ترحال السينما حالة سفر «3» «الأشياء التى نقتلها» ..بين الجبال والعوالم البعيدة

تبدو جبال الأناضول من بعيد . حيث يعتنى على "إكين كوتش" بحديقة قاحلة كخلفية شريرة لأحداث الفيلم التركى "الأشياء التي نقتلها" للمخرج الإيرانی علی رضی خاتمی إذ يمكن التنبؤ بحدوث أي شيء مرعب وليس فقط أن يخرج من بين تلك الجبال فجأة رضا "إركان كولجاك كوستينديل" المزارع المتشرد،

 وكانه سقط من السماء؛ ليقلب أحداث الفيلم رأسا على عقب، ولكن هناك أيضا السباكة معطلة في كل مكان وهناك مسدس محبا في خزان مياه، وكلب حراسة عدواني لا نعرف من أين جاء، ومرأة معلقة في مقدمة باب تفتح كبوابة، ويبدو أنها تسحب "عليا" إلى داخلها كما ستسحبنا

تدور أحداث فيلم "الأشياء التي نقتلها" حول " على" أستاذ جامعي تركي المولد، غادر وطنه ليدرس في الولايات المتحدة لأكثر من ١٤ عاما، عاد مؤخرًا إلى وطنه مع زوجته هزار هزار) إرجوتشلو)، يتزايد قلق على" على صحة والدته وسلامتها بسبب والده إرجان كيسال)، مهنيا.. سيتم قريبا إنهاء وظيفة على كمدرس، وكذلك الفصل الذي يشرف عليه، في منزله... تضغط عليه زوجته هزار لإجراء اختبار خصوبة بعد محاولات حمل فاشلة متكررة، لكنه يرفض استلام النتائج، مما يزيد من توتر علاقتهما، وعندما تتوفى والدته سكينة (غوليز سيرينيان) بحادث سقوط على الأرض، يبدأ على بالتساؤل حول ملابسات وفاتها: هل يمكن أن يكون والده مسؤولا ؟ ماذا يعنى الاعتقاد بأن والدك قادر على القتل؟

ينتقل اللوم بين أفراد الأسرة، ويتبادل أفرادها الغضب، ويبدأ الحزن، ولكن لا أحد يشعر بالغضب بطبيعته كما تقول شقيقة "على".. فهل الغضب مكتسب؟ هل علينا أن نتعلم كيف نشعر بالاستياء من الآخرين؟ هذه الأسئلة هي جوهر فيلم "الأشياء التي نقتلها".

يرى "على" نفسه رجلا مسالقا وأستاذا مفكرا، نقيضا لوالده العنيف والغاضب، ومع ذلك، عندما يشك في وفاة والدته يبدأ على بالتساؤل عن جوانب من نفسه كان يعتقد أنه يعرفها جيدا.. ولكن وصول البستاني "رضا" غير المتوقع وغير المرحب به في البداية إلى منزل العائلة الجاف القاحل خارج المدينة، كاف لتحفيز " على" لفعل أي شيء انتقاما لوفاة والدته التي بدت في غير أوانها، فهو يشك أن والده المتسلط والذي يسيء معاملته أحيانا، هو المسؤول عن وفاة والدته فقد سمع من أشقائه بعد عودته من امريكا عن حالات عنف أسرى، ويعرف طباع الرجل عن كتب... فعلاقته به متوترة دائما، إذ يلومه على سنوات من إساءة معاملة والدته، بينما لا يبدى الأب أي ندم فقط بعد أن تكيف "علي" مع وجود رضا شبه الدائم بدأ في وضع خطة للتخلص من الشعور بالذنب المؤلم والخانق الذي يدفعه لأفعاله، فاستعان به لمساعدته في اختطاف والده وقتله ودفن جثته، ولكن رضا ليس الشريك الخجول كما يبدو... لديه خطط أكثر شرا، ويتدخل في النهاية في حياة على الشخصية الناس بخلاء، والماء غالى الثمن... هكذا يقول رضا المتشرد الغامض الذي يتعثر في حديقة على الذابلة ليزرع نفسه بغموض في حياة على المضطربة.. تقع الحديقة في منتصف اللا مكان بين الجبال والعوالم البعيدة عن المكان الذي يعيش فيه على مع زوجته...

