توابع صدور أول وثيقة رسمية تدين إسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية فى غزة

د. محمد مهران: التقرير يضع الأسس القانونية لمحاكمة إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية د. حسن سلامة: هذه الوثيقة الأممية توفر غطاء شرعيا يتيح للدول مقاطعة دولة الاحتلال ومعاقبتها

«إسرائيل ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية.. وتصريحات مسئوليها الرسمية تحض على الكراهية ضد الفلسطينيين.. وهو ما يعنى أن الحرب على غزة ستظل مستمرة».. هذا ما انتهت إليه لجنة تحقيق أممية فى سابقة لم تعهدها دولة الاحتلال الإسرائيلى التى اعتادت ارتكاب المجازر ضد الأبرياء دون رادع أو عقاب.

لكن المجتمع الدولى لم يعد قادرًا على تجاوز أهوال المأساة التى يشهدها قطاع غزة، وكانت سببا فى تشكيل لجنة تحقيق دولى مستقلة، تتبع الأمم المتحدة، وأنشئت من قبل مجلس حقوق الإنسان عام 2021، لرصد ما يجرى فى الأراضى المحتلة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى صدوره هذا التقرير الأسبوع الماضي.

ذكر التقرير أن السلطات وقوات الأمن الإسرائيلية ارتكبت أربعة من أفعال الإبادة الجماعية الخمسة التى حددتها اتـفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والصادرة سنة 1948، وهى القتل، والحاق أذى جسدى أو عقلى خطير، وفرض ظروف معيشية متعمدة يراد بها تدمير الفلسطينيين كليا أو جزئيا، وفرض تدابير تستهدف الحيلولة دون الإنجاب، وعليه فعلى إسرائيل وجميع الدول الوفاء بالالتزامات القانونية الناشئة بموجب القانون الدولى لإنهاء هذه الإبادة الجماعية ومعاقبة المسؤولين عنها.

 ورصد التقرير التصريحات الصادرة عن السلطات المدنية والعسكرية الإسرائيلية، وأنماط سلوك قوات الأمن الإسرائيلية، والتى تشير إلى أن أعمال الإبادة الجماعية ارتكبت بنية التدمير الكلى أو الجزئى للفلسطينيين كجماعة فى قطاع غزة، وهو الاستنتاج المعقول الوحيد الذى وضعته مـحكمة العدل الدولية فى قضية البوسنة ضد صربيا، مؤكدًا أن مسئولية هذه الجرائم تقع على عاتق السلطات الإسرائيلية، والتى فشلت فى منع ارتكاب الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها.

وتضمنت توصيات التقرير ضرورة دفع حكومة إسرائيل إلى الامتثال الفورى لالتزاماتها القانونية الدولية، وانهاء الإبادة الجماعية فى القطاع، والتنفيذ الكامل لأوامر التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، ورفع الحصار وإنهاء سياسة التجويع وضمان وصول المساعدات وموظفى الأمم المتحدة، والوقف الفورى لأنشطة مؤسسة غزة الإنسانية، وفيما يخص المجتمع الدولى فأوصت اللجنة الأممية بوقف نقل الأسلحة والمعدات الأخرى التى قد تستخدم فى ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية إلى إسرائيل؛ وضمان عدم تورط الأفراد والشركات فى أراضيها وضمن ولاياتها القضائية فى المساعدة على ارتكاب الإبادة الجماعية أو التحريض على ارتكابها، واتخاذ إجراءات المساءلة من خلال التحقيقات والإجراءات القانونية ضد أى متورط مباشر أو غير مباشر، معتبرا أن عدم اتخاذ أى إجراء لوقفها هو تواطؤ، يقوض مصداقية المجتمع الدولي، خاصة وأن جميع الدول ملزمة قانونا باستخدام جميع الوسائل المتاحة لها لوقف الإبادة الجماعية.

