مع سقوط النظام السورى وتزايد سيطرة الجماعات المسلحة على أجزاء واسعة من البلاد، تقف سوريا اليوم على مفترق طرق تاريخى يعصف بها مشهد معقد من الصراعات الأيديولوجية والسياسية،
يرى الخبراء أن المشهد الراهن يعكس صراعًا متعدد الأبعاد بين أطراف داخلية وخارجية، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية مع أهداف الجماعات المحلية التى تختلف فيما بينها فكريًا وثقافيًا، ما يزيد من تعقيد التوصل إلى أى صيغة توافقية لإدارة البلاد.
فى ظل هذه الصورة الضبابية فإن تساؤلات جوهرية تطرح نفسها حول صمت تلك الجماعات إزاء الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة على الأراضى السورية، هل يمكن تفسير هذا الصمت على أنه نتيجة تفاهمات ضمنية مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أم أن الأمر يرتبط بأجندات إقليمية ودولية تسعى إلى إضعاف الدولة السورية وتقويض مؤسساتها؟.
أكد السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصرى للعلاقات الخارجية، أن الوضع الراهن فى سوريا يعكس تعقيدات بالغة نتيجة تداخل المصالح الدولية والإقليمية، وتحركات الفصائل المسلحة التى خضعت لتخطيط تركي-أمريكي-إسرائيلى حيث أن هذه الفصائل، التى نجحت فى تحقيق مكاسب عسكرية بدعم خارجي، تفتقر إلى رؤية واضحة لمرحلة ما بعد السيطرة على البلاد، خاصة أن سرعة انهيار النظام السورى فى بعض المناطق كانت مفاجئة حتى للداعمين لها.
وأوضح حسن أن الفصائل المسلحة التى حققت سيطرة على الأرض ليس لديها كوادر أو خبرات كافية لإدارة المناطق التى سيطرت عليها، إذ تعتمد بشكل كبير على تكتيكات حرب العصابات حيث أنهم جربوا إدارة إدلب وشكلوا حكومة هناك، لكنها كانت تجربة فاشلة تقريبًا، إذ افتقدت للإدارة الرشيدة والتخطيط المستقبلي، ولذلك اتجهوا إلى الدولة العميقة من أجل إدارة البلاد.
وأضاف أن الفصائل المسلحة تتنوع بين تنظيمات ذات مرجعية دينية مثل جبهة تحرير الشام، وجماعات أخرى منشقة عن القاعدة أو داعش، فضلًا عن عناصر الجيش السورى الحر التى لا تنتمى إلى التيار الديني، لكنها دخلت فى صراعات مع التنظيمات الأخرى، بما فى ذلك داعش مشيرًا إلى أن الصورة فى سوريا معقدة للغاية، حيث أن هناك انقساما واضحا بين من يريدون إقامة نظام دينى متشدد على غرار طالبان، ومن يرغبون فى الحفاظ على سوريا كدولة ليبرالية محافظة بعيدة عن هيمنة الأيديولوجيات الدينية.
كما أضاف أن الصراعات الطائفية بين السنة والعلويين، والخلافات بين الأكراد والدواعش، تزيد من تعقيد المشهد، خاصة أن الأكراد كانوا قد حققوا انتصارات كبيرة ضد داعش فى عامى 2014 و2015، وهو ما يجعل بينهم وبين التنظيم ثأرًا طويل الأمد، لافتًا إلى أن تركيا تلعب دورًا محوريًا فى هذا الملف، حيث تسعى إلى تحجيم النفوذ الكردى خوفًا من تأسيس حكم ذاتى للأكراد على حدودها.
وفيما يتعلق بالدور الإيراني، أوضح السفير رخا أن إيران تمكنت من تعزيز وجودها فى سوريا أثناء حكم الرئيس السابق بشار الأسد من خلال دعم موالين لها، وإنشاء مراكز دينية ومدارس، بالإضافة إلى مشروعات اقتصادية واستثمارات متعددة، فضلاً عن المشاركة فى إعادة الإعمار فى بعض المناطق، أما إسرائيل، فقد استغلت الوضع لتحقيق مكاسب على الأرض، إذ تمكنت من فرض سيطرتها على الجولان، الأمر الذى يضيف تحديًا جديدًا على الساحة السورية، و التحركات الإسرائيلية الأخيرة فى سوريا جاءت استغلالاً واضحاً لفراغ أمنى وعسكرى خطير، نتج عن انسحاب الجيش السورى الرسمى من مواقعه وترك مخازن الأسلحة دون حراسة، ما سمح للقوى الخارجية بالتحرك بحرية لتنفيذ أجنداتها.
