طبول الحرب تدق فى القرن الأفريقى

إثيوبيا تشعل فتيل الأزمة.. وإريتريا تحشد للدفاع عن حقوقها المشروعة سيناريوهات التصعيد ومخاطر الصدام الإقليمى البحر الأحمر وسد النهضة فى قلب الحسابات الاستراتيجية

لم تعد طبول الحرب التي تُقرع في القرن الأفريقي مجرد صدى لخلافات حدودية أو توترات دبلوماسية عابرة، بل باتت تنذر باحتمالات عودة المنطقة إلى مربع الصراع المفتوح، في ظل تشابك الأزمات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، وتحول الخلافات السياسية إلى تهديدات مباشرة لأمن الدول واستقرارها.

ومع تدهور العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، وتصاعد المواجهات المسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، تبدو المنطقة أمام منعطف استراتيجي بالغ الحساسية، قد يتجاوز تداعياته حدود البلدين لتطال مجمل توازنات القرن الأفريقي، وأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة والملاحة الدولية.

وتتداخل في المشهد الراهن ملفات عدة، في مقدمتها أزمة إقليم تيغراي، ومساعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري، والتنافس الإقليمي والدولي على النفوذ، فضلاً عن تداعيات الخلاف حول سد النهضة، بما يثير تساؤلات بشأن فرص احتواء التصعيد، واحتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

ارتفاع منسوب التوتر

تقول الدكتورة نورا معروف، المتخصصة فى الشأن الأفريقي، إن التصعيد بلغ مستوى جديدًا في الأول من أكتوبر ٢٠٢٦، مع إعلان إريتريا قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا، عقب إغلاق أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، وسط اتهامات إثيوبية لأسمرة بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي، وهي اتهامات تنفيها إريتريا.

وتضيف أن هذه التطورات تأتي بالتزامن مع تجدد القتال في شمال إثيوبيا، واتساع نطاق المواجهات إلى مناطق أخرى، إلى جانب تشكيل تحالف مسلح يضم سبع جماعات مسلحة مناهضة للحكومة الإثيوبية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الأمنى والسياسى فى المنطقة.

وتشير معروف إلى أن تزامن التوترات الخارجية مع هشاشة الأوضاع الداخلية في إثيوبيا قد يؤدي إلى تصاعد المخاطر؛ إذ يمكن لأي احتكاك محدود أن يطلق سلسلة من رد الفعل يصعب احتواءها. ومع ذلك، فإن اندلاع حرب شاملة ليس أمرًا حتميًا، نظرًا

إلى ارتفاع تكلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية على الطرفين.

وترى أن السيناريو الأقرب في المدى القريب يتمثل في استمرار الضغط السياسي والاستخباراتي والعسكري غير المباشر، مع احتمال انتقال التوتر إلى اشتباكات محدودة إذا أخفقث جهود الاحتواء.

وتضيف أن التطورات الأخيرة تكشف عن دخول إثيوبيا مرحلة جديدة من الصراع، تختلف في طبيعتها عن الحرب التي شهدها إقليم تيغراي بين عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢٢، خاصة مع اقتراب العمليات من الحدود الإريترية وتدهور العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة.

وبذلك، لم تعد المواجهة محصورة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، بل أصبحت جزءًا من شبكة أكثر تعقيدًا من التحالفات الداخلية المتغيرة والتوترات الإقليمية المتصاعدة.

وتذهب بعض التحليلات إلى احتمال وجود تقاطع مصالح بين دعم إثيوبيا في مساعيها البحرية ومواقفها من ملف أرض الصومال، بما قد يمهد لتعاون أمنى وسياسي بين إسرائيل وإثيوبيا وأرض الصومال. غير أن الحديث عن وجود مقايضة سياسية أو تحالف ثلاثي مكتمل يظل في نطاق التقديرات والتحليلات، ما لم تدعمه اتفاقيات أو معلومات موثوقة معلنة.

وتختتم الدكتورة نورا معروف تحليلها بالتأكيد أن ارتفاع مستوى التوتر لا يعني أن الانتقال إلى حرب شاملة أصبح حتميًا، فالحرب ستكون مكلفة للطرفين، وستترتب عليها تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة على إثيوبيا وإريتريا.

