تصعيد جديد بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية يثير انتقادات دولية، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على رئيستها القاضية اليابانية توموكو أكاني، ونائب المدعي العام القاضي السنغالي عبد الله سي.
جاء ذلك على خلفية تحقيقات المحكمة بشأن الحرب في غزة، وإصدارها مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف جالانت عام 2024.
وتم اتهام نتنياهو بارتكاب جرائم حرب في غزة، بما في ذلك التجويع والقتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال اللاإنسانية.
وتأتي العقوبات في ظل حملة دبلوماسية أمريكية متصاعدة ضد المحكمة، إذ تتهمها واشنطن بتهديد الولايات المتحدة والضغط على حلفائها.. وتسعى إلى أضعاف قدرة المحكمة وتدعو شركاءها الى الانسحاب منها بغرض تفكيك المحكمة.
فيما اعتبرت اليابان الخطوة "مؤسفة جداً" .. كما حذرت المحكمة، التي تتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقرا لها، من تقويض سيادة القانون.
قرار العقوبات
الإدارة الأمريكية أعلنت فرض عقوبات جديدة على رئيسة المحكمة القاضية توموكو أكاني (اليابان) وكبير المحامين في مكتب المدعي العام عبد الله سيي (السنغال) .
الولايات المتحدة فرضت عقوبات على 9 من قضاة المحكمة الثمانية عشر، ونائبي المدعي العام، والمدعي العام السابق، وأحد موظفيها.
القائمة السوداء الأمريكية
وبموجب العقوبات والإدراج على القائمة السوداء الأمريكية، بات القضاة بجانب أفراد أسرتهم، مدرجين في عقوبات النظام المصرفي، التي تعد الأكثر صرامة في هذا المجال، وتشمل معظم الأنظمة المصرفية العالمية، حيث تغلق البنوك حسابات الأفراد الخاضعين للعقوبات، وتجمد الأصول وتمنعهم من السفر إلى الولايات المتحدة.
ووفقا للخارجية الأمريكية، فإن القرار يأتي بهدف وضع حد لقدرة المحكمة الجنائية الدولية على استهداف المواطنين الأمريكيين ومواطني الدول غير الأعضاء في المحكمة، متوقعين انضمام المزيد من الدول فيما وصفوه بجهود تفكيك المحكمة بشكل منهجي، حتى تصبح عاجزة عن تهديد السيادة الأمريكية.
القضاة: هناك أشخاص فوق القانون الدولي
أمام ذلك، طالب القضاة بتفعيل قانون الحظر، وهي آلية قانونية أوروبية تحمي مواطني الاتحاد من آثار العقوبات العابرة للحدود، بجانب إنشاء بدائل أوروبية لشبكات الدفع والاعتماد على "اليورو الرقمي"، وضمان عدم توقف الشركات التي تُورِّد الخدمات للمحكمة الجنائية الدولية؛ خوفًا من واشنطن.
وفقًا لهم، فإن الدول التي ترفض الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية تمتلك طموحات إمبريالية، وتريد أن تجعل القانون خادمًا للقوة وليس العكس، فالعقوبات الأمريكية لا تستهدف الأشخاص فحسب، بل تستهدف رمزية العدالة، عندما يُعاقَب القاضي لأنه حقق في استخدام التجويع كسلاح حرب، فإن الرسالة المُوجَّهة للعالم هي أن هناك أشخاصًا فوق القانون الدولي.
اليابان: خطوة مؤسفة جدا
اعتبرت اليابان أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني ونائب المدعي العام للمحكمة السنغالي عبد الله سي "مؤسفة جدا"، في أحدث ردود الفعل الدولية على تصعيد واشنطن ضد الهيئة القضائية.
وقالت وزارة الخارجية اليابانية في بيان إن طوكيو "دعمت باستمرار المحكمة الجنائية الدولية" في جهودها لملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي، مؤكدة دعمها لسيادة القانون.
الجنائية الدولية: العقوبات تقوض سيادة القانون
استنكرت المحكمة الجنائية الدولية اعلان الإدارة الأمريكية فرض العقوبات الجديدة ، مؤكدة أن استهداف قضاتها وموظفيها يقوض سيادة القانون.
وحذرت المحكمة من أن تهديد المسؤولين القضائيين بسبب تطبيقهم للقانون يعرض النظام القانوني الدولي للخطر، وأكدت أنها لن تتراجع عن أداء مهمتها، وأنها تقف إلى جانب موظفيها وضحايا الجرائم الخطيرة.
وقالت المحكمة إن هذه العقوبات "هجوم صارخ على استقلال مؤسسة قضائية نزيهة تعمل بموجب الولاية الممنوحة لها من الدول الأطراف من مختلف المناطق".
وشددت المحكمة على أن "التهديدات والتدابير القسرية" تؤثر على قدرة الضحايا على السعي لتحقيق العدالة.
الأمم المتحدة: عقوبات غير مقبولة
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش عن القلق البالغ بشأن فرض تلك العقوبات، وغير ذلك من عقوبات على موظفين آخرين في المحكمة.
وعن ذلك قال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة : "بينما تعد الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية مؤسستين منفصلتين بولايات مختلفة ومنفصلة، قلنا مرارا إن الأمم المتحدة تعتبر المحكمة ركيزة رئيسية للعدالة الجنائية الدولية، وإن الأمين العام يحترم عملها للغاية".
مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان شدد على ضرورة رفع "العقوبات الجديدة غير المقبولة" التي فرضتها الولايات المتحدة على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية وكبير المحامين في مكتب المدعي العام.
وجدد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك دعواته لجميع الدول للدفاع عن "المؤسسات التي أنشأتها لحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون"، وحماية مسؤولي المحكمة المُستهدفين بمثل "هذه الأعمال الانتقامية".