وأوضح حسن أن ما حدث فى المنطقة العازلة، حيث تمركزت القوات الإسرائيلية، جاء نتيجة تنسيق غير مباشر بينها وبين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا من فوق الفصائل المسلحة وإسرائيل وجدت أن الفراغ العسكرى الناتج عن انسحاب الجيش السورى يتيح لها تدمير مخازن الأسلحة، خوفاً من وقوعها فى أيدى التنظيمات المتطرفة كداعش. الهدف الإسرائيلى كان واضحاً: تقليص قدرة سوريا العسكرية وجعلها شبه منزوعة السلاح.
وأكد عضو المجلس المصرى للعلاقات الخارجية أن تشكيل الحكومة الانتقالية المتوقع فى مارس المقبل يمثل اختبارًا كبيرًا للمستقبل السورى ومن الضرورى أن تكون الحكومة المقبلة شاملة، تمثل كل الطوائف والعرقيات، بما فى ذلك السنة، الشيعة، الأكراد، الدروز، والمسيحيين، وإلا فإن البلاد ستدخل فى مرحلة جديدة من الفوضى.
وأضاف أن هيمنة هيئة تحرير الشام على المشهد لن تكون مقبولة من الشعب السورى على المدى الطويل، مما يجعل المرحلة الانتقالية محفوفة بالمخاطر والصراعات الداخلية.
وحول التساؤل عن عدم انتفاض الشعب السورى ضد التدخلات الإسرائيلية، أوضح السفير رخا أن الشعب السورى يعانى من حالة قهر مستمرة، حيث يعيش نحو 80% منه تحت خط الفقر، فالشعب مغلوب على أمره. سنوات من القمع والفقر جعلته غير قادر على مواجهة الأزمات المتتالية. حالياً، يعيش السوريون نشوة مؤقتة بعد التخلص من النظام السابق، لكن قريباً ستظهر تساؤلات حول مستقبل البلاد وما ستقدمه الفصائل المسلحة الحاكمة.
وحول إمكانية تقسيم سوريا، استبعد المجلس المصرى للعلاقات الخارجية، هذا السيناريو فى الوقت الحالي، لكنه أشار إلى أن إسرائيل تسعى لتعزيز سيطرتها على مناطق استراتيجية مثل جبل الشيخ والقنيطرة، لما تمثله من أهمية عسكرية واستراتيجية، حيث تتيح لها هذه المناطق السيطرة المدفعية على دمشق.
وأضاف : تصريحات الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب التى أكدت حق إسرائيل فى الجولان، ودعواته لتوسيع حدودها، تشير إلى دعم أمريكى واضح للمخططات الإسرائيلية فى المنطقة، رغم تعارضها مع القانون الدولي.
من جانبه أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الوضع الراهن فى سوريا يُشير إلى دخول البلاد فى مرحلة جديدة من التعقيد، مع احتمالات تقسيم أوسع على خلفية تصاعد التنافس الإقليمى والدولي، مشيرًا إلى أن السيناريو الأقرب للواقع هو ما أسماه بـ"تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ"، حيث المناطق التى يسيطر عليها النظام السوري، المعروفة بـ"سوريا المفيدة"، قد يعاد رسم حدودها وفقًا للحقائق الميدانية والمصالح المتضاربة.
وأوضح فهمى أن المرحلة الانتقالية التى تمر بها سوريا ستستمر لفترة غير قصيرة، لاسيما بعد تشكيل حكومة انتقالية تنتهى ولايتها فى مارس القادم، دون وجود رؤية واضحة حول مستقبل البلاد أو طبيعة الحكومة التى ستتولى السلطة بعد ذلك، مشيرًا إلى أن الحديث عن صياغة دستور جديد، والذى تُروج له بعض الأطراف، مثل هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، يظل مقيدًا بمواقف القوى الدولية الفاعلة.