تعد هذه الوثيقة صك اتهام رسمي، دفع فيه الشعب الفلسطينى حياته ثمنا له فى بث مباشر أمام العالم، ليحصل بعد عامين من المعاناة على اعتراف وتوصيف رسمى من الأمم المتحدة بالإبادة الجماعية التى يتعرض لها، فهل ينجح المجتمع الدولى فى هذا الاختبار الانسانى المؤيد قانونا.. وينتشل فلسطين من معاناتها، ويمنحها حقها فى تقرير مصيرها أم يفشل فى الاختبار بفعل الفيتو الأمريكي؟

فى هذا الاطار يقول الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولى العام، عضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، إن تقرير لجنة التحقيق الدولية الأخير للأمم المتحدة يمثل تطورا نوعيا فى توثيق الجرائم الإسرائيلية، ويضع الأسس القانونية المتينة لمحاكمة القيادة الإسرائيلية بتهمة الإبادة الجماعية، والتى هى وفق اتفاقية 1948 قتل أعضاء الجماعة وإلحاق أذى جسدى أو روحى خطير بهم وإخضاعهم عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرهم كليا أو جزئيا، وفرض تدابير تهدف لمنع النسل داخل الجماعة، ونقل أطفال الجماعة قسرا إلى جماعة أخرى، أما الفارق بين هذا التقرير والإدانات السابقة..

أضاف "مهران"، أن الجديد هو  التوثيق المنهجى والتفصيلى للنمط الإجرامى الإسرائيلي، واثبات النية المبيتة لارتكاب الإبادة الجماعية.. من خلال تجميع الأدلة والشهادات والوثائق الرسمية، كما أنه يربط بين الممارسات المختلفة، ويقدمها كجزء من سياسة ممنهجة، وليس مجرد أعمال منفردة، لذا فالخطوة التالية مبنية على ما يوفره  التقرير من أساس قانونى لرفع دعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وتطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين فى أى دولة يتواجدون فيها، كما يعد دليل دامغ أمام الدعوى المقامة أمام محكمة العدل الدولية من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، بشأن انتهاك إتفاقية منع الإبادة الجماعية، والتى انضمت إليها العديد من الدول، وكذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية فى التحقيقات الجارية.

وأضاف مهران أنه بالنسبة للعقوبات المنتظرة.. فتشمل إمكانية إصدار مذكرات اعتقال دولية، وفرض عقوبات اقتصادية شاملة، وحظر السفر، والتجميد للأصول المالية للمسئولين الإسرائيليين، بالإضافة لمنع التعاون العسكرى والأمنى مع إسرائيل، أما ضمانات المحاكمة فى ظل الفيتو الأمريكي، فمبدأ الولاية القضائية العالمية.. وكذلك المحكمة الجنائية الدولية يتيحان المحاكمة دون الحاجة لموافقة مجلس الأمن، وهناك عدة دول أوروبية بدأت بالفعل فى تطبيق هذا المبدأ الأول، فالفيتو الأمريكى لا يستطيع منع المحاكمة فى المحاكم الوطنية أو حتى فى المحكمة الجنائية الدولية، كما أن المجتمع الدولى يستطيع التحايل على الفيتو الأمريكى من خلال تفعيل قرار "الاتحاد من أجل السلام"، والذى يتيح للجمعية العامة اتخاذ إجراءات عند تقصير مجلس الأمن، وتطبيق العقوبات الإقليمية والثنائية، وتفعيل المحاكم الوطنية وآليات المحاسبة خارج إطار الأمم المتحدة، فالعدالة ستجد طريقها مهما طالت المقاومة السياسية، وهذا يحيلنا للدعوة إلى إصلاح نظام مجلس الأمن بشكل عاجل، ففى حال عدم الغاء الفيتو.. فالحل الوحيد هو إصلاح ميثاق الأمم المتحدة.. وهو أمر صعب، لكن على الأقل يمكن تقييد استخدام الفيتو من خلال تعديلات إجرائية لا تتطلب تعديل الميثاق نفسه.

فى السياق ذاته يرى الدكتور حسن سلامة أستاذ العلوم السياسية، أن التقرير يمكن أن يكون ذريعة للدول المتضامنة مع غزة لتجميد علاقاتها أو وقف صفقاتها مع اسرائيل، ومن قبله هناك دول بالفعل لها مواقف قوية كإسبانيا، ولكن لن يكن ذو التأثير الكبير على مستوى الفعل الدولى الجماعي، فقد فقدت المنظمات القضائية الدولية مصداقيتها، كما أن محكمة الجنائية الدولية لا تضم فى عضويتها إسرائيل، وبالتالى لا تسرى عليها أحكامها، ولن تترتب عليه إجراءات قانونية، فلا بد أن نفرق بين القانون والواقع، والقانون والمصلحة، والقانون ومن يملك القوة، وإسرائيل تنتهج فقط القوة والمصلحة على الأرض، لأن الذراع الدولى لإسرائيل بفضل الولايات المتحدة، حتى الدول الأوروبية فى معظمها مع السردية الإسرائيلية المزعومة، لذا فالاعتراف بدولة فلسطينية هناك تشكك فيه، لأنه لم يترجم للواقع بعد، رغم كل الدماء الفلسطينية التى تسيل فى هذا الواقع.