هولندا تدافع عن استقلال الجنائية الدولية
كما أعربت هولندا عن رفضها للعقوبات، وقال وزير خارجيتها إن المحاكم والهيئات القضائية الدولية يجب أن تكون قادرة على أداء مهامها بحرية.
منظمات حقوقية أمريكية تطعن في العقوبات
وفي الولايات المتحدة، لجأت منظمات حقوقية إلى القضاء للطعن في العقوبات المفروضة على المحكمة، معتبرة أنها تعرقل جهود ضحايا جرائم الحرب للوصول إلى العدالة.
روبيو: الجنائية الدولية مسيسة وفاسدة
وفرضت الولايات المتحدة الثلاثاء عقوبات على أكاني وسي، متهمة إياهما بالمشاركة المباشرة في جهود المحكمة للتحقيق أو توقيف أو احتجاز أو محاكمة مسؤولين لم تقبل حكوماتهم اختصاص المحكمة.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتبر المحكمة الجنائية الدولية هيئة "فوق وطنية فاسدة ومسيسة للغاية"، متهما إياها بإساءة استخدام سلطتها وتجاوز نطاق اختصاصها.
وأكد أن واشنطن لن تتسامح مع ما وصفه بتقويض سيادة الدول. وتحظر العقوبات المفروضة على مسؤولي المحكمة دخولهم إلى الولايات المتحدة، كما تعرقل معاملاتهم العقارية والمالية في البلاد.
نتانياهو يرحب بعقوبات الجنائية الدولية
ورحب نتانياهو بالعقوبات، وهنأ روبيو على ما وصفه بـ"الجهود الحازمة" ضد المحكمة، معتبرا أن المسؤولين الذين يديرونها يجب أن يواجهوا عواقب أفعالهم.
من العقوبات إلى التفكيك.. حملة أمريكية واسعة
جاءت العقوبات الأمريكية الجديدة في سياق حملة دبلوماسية واسعة النطاق أطلقتها واشنطن الشهر الماضي ضد المحكمة، متهمة إياها بـ"تهديد" المصالح الأمريكية، ودعت شركاءها إلى الانسحاب منها، وهي خطوة أقدمت عليها مذاك تشاد وفنزويلا.
الحملة استهدفت الانتقال من فرض العقوبات إلى مرحلة أكثر تعقيدا وتصعيدا بإطلاق حملة دولية تستهدف تفكيك المحكمة نفسها، وإضعاف قدرتها على العمل، بل ودفع الدول إلى الانسحاب منها.
وشن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وإدارته حربا على المحكمة الجنائية الدولية غير مكترث بتحقيق العدالة ساعيا لإثبات أن من يمتلك القوة يمكنه السيطرة على كل شيء.
لم تعد المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة لترامب وإدارته، مجرد مؤسسة قضائية دولية تختلف معها واشنطن حول الاختصاصات القانونية، بل تحولت إلى خصم سياسى وقانونى ترى الإدارة الأمريكية أنه يهدد سيادة الولايات المتحدة ويقوض قراراتها.
وتُعد العقوبات الجديدة في المقام الأول ردا على تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية بشأن إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة، حيث أصدرت المحكمة في عام 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف جالانت.
كانت إدارة ترامب قد فرضت سلسلة من العقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، التي يبلغ عدد الدول الأعضاء فيها 125 دولة، لمحاولاتهم التحقيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما ليستا عضوتين في المحكمة.
وكانت البداية في 6 فبراير 2025، عندما أصدر البيت الأبيض عقوبات على كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السابق نفسه.
ثم في أغسطس 2025، توالت سلسلة العقوبات التي استهدفت ستة قضاة وثلاثة مدعين عامين في الجنائية الدولية.
وفي أحدث سلسلة العقوبات، استهدف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اثنين من مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية بعقوبات، وهما: رئيسة المحكمة الجنائية الدولية اليابانية توموكو أكاني، والمحامي البارز السنغالي عبد الله سي.
خلفية تاريخية
تأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 1998 وبدأت عملها عام 2002، وهي مختصة بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والعدوان.
وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية أول محكمة دائمة ومستقلة، تم إنشاؤها عام 2002، بموجب نظام روما الأساسي لعام 1989
وتواجه المحكمة ضغوطا متزايدة من الولايات المتحدة.
وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ليست طرفا في معاهدة روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، ولم توقع عليها، وكانت قد فرضت في السابق عقوبات تستهدف مسؤولين في الهيئة القضائية خلال ولاية ترامب الأولى.
كما أن إسرائيل وروسيا ليستا من الدول الأعضاء فيها
وفي عام 2023، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خلفية الحرب في أوكرانيا، وردت موسكو بإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين في المحكمة، من بينهم أكاني، البالغة 70 عاما، والتي تشغل منصب قاضية منذ 2018 وانتخبت رئيسة للمحكمة في مارس 2024.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تصعيد جديد بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية يثير انتقادات دولية، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على رئيستها القاضية اليابانية توموكو...
خطة سلام غزة تصطدم برفض إسرائيلي.. وحماس تتمسك وتؤكد التزامها ومصر تطالب بالتنفيذ.. فقد تصاعد الخلاف بشأن تنفيذ المرحلة الثانية...
في لحظة فاصلة غيرت وجه التاريخ، دخل العالم عصر "الرعب" النووي الذي لا تزال آثاره حاضرة حتى الآن، وسط حالة...
تحت شعار "شرف _ وأثر".. يستعرض برنامج خدمة ضيوف الرحمن أبرز المنجزات التي حققها وما أثمرت عنه المبادرات والمشروعات من...