وتضيف أن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار التصعيد دون وجود آلية فعالة لاحتوائه؛ فكلما طال أمد الحشد العسكري والخطاب العدائي، ارتفعت احتمالات وقوع حادث يؤدي إلى مواجهة يصعب السيطرة عليها.

وترى أن السيناريو الأقرب في المدى القريب يتمثل في استمرار حالة الردع المتبادل والضغط السياسي، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة ما لم تفعّل قنوات الحوار والوساطة.

الخطر الأكبر

من جانبه، قال الدكتور رامي زهدي، الخبير فى الشأن الأفريقي والعلاقات الدولية، إن ما يجري حاليًا فى القرن الأفريقي لم يعد مجرد توتر عابر بين إثيوبيا وإريتريا، بل أصبح جزءًا من أزمة إقليمية مركبة تتداخل فيها الحرب الداخلية الإثيوبية مع الخلافات الحدودية والأمنية، وطموحات إثيوبيا فى الوصول إلى البحر الأحمر، وأمن السودان والنيل والممرات البحرية.

وأضاف أن التطورات الأخيرة تحمل درجة عالية من الخطورة، خاصة بعد تراجع مساحات مهمة من التهدئة التي أعقبت اتفاق بريتوريا عام ٢٠٢٢. فالمشهد الداخلى الإثيوبي أصبح أكثر تعقيدًا مع عودة القتال في تيغراي وامتداده إلى أمهرة وعفر، وتشكيل تحالف مسلح يضم جبهة تحرير شعب تيغراي إلى جانب قوى معارضة أخرى، وهو ما يمثل تحديًا أكبر للحكومة الفيدرالية من مجرد تمرد محلي محدود.

وأوضح أن العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة دخلت بدورها مرحلة شديدة الحساسية، عقب اتهامات إثيوبية لإريتريا بدعم المعارضة المسلحة، وهي اتهامات تنفيها أسمرة، ثم قرار إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا في الأول من أكتوبر، بعد إجراءات إثيوبية ضد بعثتها الدبلوماسية.

وأشار إلى أن تقارير تحدثت عن دخول قوات إريترية إلى بلدات في تيغراي، بالتزامن مع استمرار القتال بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوى معارضة، وهو ما يرفع احتمالات تحول الصراع الداخلي إلى مواجهة إقليمية مباشرة. لكنه شدد على أن الصورة الميدانية لا تزال متغيرة، وتحتاج إلى التحقق المستمر من المعلومات الواردة بشأنها.

وفي تقديره، فإن إصرار رئيس الوزراء أبي أحمد على ربط الأزمة الداخلية بعوامل خارجية يمكن فهمه في إطار محاولة الحكومة تفسير اتساع المعارضة المسلحة باعتباره تهديدًا إقليميًا. غير أنه أكد عدم وجود أدلة مستقلة كافية تسمح بالجزم بصحة جميع الاتهامات التي وجهتها أديس أبابا إلى إريتريا أو مصر أو السودان بشأن دعم المعارضة، مشيرًا إلى نفى الدول المعنية لهذه الاتهامات.

وأضاف أن جذور الأزمة أعمق من مسألة الدعم الخارجي، إذ ترتبط بأزمات داخلية متراكمة، تشمل العلاقة بين المركز والأقاليم، والتوترات في تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفر، ومستقبل النظام الفيدرالي، فضلاً عن الخلافات المتعلقة بالحدود والموارد والتمثيل السياسي.

مصدر رئيسي للتوتر

وفيما يتعلق بإريتريا، قال زهدي إن ملف البحر الأحمر يمثل أحد أهم مفاتيح التوتر؛ فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام ١٩٩٣، وأصبح سعيها إلى الحصول على منفذ بحري دائم جزءًا من حساباتها الاستراتيجية، وهو ما تنظر إليه أسمرة بحساسية شديدة.

وأكد أن أي صدام إثيوبي إريتري لا يمكن فصله عن التنافس على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لكنه دعا إلى التعامل بحذر مع الحديث عن دور إسرائيلي في إشعال جبهات الصراع، باعتباره تقديرًا أو اتهامًا سياسيًا يحتاج إلى أدلة مستقلة. فالمنطقة تشهد بالفعل تنافسًا إقليميًا ودوليًا واسعًا، لكن ذلك لا يكفى وحده لإثبات وجود دور مباشر في تأجيج المواجهة.

