أطفال غزة للعالم: الأرض لنا

وصفت منظمة اليونيسف أول أسبوع فى 2025 بأنه أسوأ ما يحمل العام الجديد لأطفال غزة، استناداً إلى أرقام مفزعة عن أعداد الشهداء ممن هم فى عمر الزهور..

وأعداد أخرى لمن فقدوا ذويهم ومن شُردوا من الأطفال، لكن القدر كان رحيماً بهؤلاء الأبطال، ولم تمضِ سوى 10 أيام حتى تفتحت أبواب الأمل، وجاء قرار وقف إطلاق النار فى غزة.. وأفرزت الساعات الأولى لتطبيقه مشاهد كان أبطالها هم الأطفال.. ليس باعتبارهم ضحايا.. بل أيقونة صمود ورمز يطمئن القلوب المرتجفة على مستقبل القضية الفلسطينية.

كانت الساعات الأولى لتطبيق قرار وقف إطلاق النار فى غزة كاشفة لأصحاب الأرض.. وللمحتل أيضاً.

كان طبيعياً أن يستقبل إعلام الاحتلال الإسرائيلى الساعات الأولى لتطبيق قرار وقف إطلاق النار فى غزة بصحبة جنرالات الحرب، لكن ما يستحق أن نتوقف أمامه هى كلمات خرجت على لسان رئيس الموساد السابق، تامير باردو، فى حديثه للقناة 12 العبرية.. حين سئل عن رأيه فى القرار، فقال (فى الليلة التى سبقت قرار خروج القوات الأمريكية من فيتنام.. جرى حوار بين جندى أمريكى وجندى فيتنامى.. بدأه الأمريكى بعبارة للتفاخر قائلاً إنه "فى كل المعارك والمواجهات التى جرت بيننا فى سنوات الحرب تفوقنا عليكم.. ولم تهزمونا فى أى مرة"، وكان رد الجندى الفيتنامى عبارة واحدة.. "لا يهم.. غداً ترحلون أنتم ونبقى نحن).

على الضفة الأخرى.. اختار أطفال غزة أن يفرحوا بتطبيق قرار وقف إطلاق النار على طريقتهم.. ذهبوا إلى بيوتهم المهدمة، جمعوا بقايا ألعابهم المغبرة، صنعوا طائراتهم الورقية المزينة بأعلام دولتهم، وأطلقوها فى عناء السماء، وربما يردد بعضهم الآن بعفوية أغنية المطربة اللبنانية جوليا بطرس التى كتب كلماتها نبيل أبوعبدو ولحنها زياد بطرس:

(الحق سلاحى، الحق سلاحى وأقاوم، أنا فوق جراحى سأقاوم، أنا لن أستسلم لن أرضخ، وعليكِ بلادى لا أساوم، بيتى هنا.. أرضى هنا، البحر السهل النهر لنا، وكيف بوجه النار أساوم، سأقاوم، عدوّك يا وطنى اندحر.. عليك الكون ما قدِر، قاوم شعبى جنون الريح.. تحدّى الخوف والخطر، يرحلون ونبقى.. والأرض لنا ستبقى، ها نحن اليوم أقوى.. أقوى من كل الملاحم، بيتى هنا.. أرضى هنا.. البحر السهل النهر لنا، وكيف بوجه النار أسالم، سأقاوم).

ماذا قالت اليونيسف عن أطفال غزة

فى صباح الأربعاء 8 يناير 2025 أطلقت منظمة اليونيسف استغاثة تناشد خلالها المجتمع الدولى لإنقاذ أطفال غزة، ووصفت المنظمة الأممية عام 2024 بأنه الأسوأ فى سجل الاعتداء على الأطفال الفلسطينيين، بينما اعتبرت الأسبوع الأول من عام 2025 أسوأ ما يحمله العام الجديد لهؤلاء الأطفال، استناداً إلى تقارير عن مقتل ما لا يقل عن 74 طفلاً وسط العنف المتواصل فى قطاع غزة، فقط خلال السبعة أيام الأولى من عام 2025. وأفادت تقارير بأنَّ أطفالاً قُتلوا فى عدة أحداث تضمّنت خسائر بشرية جماعية، بما فى ذلك هجمات ليلية فى مدينة غزة، وخان يونس، والمواصى، التى أُعلن عنها من جانب واحد بأنها "منطقة آمنة" فى جنوب القطاع. وشهد آخر هجوم، والذى حدث الثلاثاء 7 يناير 2025، مقتل خمسة أطفال فى المواصى.

وقالت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، "بالنسبة لأطفال غزة، جلبَت السنة الجديدة المزيد من الموت والمعاناة من الهجمات والحرمان والتعرّض المتزايد للبرد، وكان ينبغى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار منذ مدة طويلة، فالعديد من الأطفال قُتلوا وخسروا أحباءهم فى هذه البداية المأساوية للسنة الجديدة."

وأضافت "راسل": يشكل استمرار الافتقار إلى المأوى الأساسى، مترافقاً مع درجات الحرارة الشتوية الباردة، تهديداً خطيراً على الأطفال. ويواجه الأطفال أخطاراً شديدة، إذ يعيش أكثر من مليون طفل فى خيام مرتجلة، كما هُجّرت أسر عديدة على امتداد الأشهر الـ 15 الماضية، ومنذ 26 ديسمبر أفادت التقارير عن وفاة ثمانية أطفال صغار ومواليد جدد بسبب انخفاض حرارة الجسم — وهو أمر يشكل تهديداً رئيسياً على الأطفال الصغار غير القادرين على تنظيم درجة حرارة أجسامهم.

