تراجع الطلب على مهاراتهم أو تباطؤ نمو أجورهم.

وتحذر تحليلات اقتصادية دولية من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤثر في توزيع الدخل بطريقتين متناقضتين؛ فمن ناحية، قد يرفع إنتاجية العاملين ويخلق وظائف جديدة، ومن ناحية أخرى، قد يحل محل بعض المهام التي يؤديها البشر، ما يضغط على أجور الفئات الأكثر تعرضًا للأتمتة.

المعادلة الأساسية بسيطة: إذا ارتفعت أرباح الشركات وقيمة الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من الأجور، فإن حصة أصحاب رأس المال من الدخل قد ترتفع.

وهنا تكمن إحدى أكبر المخاطر على توزيع الثروة؛ فامتلاك أسهم الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي أو الاستثمار في البنية التحتية اللازمة لتشغيله قد يتحول إلى مصدر رئيسي لتراكم الثروة، في حين لا يمتلك جميع العاملين القدرة نفسها على الاستفادة من هذه الموجة الاستثمارية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي حتمًا إلى زيادة عدم المساواة؛ فالنتيجة ستعتمد على سرعة انتشار التكنولوجيا، وطبيعة الوظائف المتأثرة، وقدرة العمال على اكتساب مهارات جديدة، والسياسات الضريبية والتعليمية والاجتماعية.

الذكاء الاصطناعي لا يستهدف بالضرورة الوظائف بالكامل، بل يمكن أن يستبدل مهام داخل الوظيفة.

وهذا فارق مهم؛ فقد يصبح الموظف الذي يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر إنتاجية، بينما يتراجع الطلب على موظفين يؤدون المهام نفسها بصورة تقليدية.

وبالتالي قد نشهد سوق عمل أكثر انقسامًا بين فئات تستفيد من التكنولوجيا وتزداد إنتاجيتها وأجورها، وفئات أخرى تواجه منافسة أكبر على وظائفها.

كما أن الشركات الأكبر قد تكون في وضع أفضل للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، بفضل قدرتها على تحمل تكلفة الحوسبة والبيانات والاستثمار في البنية التكنولوجية، ما قد يعزز تركّز الأرباح والسوق.

في المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كأداة لتقليص الفجوة إذا أصبح الوصول إليه واسعًا ومنخفض التكلفة.

فالعامل الأقل خبرة يمكنه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين إنتاجيته، والشركات الصغيرة تستطيع الوصول إلى قدرات كانت في السابق متاحة فقط للمؤسسات الكبرى، كما يمكن للتكنولوجيا أن تخلق وظائف وصناعات جديدة.

وهنا تصبح القضية الاقتصادية الأساسية ليست «هل الذكاء الاصطناعي جيد أم سيئ؟»، وإنما «كيف يتم توزيع مكاسبه؟»

إذا أدت التكنولوجيا إلى زيادة الإنتاجية، فإن الاقتصاد قد ينتج مزيدًا من السلع والخدمات باستخدام الموارد نفسها.

لكن زيادة الإنتاجية لا تضمن تلقائيًا ارتفاع دخول الجميع.

فالنتيجة النهائية ستتحدد وفقًا لمن يمتلك التكنولوجيا، ومن يستطيع استخدامها، ومن يحصل على الوظائف الجديدة، وكيف توزع الشركات والحكومات مكاسب الإنتاجية.

ولهذا تبرز أهمية التعليم وإعادة التدريب، وتوسيع الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز المنافسة، وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي، حتى لا تتحول الثورة التكنولوجية إلى آلية جديدة لتركيز الثروة.

الذكاء الاصطناعي قد يصنع ثروة هائلة.. لكن السؤال الأصعب ليس حجم الثروة التي سيخلقها، وإنما من سيملكها ومن سيحصل على نصيبه منها.

فإذا ارتفعت الإنتاجية والأجور معًا، يمكن أن تصبح التكنولوجيا محركًا للنمو وتحسين مستويات المعيشة.

أما إذا تركزت مكاسب الذكاء الاصطناعي في أيدي مالكي رأس المال والشركات الأكثر قدرة على الاستثمار فيه، بينما تحمل العمالة تكلفة فقدان بعض الوظائف أو تراجع قوتها التفاوضية، فقد تصبح التكنولوجيا عاملًا جديدًا في اتساع فجوة الدخل والثروة.

 

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

روسيا
تقرير
البنك الفيدرالي
مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
البنك الفيدرالى الامريكى
اقتصاد امريكا
اقتصاد المهارات
الأمير محمد بن سلمان

المزيد من تقارير اقتصاد

كيف بددت حرب ايران آمال ترامب الاقتصادية؟

دخل دونالد ترامب ولايته الثانية برهانات اقتصادية واضحة هي خفض الأسعار، تعزيز النمو، دعم التصنيع، وزيادة القوة الشرائية للأمريكيين. لكن...

الذكاء الاصطناعي.. ثروة جديدة قد تعمّق فجوة الدخل

لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على قدرته على تغيير شكل الوظائف.. فالمخاوف تتسع الآن إلى سؤال أكبر: من...

ترامب وشي.. هدنة تجارية مؤقتة بدلا من اتفاق شامل

لم تكن القمة الأمريكية الصينية في واشنطن مجرد لقاء سياسي بين أكبر اقتصادين في العالم، بل جاءت لاختبار مستقبل الهدنة...

في يوم الملاحة العالمي..التميز البحري محور اهتمام العالم ومصر تحقق طفرة تنموية

من أجل تعزيز سلامة الشحن البحري وأمنه وكفاءته واستدامته البيئية.. يحتفل العالم بيوم الملاحة البحرية العالمي في 24 سبتمبر من...


مقالات