تخيل نفسك تعبر النيل من ناحية الجيزة، تتجاوز الحوائط الأسمنتية الكبيرة والضخمة، وتعبر الشارع، تصبح فى البيت الذى عاش فيه الرئيس السادات، وخرجت منه أخطر وأجرأ القرارات
تخيل نفسك تعبر النيل من ناحية الجيزة، تتجاوز الحوائط الأسمنتية الكبيرة والضخمة، وتعبر الشارع، تصبح فى البيت الذى عاش فيه الرئيس السادات، وخرجت منه أخطر وأجرأ القرارات السياسية، بل جلس فيه شخصيات سياسية من العالم كله، وتقترب أكثر من صورة الرئيس السادات.. الأب والزوج والإنسان، وتجلس لبعض الوقت، ليحكى لك المكان الصامت قصة بطولة ووطنية.. شهدت عليها تلك الجدران، نعم ظفرت أنا بتلك التجربة.
فى اللحظة الأولى التى تطأ فيها قدماك المكان، تشعر بالفخر والاعتزاز، ليس فقط لكونه شاهداً على العصر، وإنما لما شهده من بطولات رجل سطر اسمه واسم بلاده فى سجلات التاريخ المعاصر بحروف من ذهب، حتى أصبح المكان جزءاً لا يتجزأ من تاريخ مصر المعاصر، فيللا السادات الصغيرة المعروفة وسط مكانها بتسمية شعبية.. اسمها "بيت السادات"، إنه بيت الرئيس الراحل "بطل الحرب والسلام" الذى كان يحرص على عقد بعض لقاءاته الرسمية والسياسية الخاصة فيه، بل ولقاءاته التاريخية .. مع قادة العالم، هنا التقى الرئيس السادات بعدد من قادة العالم، الذين توافدوا على مصر بعد "نصر أكتوبر المجيد"، لعل أبرزهم الرئيس الأمريكى الأسبق، جيمى كارتر، وفى نفس المكان، استقبل وزير الخارجية الأمريكي، هنرى كيسنجر، كما أقام فى ذلك المكان العديد من المناسبات واللقاءات التليفزيونية الشهيرة، هنا تاريخ حافل بالأمجاد والبطولات تضمه تلك الفيللا الصغيرة بين جدرانها أو فى ساحة الحديقة، التى تشع بالجمال من كل جانب، حيث تحيطه أشجار من الجانبين، هنا كان يمارس الرئيس السادات الرياضة بشكل يومي، وهنا عقد الرئيس السادات عشرات اللقاءات السياسية والدولية والإعلامية.
عندما عبرت أنا هذا الباب.. قبل سنوات قليلة، لمقابلة السيدة جيهان السادات، وقفت قليلا عند بابه، حيث هبطت فى أذنى لدقائق أقوال الرئيس السادات المعروفة، وشعرت أننى أسمع صوت الرئيس السادات.. وهو يقول: "إن الأمة العظيمة هى التى تصنع البطل، وهى القادرة على استيعاب فكره وعمله وطاقته فى إطار حيويتها المتدفقة، وفى مجرى حياتها المتصلة، وفى تيار تاريخها المستمر، إن السلام إذا لم يرتبط بالعدل لا يصبح سلاما، وإنما يصبح قبولا بالأمر الواقع المفروض بقوة العدوان، إننا لم نبن السد العالى لكى نحارب، وإنما حاربنا لكى نبنى السد العالي، إننا جزء من العالم، بل نحن نقول إننا بحضارتنا الإنسانية فى تاريخه، وبنضالنا المستمر فى تحرره وتقدمه جزء مؤثر، جزء لا يعيش عالة على أحد، ولكنه جزء يعطى ويأخذ ويتفاعل".
هنا أنا فى بيت البطل الذى يوما ما كان سطرا فى تاريخ مصر، وسطرا عرفناه كطلبة وكجيل لم يعاصر أبدا تلك الأحداث، نعم نحن الذين ولدنا فى زمن مبارك.. وكان الرئيس السادات جزءا من تاريخنا، كان فى مخيلتنا كأطفال صورته وهو يلقى بيان ثورة يوليو، ففى الساعة السابعة والنصف صباح يوم 23 يوليو 1952، كان البكباشى محمد أنور السادات قد احتل دار الإذاعة المصرية بالقاهرة، وانطلق صوته ليسمع العالم كله بيان الثورة الأول، كما حمل مع اللواء محمد نجيب إلى الإسكندرية، الإنذار الذى وجهه الجيش إلى الملك للتنازل عن العرش، ثم وخلال الفترة ما قبل تولى رئاسة الجمهورية، تولى أنور السادات العديد من المناصب؛ منها عضوية محكمة الثورة 1954، وفى أواخر ذاك العام تولى منصب سكرتير عام المؤتمر الإسلامي، وفى عام 1955شارك فى تأسيس جريدة الجمهورية، وتولى رئاسة تحريرها، كما تولى منصب أول أمين عام للاتحاد القومي.. تلك المنظمة التى سبقت تشكيل الاتحاد الاشتراكى العربى 1957، ورئاسة مجلس الأمة لمدة ثمانى سنوات، كما أنيط به الملف السياسى لحرب اليمن، وعين نائبًا لرئيس الجمهورية 1969، وظل فى هذا المنصب حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر.
عبرت الباب لأدخل لبيت الرئيس السادات، بيت بسيط أنيق تشعر داخله براحة عجيبة، وهواء متدفق، ونوافذ مفتوحة، وصلت فى الثامنة صباحا لذلك البيت، كان من أجمل الهواء الذى يمكن أن تسنتشقه رئتاك لتخبراك أنك فى مكان خاص وهام، على جدرانه تقف صور تاريخية، فهناك بالطبع صور للرئيس السادات فى مناسبات عدة، وصور للسيدة جيهان السادات السيدة التى لم تغف عنها الأضواء يوما، فحضورها كان دائما ومتجددا لأنها دوما تحمل وجهة نظر صادقة ومؤثرة ووطنية، فهنا صور التقطت للسيدة جيهان السادات وهى فى المملكة المتحدة، فى 10 نوفمبر لعام 1975م، وصور للسيدة جيهان السادات بالمكسيك فى عام 1975، وصور للسيدة جيهان السادات مع زوجها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بصحبة جيرالد فورد، وزوجته بيتى فورد، فى رحلة نيلية ببحيرة ناصر، فى عام 1979، أيضا صور السيدة جيهان السادات وزوجها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، يستقبلان الرئيس الإيطالى جيوفانى ليون وزوجته فيكتوريا ليون بجمهورية مصر العربية، وصور فى مناسبات دولية مثل السيدة جيهان السادات مع الرئيس السادات، بصحبة السيد والتر مونديل، نائب الرئيس الأمريكي، فى احتفال بالبيت الأبيض بالولايات المتحدة الأمريكية، عام 1980، وآخرى للسيدة جيهان السادات مع الرئيس أنور السادات، بصحبة جيمى كارتر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وزوجته السيدة روزالين، أمام الأهرامات بجمهورية مصر العربية، وهناك صورللسيدة جيهان السادات تقف بجانب الرئيس الأمريكى رونالد ريجان، وعلى يمينها تقف زوجته السيدة نانسي، وبجانبها الرئيس أنور السادات، وذلك خلال مأدبة عشاء رسمية، بالبيت الأبيض، بالولايات المتحدة الأمريكية. وهناك صورة جميلة للسيدة جيهان السادات تودع الأميرة ديانا، قبل أن تغادر هى وزوجها الأمير تشارلز مطار الغردقة الدولي، فى نهاية رحلة شهر العسل، وهناك صورة السيدة جيهان السادات مع حفيدتها البالغة من العمر 5 سنوات، والتى التقطت عام 1982، بعد ثمانية أشهر من اغتيال زوجها، الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
هناك صور أخرى تبدو فيها السيدة جيهان السادات وهى حزينة، لأنها جاءت بعد اغتيال الرئيس السادات، فهنا السيدة جيهان السادات تتسلم من مؤسسة الحرية والسيدة الأولى، نانسى ريجان، جائزة تكريمية لروح زوجها، الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وذلك فى البيت الأبيض، وهنا صور متعددة تعكس الدور الحيوى للسيدة جيهان السادات، فهنا السيدة جيهان السادات مع إد كوخ، عمدة نيويورك، ومقدمة البرامج فيرجينيا جراهام، وقد التقطت هذه الصورة خلال حفل توزيع جوائز امرأة العام، والتى أقيمت فى مبنى الأمم المتحدة بنيوورك بالولايات المتحدة الأمريكية، فى 13 فبراير لعام 1986، وفى أخرى تلقى السيدة جيهان السادات محاضرة بإحدى الكنائس بعد وفاة زوجها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، كما تظهر السيدة جيهان السادات فى صورة مع الصحفية باربارا والترز فى حفل أول دورة لجوائز السلام، والتى أهديت أول جائزة لها تكريما للسيدة جيهان، وذلك فى فندق ستانهوب بمدينة نيويورك، فى 9 مارس لعام 1987م، وتظهر السيدة جيهان فى صورة مع الممثلة الأمريكية العالمية إليزابيث تايلور، والتقطت هذه الصورة خلال إحدى الحفلات التى أقيمت بأحد فنادق بيفرلى هيلز بكاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية.