الوقائع والتقديرات

وفيما يتعلق بأزمة السد الإثيوبي، أوضح زهدي أن الصراعات الحالي لا يلغي الملف المائي، بل يزيد من حساسيته. وأضاف أن السد افتتح رسميًا، بحسب ما أشار إليه، في سبتمبر ٢٠٢٥، دون اتفاق قانوني ملزم مع مصر والسودان بشأن قواعد التشغيل.

وأكد أن أي اضطراب عسكري داخل إثيوبيا أو في إقليم تيغراي لا يعني تلقائيًا وجود تهديد مباشر للسد، لكنه يضيف عاملًا جديدًا من عدم اليقين إلى ملف بالغ الحساسية، خاصة بالنسبة إلى الأمن المائي المصري والسوداني.

أما بشأن التعاون العسكري الإثيوبي الأمريكي، فقال إن العلاقات شهدت تطورًا في أغسطس ٢٠٢٦، مع الإعلان عن رفع مستوى التعاون الدفاعي والأمني إلى شراكة شاملة.

لكنه شدد على عدم وجود أدلة تسمح بالقول إن هذا التعاون منح أبي أحمد تفويضًا أمريكيًا أو قدرة مباشرة على فتح جبهات متعددة، معتبرًا أن الأصح هو قراءة التطور في إطار الاهتمام الأمريكي بالحفاظ على التعاون الأمني مع إثيوبيا، ومتابعة قضايا الاستقرار في القرن الأفريقي.

حماية المصالح الاستراتيجية

وأشار زهدي إلى أن القاهرة تواجه معادلة دقيقة؛ فهي معنية بمنع اتساع الحرب، وحماية أمن البحر الأحمر والنيل، ودعم استقرار السودان، والحفاظ على أمنها القومي، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بإدارة الأزمة في إطار القانون الدولي وأطر الاتحاد الأفريقي، مع تطوير التنسيق مع الدول المتأثرة مباشرة، وفي مقدمتها السودان وإريتريا والصومال.

وأضاف أن هذا الاتجاه برز في القمة الرباعية التشاورية الأخيرة بمدينة العلمين، التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، وأكدت أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتغليب الحلول السياسية والسلمية.

ويرى زهدي أن السيناريو الأخطر لا يتمثل بالضرورة في اندلاع حرب إثيوبية إريترية شاملة على الفور، وإنما في تحول الصراعات إلى حرب استنزاف متعددة الجهات داخل إثيوبيا، تتداخل معها الحدود الإريترية والسودانية، وتتطور تدريجيًا إلى صراع إقليمي بالوكالة.

واختتم تصريحه بالتأكيد أن المصلحة المصرية الأساسية تتمثل في احتواء التصعيد، وتعزيز الردع السياسي والدبلوماسي، وحماية المصالح المرتبطة بالنيل والبحر الأحمر، مع الاستعداد لمختلف الاحتمالات.

وشدد على أن أمن مصر لا يبدأ عند حدودها السياسية فقط، بل يمتد إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بها في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل، وهو ما يتطلب تحركًا متوازنًا يجمع بين الدبلوماسية والجاهزية وبناء الشراكات الإقليمية، لتقليل مخاطر المواجهة وحماية المصالح المصرية.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

انفجار الداخل الليبيى بعد اعتراف أمريكا بنتائج الانتخابات البرلمانية

الزهار: القوى السياسية أمام اختبار حقيقى للانتقال من الانقسام إلى التوافق سليمان: أصحاب المصالح والمرتزقة.. أبرز التحديات أمام محاولات إنهاء...

طبول الحرب تدق فى القرن الأفريقى

إثيوبيا تشعل فتيل الأزمة.. وإريتريا تحشد للدفاع عن حقوقها المشروعة سيناريوهات التصعيد ومخاطر الصدام الإقليمى البحر الأحمر وسد النهضة فى...

مكاسب جولة الرئيس للنمور الآسيوية

شراكات استراتيجية ومكاسب اقتصادية تعزز مكانة مصر الدولية كريم درويش: توسيع دائرة الحوار مع الشركات يعزز الموقف المصرى محمد سليمان:...

حزمة ملفات ساخنة وراء زيارة الرئيس «السيسى» ل 3 نمور آسيوية فى جولة واحدة

بعد ترفيع العلاقات للمستوى الاستراتيجي.. تعزيز التعاون الأمنى والدفاعى مع دول جنوب شرق آسيا غير مسموح بأى ترتيبات للنفاذ إلى...