وأضاف سلامة، أن الدور المصرى لا يخطؤه أحد، مصر دعمت وما زالت تدعم وحدها القضية الفلسطينية، سواء بجهودها الدبلوماسية أو الإغاثية، ومصر بذلت كل الجهد، والآن بات عليها أن تؤمن حدودها جيدا مما يراد بها، الآن لا بد أن يكون هناك دور لـ57 دولة عربية وإسلامية مع إسرائيل، بوقف التعاون والاستثمار وتجميد العلاقات معها، هذا هو ما سيوقف إسرائيل، لا أن يترك الباب لكل دولة تفعل ما تراه، وما عدا ذلك فكل ما يحدث من قرارات وإدانات.. وحتى مفاوضات، هو نوع من استهلاك الوقت تتقنه إسرائيل، وإلا فأين نتيجة مفاوضات وقف الحرب على مدار عامين.

فى سياق متصل، قال النائب مجدى عاشور عضو لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب، إنه حينما يكون تقرير الإبادة الإسرائيلية لأهل غزة صادرا  من لجنة تحقيق دولية مستقلة، فهذا يمنح مسوغ قانونى للدول ولو منفردة بالتعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية، دون انتظار قرار من المنظمات الأممية التى تمنع عملها الولايات المتحدة الأمريكية باستخدامها لحق الفيتو، فالتقرير الصادر دعا جميع الدول للوفاء بالتزاماتها القانونية، وبموجب القانون الدولي، لإنهاء الإبادة الجماعية، ومعاقبة المسئولين عنها، وتجمع هذه الجهود المنفردة بالتأكيد سيمثل ضغط على إسرائيل.. قد يحرك داخلها ما يجبر قياداتها على وقف الحرب وإعادة الحياة للقطاع المنكوب.

ونوه عاشور إلى أن الجهود المصرية مع دول أخرى متضامنة أو على الأقل تؤمن بمبادى القانون الدولى ومبادئ الإنسانية قبله، كانت جزءًا من الوصول لهذه النقطة، جزء من اعتراف 142 دولة بفلسطين، جزء من إقدام دول على توقيع عقوبات على إسرائيل، كالعقوبات الأوروبية وإيقاف بيعها أسلحة أو مرورها فى مياهها، فمنذ السابع من أكتوبر 2023 بذلت العديد من المبادرات لإدخال المساعدات لسكان قطاع غزة، ومصر لم تغلق أبدًا معبر رفح من جانبها، رغم التعنت الإسرائيلى فى ادخال المساعدات، وكثفت اتصالاتها مع جميع الأطراف ذات الصلة.. والأطراف الإقليمية والدولية، من أجل وقف الحرب وتجنب مخاطر التصعيد على المنطقة، ودعت إلى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية،  رافضة كل محاولات التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، وكانت مصر محورًا فى كل اللقاءات مع الدول المختلفة.. حتى إن الرئيس الفرنسى أعلن نية بلاده الاعتراف بالدولة الفلسطينية عقب زيارته للقاهرة، ومصر لعبت دورًا أساسيًا كوسيط فى المفاوضات بين الطرفين، ونجح بعضها ولو جزئيًا.. فى حين نكثت إسرائيل أغلبها، كما حدث بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذى دخل مرحلته الأولى فى يناير الماضي، ولكن استأنفت إسرائيل مجازرها بوحشية أكبر وأعمال القتل والتدمير، وزادت عليهم التجويع منذ مارس الماضي.

 	هبة حسنى

هبة حسنى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران

الدكتور محمد شاكر: الحرب لها عواقب وخيمة تمس الملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية السفير معتز أحمدين: تل أبيب تعتقد أن...

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحرق الاقتصاد العالمى

كشف الخبراء كواليس الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وأهدافها، موضحين أن التطورات المتسارعة لهذه الحرب تنذر بعواقب كارثية.. لا يتوقف...

كيف تمكَّن الموساد من اصطياد على خامنئى؟

مقرَّب من المرشد الإيرانى فتح الطريق أمام إلقاء 30 قنبلة على اجتماع موسَّع برئاسة خامنئي تل أبيب قادت واشنطن فى...

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع


مقالات

البـاب الأخضـر
  • السبت، 14 مارس 2026 09:00 ص
مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م