لن تكفى السطور هنا لسرد كل الصور التى تؤرخ لما دار داخل هذا المكان أو عن أبطاله، ومن الغريب أننى قبل أن أدخل هذا المكان قد عرفت أن هذه الفيللا الصغيرة بالجيزة، وهى من الفيللات المصادرة وبالايجار، وعندما طلب الرئيس السادات استعمال قصر «محمد محمود خليل» قبل حرب 1973.. تركه بعد الحرب بفترة وجيزة وعاد لمنزله، والاثاث الذى فى منزل الرئيس السادات هو الاثاث الشخصى للسيدة جيهان السادات، وليس أثاث الفيللا الأصلى، وبعد وفاة الرئيس السادات قرر الرئيس الأسبق مبارك إبقاء المنزل لاقامتها مدى الحياة، وبعد وفاة الرئيس السادات فى 6 أكتوبر 1981 صدر القانون 163 لسنة 1981 من مجلس الشعب المصرى ونشر فى الجريدة الرسمية فى 8 أكتوبر 1981 المواقف 10 ذى الحجة 1401 وينص على الآتي: تعمل الدولة على أن تؤول إليها ملكية المنزل الذى يقيم فيه الرئيس السادات على أن تؤول الملكية بعد الدولة إلى جيهان السادات وأولادها من الرئيس السادات، ونفس الشيء تم تطبيقه بالنسبة لاستراحة المعمورة.
قبل أن أقابل السيدة جيهان السادات، كنت قد قرأت عنها الكثير، والمقابلة معها لم تكن سهلة، فهى تقضى شهورا فى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم تعود، وهى سيدة منظمة تقضى حياتها بنظام حاسم، وتحتفى بأسرتها وأحفادها كثيرا، وقد جلست معها بعد وساطة من ابنتها السيدة نهى السادات.. التى تحدثت معها لاعداد هذا اللقاء الصحفى الإعلامى، لم أكن اشعر بأى رهبة، فهى رحلة تشعرك انك دخلت لفصل من فصول التاريخ، ومن الوهلة الأولى لجلوسك مع السيدة جيهان السادات تزول الرهبة، فهى تحيلك ببساطتها وعفويتها لقلب الحقيقة مباشرة، ليست مراوغة فى الإجابات.. بل واضحة بعفوية، كل سؤال له إجابة واحدة، هكذا كانت شخصية جيهان صفوت رؤوف، أو كما عرفت بـ"جيهان السادات"، المولودة فى حيِّ الروضة بمدينة القاهرة عام 1933، وتنتمى إلى عائلة من الطبقة المتوسطة العليا من صعيد مصر، لأب مصرى يعمل طبيبًا، وأم بريطانية تدعى "جلاديس تشارلز كوتريل"، وكانت ترتيبها الثالث بين أربعة أطفال فى أسرتها، وهم: مجدي، علي، وداليا، وحين تجلس معها تشعر أنك أمام سيدة مكافحة عرفت طريقها من البداية وصممت على استكمال تعليمها وخلق كيانها الخاص، فحصلت على ليسانس الآداب جامعة القاهرة عام 1977، ثم حصلت على الماجستير فى الأدب المقارن، وشاهدها الملايين وهى تناقش الرسالة عبر شاشة التليفزيون، ثم نالت درجة الدكتوراه فى جامعة القاهرة عام 1986، وكرست جهودها بعد ذلك للتدريس بجامعة القاهرة، وإلقاء المحاضرات فى الجامعات العالمية، وأصبحت إقامتها بين مصر والولايات المتحدة، وكانت أستاذًا زائرًا فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وجامعة جنوب كارولينا، وجامعة رادفورد فى الولايات المتحدة الأمريكية، وأستاذ الدراسات الدولية بجامعة ماريلاند.
جلست مع السيدة جيهان السادات، وكنت رئيس تحرير برامج الإعلامى الكبير مفيد فوزى، وكان من المتبع الجلوس مع الشخصية لكتابة تقرير إنسانى عنها قبل أن تدور الكاميرات فى المكان، والحقيقة أن ما وجدته منها هو ما يعكس البساطة والحب والتقدير لزوجها الرئيس السادات، هو حب لم ينته بالموت، حب يبدو فى كل كلمة تذكر اسم الرئيس السادات.
السيدة جيهان السادات لايوجد شيء فى مجرى الأحداث السياسية لا تعرفه، فقد شاركت جيهان زوجها الرئيس أنور السادات مختلف الأحداث المهمة التى شهدتها مصر، بدءًا من ثورة 23 يوليو 1952، وحتى اغتياله عام 1981، وكانت زوجة داعمة لزوجها طوال الوقت فى مسيرته السياسية الصاعدة، وشاركته فى كل الأحداث والقرارات المصيرية التى اتخذها، ومن أبرزها حرب أكتوبر، وتوقيع اتفاق السلام "كامب ديفيد"، فضلا عن تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى وما نتج عنها من تداعيات، كانت خلال الحديث تبدو صريحة للغاية، فقد تفاجأت بقرار الرئيس نحو السلام مع اسرائيل، وقالت له صراحة إنه قرار مصيره الاغتيال، ولم تتفق مثلا مع وجهة نظر الرئيس السادات فى اعتقالات سبتمر بعد اتفاقية كامب ديفيد، نعم كانت تحمل فى بعض الأحيان وجهة نظر مغايرة فقد بدأت "جيهان السادات" نشاطها العام بداية الستينيَّات، إلا أن دورها بدأ يتبلور بعد تعيين السادات نائبًا لرئيس الجمهوريَّة فى 19 ديسمبر عام 1969، ثم اختياره رئيسًا بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر فى 28 سبتمبر عام1970.
وكانت أول سيدة أولى فى تاريخ جمهورية مصر العربية تخرج إلى دائرة العمل العام؛ لتباشر العمل بنفسها بين صفوف الشعب المصري، وكانت ترتدى الجلابية الفلاحى وتجلس بين المزارعين، وأثرت فى حياة الملايين داخل بلدها.
كانت السيدة جيهان السادات ترى فى الرئيس السادات البطل الذى لم يتغير، سواء قبل الثورة أو بعدها، كانت تصفه بالرجل الحنون، الذى كان يمثل رأى الأغلبية فى مصر، وبفضل الله مرت حياته كرسالة، مكرساً نفسه وأخيراً مضحياً بها من أجل بلده، وكانت تقول عنه دوما.. هو الرجل الذى حرر أرضنا، وجلب السلام لبلدنا، وقدم الدستور الدائم لعام 1971 وأنشأ السلطة العليا للقانون، وأرسى الهيكل الاقتصادى للرخاء، وألغى الرقابة على الصحف، وأعطى شعبنا حريات لم يعرفها من قبل، وكان دائماً يقول: "الحرية هى أجمل وأقدس وأغلى ثمرة لثقافتنا".
خرجت من اللقاء مع السيدة جيهان السادات التى تشع بحضورها فى كل ركن عبر أركان بيتها، كل شيء مرتب ومنظم بعناية فائقة، سيدة راقية هادئة لطيفة مع الصغير والكبير، ودارات الكاميرات وخرج لقاؤها مع الاعلامى مفيد فوزى للنور، ولعكم تابعتوه او تستطيعون متابعته عبر اليوتيوب.
اللقاء حدث عام 2014 وهنا وفى تلك السطور الأخيرة أعود وبعد وفاة السيدة جيهان السادات للإعلامى الكبير مفيد فوزى، ليحدثنا عن الانطباع الذى سجله عن شخصيتها، فيقول: جيهان السادات أعتقد أنها وكما يصفها الكثيرون، امرأة باهرة الشخصية، ومميزة وخطيرة، إنها تصغى لأقل البشر، يعنى السفرجى عادة ما نسمعه بنصف أذن، إنما هى تصغى له بأذن كاملة، إنها تعطى اعتبارا شديدا للبشر، وهى شخصية حين تختلف معها فى الرأى تجذبك بابتسامتها، هى كزوجة ساعدت زوجها، وكانت شخصيتها كما البطل فى الجبهة لا تنام، وكانت تقول إن الرئيس السادات حين يكون فى الجبهة.. كانت تحتضن أولادها، وحين ينامون.. تظل ساهرة إلى أن يأتى الرئيس السادات.. ويقول لها.. مساء الخير يا جيهان، وقتها يمكنها أن تنام مطمئنة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق
فرحات: موازين القوى تميل لصالح المحور الأمريكى الإسرائيلى لكن إيران تراهن على تحويل المنطقة إلى حقل ألغام الشيخ: إيران تتحرك...
إسماعيل: الصين ترى إيران شريان طاقة.. وروسيا تعتبرها حليفاً لكسر طوق حلف الناتو مكاوي: القوى الكبرى تتصارع على «المسرح الإيرانى»...
أزمة خانقة تواجه المحور الأمريكى - الإسرائيلى.. وإطالة الحرب ليس فى مصلحة أحد