وقالت المنظمة الأممية إن الوضع الإنسانى فى غزة خرج عن السيطرة، ويظل عدد شاحنات المساعدات التى تدخل غزة غير كافٍ مطلقاً لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسر، وقد انهار النظام العام إلى حدٍ كبير فى داخل غزة.

واعتبرت المنظمة وقتها أن المستشفيات القليلة المتبقية فى غزة تتحمل عبئاً هائلاً، وقد ترك تدمير الهياكل الأساسية المدنية الأسر تكافح للحصول على الإمدادات الأساسية، بما فى ذلك الأغذية، والمياه المأمونة، وخدمات الصرف الصحى، والرعاية الصحية. وما عاد مستشفى "كمال عدوان"، الذى كان المرفق الطبى الوحيد العامل والمستشفى الوحيد فى شمال غزة الذى يشمل وحدة لطب الأطفال، قادراً على أداء وظائفه بعد مداهمته فى أواخر الشهر الماضى. وقد فاقم ذلك الأوضاع الفظيعة - أصلاً -  للرعاية الطبية فى المنطقة.

وقالت "راسل": "لقد حذَّرت اليونيسف منذ مدة طويلة من أنَّ نقص المأوى وشح الأغذية والرعاية الصحية والتدهور الشنيع للصرف الصحى، والآن يضاف إليها الشتاء، تعرّض حياة جميع الأطفال فى غزة للخطر، كما أنَّ المواليد الجدد والأطفال الذين يعانون من مشاكل طبية مستضعفون بصفة خاصة، ويجب على أطراف النزاع وعلى المجتمع الدولى أنْ يتصرفوا بسرعة لإنهاء العنف، وتخفيف المعاناة، مشددة على أن الأسر تحتاج إلى نهاية لهذه المعاناة والحسرة اللذين لا يمكن تصورهما".

مضت 10 أيام على على إطلاق استغاثة اليونيسف، وكان القدر رحيماً بأطفال غزة، وجاء قرار وقف إطلاق النار فى غزة ليمثل طوق نجاة للضمير الإنسانى العالم لإنهاء هذه المعاناة، وهو ما علقت عليه المنظمة الأممية قائلة:

ترحّب اليونيسف بالإعلان عن صفقة وقف إطلاق النار بين أطراف النزاع فى قطاع غزة، ولقد طال انتظار ذلك للأطفال والأسر الذين عانوا من القصف والحرمان لأكثر من سنة، "لقد تسببت الحرب بخسائر فظيعة لأطفال غزة - فقد أدّت حسب التقارير إلى مقتل 14.500 طفل، وإصابة آلاف آخرين بجراح. وبات ما يُقدّر بـ 17.000 طفل غير مصحوبين بذويهم أو منفصلين عنهم، وأصبح نحو مليون شخص مهجّرين من منازلهم.

"إن حجم الاحتياجات الإنسانية هائل، وتقف اليونيسف وشركاؤها على أهبة الاستعداد للارتقاء باستجابتنا، ويجب أن يوفر وقف إطلاق النار، أخيراً، للجهات الفاعلة الإنسانية فرصة للتقدم التدريجى والآمن لاستجابة هائلة فى داخل قطاع غزة، والتى اشتدت الحاجة إليها، وهذا يشمل إمكانية الوصول دون إعاقة إلى جميع الأطفال والأسر لتزويدهم بالأغذية والمغذيات الأساسية، والرعاية الطبية والدعم النفسى، والمياه النظيفة، وخدمات الصرف الصحى، والتعليم والتعلّم، إضافة إلى مساعدات نقدية واستئناف عمليات الشحن البرى التجارى.

وأطلقت المنظمة تحذيراً جديداً قائلة "مع انهيار الخدمات الأساسية فى جميع أنحاء غزة، يجب أن نعمل بسرعة على إنقاذ الأرواح ومساعدة الأطفال على التعافي".

"إن أقل من نصف مستشفيات غزة، البالغ عددها 36 مستشفى، قادرة على أداء وظائفها، مما يزيد خطر انتشار الأمراض المعدية ويُعرِّض الأطفال للخطر. أما إنتاج المياه، فهو أقل من 25 بالمائة من القدرة القائمة، ويواجه جميع سكان القطاع تقريباً، والبالغ عددهم 2.1 مليون شخص، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائى. كما أن 95 بالمائة من مبانى المدارس فى غزة تعرّضت لأضرار أو للدمار.

"من الضرورى أن يلتزم أطراف النزاع بوقف إطلاق النار هذا والسماح بدخول المستوى الضرورى من المساعدات إلى قطاع غزة عبر نقاط دخول موثوقة، كما يجب معالجة البيئة الأمنية بسرعة، وهذا سيتيح لليونيسف زيادة فحص الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية ومعالجتهم، وتيسير استدراك اللقاحات لـ420، 000 طفل دون سن الخامسة، ودعم منع انتشار الأمراض، بما فى ذلك شلل الأطفال والحصبة والكوليرا.

"إضافة إلى ذلك، تحثّ اليونيسف أطراف النزاع على التوصل بسرعة إلى حلٍّ سياسى دائم يولى الأولوية لحقوق هذا الجيل والأجيال المقبلة من الأطفال وعافيتهم. "لقد كلّفت الحرب فى غزة الأطفالَ ثمناً باهضاً، يجب أن نتصرف الآن وأن نعمل معاً من أجل إقامة مستقبل أفضل لجميع الأطفال".

** هذا ما كان يحدث فى غزة، وهؤلاء مَن كنا نخشى عليهم من قسوة الحرب، لكن ما يفعله أطفال غزة الآن.. يجعلنا نرى كل شىء صغيراً.. إلا هؤلاء الأبطال.

Katen Doe

سيد المليجى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص