مع سقوط نظام بشار الأسد وصعود الإدارة السورية الجديدة، تتزايد التساؤلات حول مصير القواعد العسكرية الروسية فى سوريا، التى لعبت دورًا محوريًا فى دعم النظام السابق، المشهد السورى الراهن يحمل تعقيدات متعددة، فى ظل محاولات القيادة الجديدة لتثبيت أقدامها،
ومواقف القوى الكبرى المتباينة تجاه مستقبل البلاد، وكيف تتعامل موسكو مع سياسة الأمر الواقع؟ وهل تقبل بسحب قواعدها العسكرية أم تبحث عن ترتيبات جديدة تضمن بقاءها؟ وما الخيارات المتاحة أمامها، بدءًا من نقل القواعد إلى مناطق أخرى، مثل ليبيا، إلى إبرام صفقات مع الإدارة الجديدة فى سوريا؟
على الجانب الآخر، يظل موقف الولايات المتحدة حاسمًا فى تحديد مسار الأحداث، وسط حديث عن إمكانية استبدال القواعد الروسية بأخرى أمريكية أو تعزيز النفوذ العسكرى الأمريكى فى سوريا.
أكد السفير معتز أحمدين خليل، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقًا، أن الوضع الراهن فى سوريا يُظهر مشهدًا معقدًا، حيث ما زالت مناطق مثل إدلب خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المعروفة باسم "قسد" الموالية للولايات المتحدة، إضافة إلى جبهة تحرير الشام، التى وحدت معظم الفصائل المعارضة والإطاحة بنظام بشار الأسد.
وأشار خليل إلى أن الحديث عن انهيار سوريا أو تفككها ليس سوى "كلام باطل يراد به باطل أشد"، وتفكك سوريا كان نتيجة فشل نظام حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار، معربًا عن أمله فى أن يتمكن النظام السورى الجديد، بقيادة هيئة تحرير الشام، من الوفاء بوعوده وإعادة توحيد البلاد.
وعن الدور الروسى فى سوريا، أوضح مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقًا أن القواعد العسكرية الروسية، مثل تلك الموجودة فى حميميم وطرطوس، ستبقى مؤقتًا، لكن من المرجح أن تُطالب الإدارة السورية الجديدة بانسحابها فى المستقبل القريب، وأن العداء والمرارة بين الشعب السورى والفصائل المسلحة من جهة، وروسيا من جهة أخرى، بسبب دعمها لنظام بشار الأسد، يجعل استمرار هذه القواعد أمرًا صعب القبول.
ولفت إلى أن الدور الروسى فى قصف الفصائل المسلحة ومساعدتها للنظام السوري، سواء عبر القصف المباشر أو البراميل المتفجرة، عزز من تلك المرارة، مؤكدًا أن أى نجاح للثورة السورية سيكون مدعومًا بتفاهمات إقليمية ودولية، حيث تلعب تركيا دورًا رئيسيًا فى دعم الهيئة الثورية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة قد تضغط لرحيل القوات الروسية كشرط للاعتراف بالنظام الجديد.
وحول مستقبل القواعد الروسية، أضاف خليل أن هناك احتمالات محدودة لتحرك تلك القواعد إلى مناطق أخرى مثل ليبيا، لكنه وصف ذلك بالسيناريو المستبعد، إضافة إلى أن الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا لا تؤيد وجود قواعد روسية على أراضيها، بل قاتلت ضد حليف روسيا، الفريق خليفة حفتر، ما يجعل تأسيس قواعد روسية هناك أمرًا محفوفًا بالمخاطر، مشيرًا إلى أن الخيار الأكثر ترجيحًا هو عودة القواعد الروسية إلى روسيا لدعم المجهود الحربى الروسى فى أوكرانيا، وأن روسيا قامت بالفعل بسحب عدد كبير من القوات والعتاد العسكرى من سوريا دون أن تتعرض لهجوم من الفصائل المسلحة.
وأكد خليل أن أى تفاهمات بين روسيا والإدارة السورية الجديدة قد تؤدى إلى تأجيل انسحاب القواعد الروسية لفترة مؤقتة، لكنه شدد على أن العداء والمرارة بين الشعب السورى وروسيا لن يسمحا باستمرار تلك القواعد على المدى الطويل وأن تركيا والولايات المتحدة ستدعمان أى توجه نحو إنهاء الوجود الروسى العسكرى فى سوريا، مشيرًا إلى أن مستقبل سوريا يعتمد بشكل كبير على نجاح الإدارة الجديدة فى تحقيق التوازن الداخلي، وتجنب الصدامات مع القوى الدولية، مع الحفاظ على استقلالية القرار السوري.
وقال السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن الوضع الراهن فى سوريا يثير العديد من التساؤلات، خاصة فى ظل سيطرة هيئة تحرير الشام على الحكومة الحالية التى يمكن وصفها بحكومة انتقالية أو حكومة تصريف أعمال، وأن هناك غياب للتنوع السياسى فى التشكيل الوزاري، حيث لم يتم اختيار أى وزراء من المعارضة الداخلية أو المنصات المختلفة مثل منصتى الرياض والقاهرة.
وأوضح حسن أن رئيس الهيئة الحاكمة، أحمد الشرع، صرح بأن إعداد الدستور سيستغرق ثلاث سنوات، بينما التحضير للانتخابات قد يمتد إلى أربع سنوات وهذه المؤشرات تعكس استمرارية الوضع الحالى دون تغييرات جوهرية، رغم الحديث عن إشراك كافة الأطياف والطوائف السياسية وأن اللقاءات مع الطوائف مثل الدروز والأكراد والعلويين لم تسفر عن مشاركة فعلية، ما يعزز سيطرة اللون السياسى للإسلام السياسى على المشهد.
وعن موقف الإدارة الأمريكية الجديدة من المشهد السوري، أشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن الولايات المتحدة تتبع سياسة مزدوجة تجمع بين مواقف الإدارة السابقة والحالية وأن اللقاءات التى أجرتها الإدارة الأمريكية مع أحمد الشرع ومحاولاتها للتواصل مع الأكراد تُظهر توجهًا لدعم بعض الفصائل المعارضة، خاصة قوات سوريا الديمقراطية.
وأضاف إن الإدارة الأمريكية الحالية تدعم الأكراد بقوة بالسلاح والتدريب، لكنها تواجه خلافات مع تركيا التى تصر على تقليص دور قوات سوريا الديمقراطية ونزع أسلحتها، فى الوقت ذاته، الإدارة الأمريكية تحافظ على وجودها العسكرى فى سوريا عبر قواعد ومراكز منتشرة لدعم عمليات التحالف الدولى ضد داعش، مشيرًا إلى أن واشنطن تسعى أيضًا لضمان أمن إسرائيل ومنع تدفق السلاح الإيرانى عبر سوريا إلى لبنان، ما يجعل تسوية وضع الأكراد والتعاون مع تركيا ملفات أساسية على جدول أعمال الإدارة الجديدة.
أما عن الموقف الروسي، فأكد حسن أن روسيا تتمسك بوجودها العسكرى فى سوريا، خصوصًا القاعدتين العسكريتين فى حميميم وطرطوس، مشيرًا إلى أن القاعدة البحرية فى طرطوس تُعد الوحيدة للروس فى البحر المتوسط، وتمثل أولوية استراتيجية لموسكو، وروسيا لن تتخلى عن قواعدها بسهولة، لكن هناك تساؤلات حول إمكانية نقل بعض القوات إلى ليبيا، وهو أمر يتطلب توافقات مع تركيا التى تربطها علاقات قوية بالحكومة الليبية.
وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن روسيا تواجه تحديات بسبب تقارير عن محاولات تحريض ضد قواعدها فى سوريا باستخدام طائرات مسيرة، ومع ذلك، فإن روسيا تعتمد على علاقاتها مع النظام السورى لاستمرار وجودها، لا سيما فى ظل الديون الكبيرة والمشروعات المشتركة بين الطرفين.
وفيما يتعلق بإيران، قال حسن إن وجودها فى سوريا مستمر رغم تقليص خطوط الإمداد بينها وبين حزب الله عبر الأراضى السورية، إيران تسعى لتجنب أى مواجهات مباشرة مع النظام السورى أو الأطراف الأخرى، وتعمل على الحفاظ على نفوذها عبر علاقاتها مع بعض الطوائف والمجموعات الشيعية، مشيرًا إلى أن المشهد السورى يظل معقدًا ومفتوحًا على كافة الاحتمالات، فى ظل تشابك المصالح بين القوى الإقليمية والدولية واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الترتيبات السياسية والأمنية فى البلاد.
وأكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن المشهد السورى فى ظل الإدارة الأمريكية للرئيس دونالد ترامب لن يشهد تغييرات كبيرة مقارنة بإدارة الرئيس الحالى جو بايدن، حيث الإدارة الحالية تتعامل مع الملف السورى بسياسة "الأمر الواقع" دون اعتراف رسمى بتغيير جذرى على الأرض.
وأشار فهمى إلى أن الولايات المتحدة لم ترفع اسم أحمد الشرع (المعروف بأبو محمد الجولاني) من قوائم الحظر، رغم تعديل قيمة المكافآت المعلنة للقبض عليه، كما أنها رفضت إزالة هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب، وهذه الخطوات تعكس سياسة مزدوجة تُبقى الخيارات مفتوحة، إذ أن اللقاءات والاتصالات الأمريكية مع الجبهة لا تعنى اعترافاً بها.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية تعمل على تعزيز دورها فى الترتيبات الأمنية والسياسية المقبلة فى سوريا، وذلك بالشراكة مع تركيا التى تُعد حليفاً رئيسياً فى هذا الملف.: "تركيا والولايات المتحدة هما أبرز الرابحين فى المشهد السورى الحالي، فى ظل استمرار واشنطن فى دعم وتسليح عدد من الفصائل".
وبالنسبة للوضع الروسي، أشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة إلى أن موسكو تواجه تحديات للحفاظ على نفوذها فى سوريا، خاصة فيما يتعلق بوجود قواعدها العسكرية، وهناك تساؤلات حول مستقبل هذه القواعد وما إذا كانت روسيا ستعمل على توسيع أو نقل وجودها العسكرى إلى مناطق أخرى مثل ليبيا، مشيًرا إلى أن الصورة العامة للمشهد السورى لا تزال ضبابية، حيث تتشابك المصالح بين الأطراف المختلفة، فيما تعتمد واشنطن سياسة مدروسة تستند إلى التعامل مع الواقع دون الاعتراف الكامل بأى تغييرات سياسية كبرى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج
3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...
خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى
لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...