وأضاف إن المشهد السياسى السورى يواجه العديد من التحفظات والاعتراضات، خصوصًا فيما يتعلق بمدى قدرة القوى الدولية الداعمة على الوصول إلى توافقات كاملة حول شكل النظام السياسى المقبل فى سوريا. لذلك، فإن السيناريو السياسى ما زال غامضًا، وكل الاحتمالات مفتوحة، وغياب التوافقات الشاملة بين الأطراف المختلفة يُعد أحد أبرز التحديات، موضحًا أن الترتيبات الحالية تدور فى إطار مصالح أربع قوى رئيسية هى الولايات المتحدة، روسيا، إيران، وتركيا، فهذه الأطراف تُجرى مقايضات لتحقيق مصالحها الكبرى، مع استثناء واضح لإسرائيل التى نجحت فى فرض واقع ميدانى خاص بها، بعد احتلالها مساحات شاسعة من الجولان وترسيخ وجودها هناك، حيث أن هذه التحركات من قبل تل أبيب جاءت بشكل منفرد لتأمين حدودها وتجنب الدخول فى مواجهة مباشرة مع أطراف النزاع السوري، علاوة على أن تصريحات أبو محمد الجولاني، قائد هيئة تحرير الشام، التى أكد فيها أن إسرائيل ليست أولوية بالنسبة له، تعكس أيضًا أن الأطراف السورية، بما فيها التنظيمات المسلحة، تتجنب استفزاز تل أبيب فى هذه المرحلة.
وحول السيناريوهات المستقبلية، أشار استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة إلى أن استمرار الوضع الراهن أو تغييره سيظل مرهونًا بسلوك القوى الدولية والإقليمية وأن الخيارات المطروحة، رغم أمل البعض فى الوصول إلى حلول سلمية وسياسية، تواجه عقبات كبيرة بسبب تضارب المصالح وتعقيد الحسابات، فالمسار السياسى قد يعود إلى نقطة البداية، سواء من خلال الالتزام بقرارات دولية، أو عبر مبادرات جديدة، لكن كل ذلك مرهون بتفاهمات الأطراف المختلفة التى تحاول كل منها فرض أجندتها الخاصة على المشهد السوري.
وأكد فهمى أن التحديات التى تواجه سوريا فى المرحلة المقبلة ستظل مرتبطة بشكل كبير بحسابات المصالح الكبرى للدول الفاعلة، سواء كانت إقليمية أو دولية، مشددًا على أن غياب التوافق السياسى الشامل يهدد بإطالة أمد الأزمة ويفتح الباب أمام مزيد من التقسيم والتوترات، فمستقبل سوريا يعتمد على قدرة الأطراف الفاعلة على تجاوز خلافاتها، لكن المؤشرات الحالية لا تبشر بإمكانية حدوث ذلك قريبًا.
وفى سياق متصل أوضح الخبير الاستراتيجى اللواء سمير فرج، ، أن الجماعات المسلحة فى سوريا تعمل حاليًا بمنهج "الإدارة بالأهداف"، حيث ينصب تركيزها الكامل على الوصول إلى السلطة دون أى اعتبار للأهداف طويلة المدى أو القضايا الإقليمية الكبرى، فهدفهم الأساسى الآن هو تثبيت وجودهم فى دمشق، تشكيل حكومة، وتولى السلطة، أما الحديث عن قضايا مثل احتلال إسرائيل للجولان، فهو بالنسبة لهم ليس سوى شعارات تُرفع فقط لتحقيق مكاسب مرحلية.
وأوضح فرج أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل فى أن هذه الجماعات ستسعى إلى انتخاب رئيس للجمهورية بعد إحكام سيطرتها على البلاد، لتشكيل دولة ذات طابع دينى مشابهة للنظام الإيراني، لكن مع اختلاف المذهب الديني، حيث إن إيران دولة شيعية بينما هذه الجماعات ذات طابع سنّى وسيكون الهدف الأكبر بعد ذلك هو تأسيس نظام ديني، وهو ما سيجعل سوريا دولة تحت سيطرة الجماعات المسلحة التى تسعى إلى الهيمنة الكاملة، تمامًا كما حدث فى تجارب سابقة فى المنطقة.
وحول تأثير ذلك على التركيبة السكانية والسياسية فى سوريا، أشار سمير فرج إلى أن القوى الدولية والإقليمية ستجد نفسها أمام تحدٍ جديد يتمثل فى التعامل مع الأقليات مثل الأكراد والدروز، بالإضافة إلى السنة والشيعة، لا سيما وأن الهدف الدولى الرئيسى فى البداية كان الإطاحة ببشار الأسد، وقد تحقق هذا الهدف الآن السؤال هو: ماذا سيحدث فى المرحلة المقبلة؟
ولفت اللواء سمير فرج إلى أن التناحر الداخلى بين الجماعات المسلحة بات أمرًا حتميًا وما يحدث الآن هو أن محمد الجولاني، قائد هيئة تحرير الشام، استحوذ على النصيب الأكبر من المكاسب، بينما الجماعات الأخرى لم تحصل على شيء يُذكر، هذا التفاوت سيؤدى حتمًا إلى صراعات داخلية وحروب بين هذه الفصائل، ونحن على وشك رؤية هذا السيناريو يتحقق قريبًا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج
3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...
خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى
لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...