ليس من الواضح ما إذا كان يقيم في أنقرة، اللهم إلا اسم جامعة غازي - حيث يدرس الأدب الأمريكي بعقد قابل للانتهاء - كما أنه ليس من الواضح أبدا سبب ميل "رضا" إلى زراعة الأعشاب فى المناطق النائية الجافة بهذه العزيمة، فهو كشخص يظهر في المقام الأول کنظیر خيالى أو مرأة لرغبات على الضمنية، حيث يكون أحدهما مقيدا، والآخر مندفقا وحيث يتجنب أحدهما الصراع، يثيره الآخر تزداد هذه اللعبة تعقيدا حيث لا يصبح رضا مجرد شريك، بل أيضا محفرًا الرغبات على المكبوتة... تتحول علاقتهما إلى علاقة غامضة، إلى أي مدى يعتبر "رضا" حقيقيا؟ أم أنه ربما انعكاس لكل ما يرفضه على ؟ فهو ليس شخصا كما يبدو عليها على ورضا - وهما يحملان أيضا اسمين يشكلان الاسم الأول والثاني للمخرج على رضا خاتمی، يحملان تشابها عابرا، لكن خاتمى يجبر المشاهدين على تعليق بعض الشكوك حول قدرة رضا على أن يصبحنسخة من على بسهولة، يبدو أن البستاني لديه بالفعل ميل للحكايات الطويلة، هو يحمل دائما دفترا ملينا بكلمات غامضة وكتابا ورقيا باللغة الإنجليزية يقرأه أينما جلس أمام منزل المزرعة، ولكن هل هذه

ملابس على التي يرتديها فجأة؟

نحن إذا بتنا أمام فوضى سردية، فالأحداث في النصف الثاني من الفيلم تتوالى بشكل أكثر اضطرابا وغموضا... هنا، الرجال وليست النساء، هم من يجدون انفسهم مفككين هوياتهم غير محددة.. فالفيلم بأكمله يصور شخصياته الذكورية على أنها عرضة للاستياء والعنف، أحدهم يسعى لقتل آخر، وآخر يسعى لقتل ثالث، وكل يسعى للانتقام لشيء أو لشخص ما دون ادنى تفكير في رد الفعل، بينما غالبا ما تقتصر أدوار النساء على جلسات الحداد الهادئ، واستدعاء الذكريات وندب الحظ.

ينتهي فيلم "الأشياء التي نقتلها" بنفس الجملة الغامضة - "اقتل "النور" - التي يرددها شخصان مختلفان تمامًا.. يولد أحدهما من كلمة يرددها والد "علي" على زوجته في حلم ببداية الفيلم، والآخر كابوس حيث يبدو "علي" التعيس وكأنه قتل والده.

إن ثقل ما شاهدناه - نحن الجمهور - للتو، يشعرنا بالاختناق، تماما كعلاقة الأب والابن في قلب الفيلم... فمهما حاول "على" إنكار أنه ابن أبيه، إلا أن ما يصلنا غير ذلك؛ فطوال الفيلم يتخللنا شعور بأنهما عالقان في نفس معركة الذكورة السامة التي خاضها أجدادهما من قبلهما، وأن عليا سيكون هكذا مع طفله الذي يتمناه، كما أن معظم المشاهد في الفيلم تتحدث عن جذور ترفض الاقتلاع الأرض القاحلة الحديقة التي يعتنى بها "علي" بعناية، البئر التي تحتاج إلى حفر أعمق حتى المساحات الحضرية، مثل الجامعة التي يعمل بها على جدرانها مزينة بشخصية الأب الحاضرة في كل مكان صورة أتاتورك العملاقة - رمز الأب للأمة - والتي توحى بأن النظام الأبوى ليس مسألة عائلية فحسب، بل هي مسألة قوميه أيضا.

وهكذا.. مهما تمنينا التخلص من الأشياء التي نكرهها في أنفسنا، وخاصة تلك التي نشعر أنها مثقلة ظلما يسبب أبائنا أو بيئتنا أو تربيتنا، فإنها لا تختفى ببساطة لأننا فقط نشعرها ولا نحبها.. إنها تطاردنا حتى لو ظننا أننا تخلصنا منها .. فهل سترفض إرثنا هذا وتدمره لتكون أفضل؟ إنه خيار مدمر.

نبضة مسافرة

إن رؤيتى لا تعنى بالضرورة رؤية وجهى لفهم أفكارى، فإن مشاعرى هى رؤيتى..

أبو الأتراك: مصطفى كمال أتاتورك

Katen Doe

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - شكراً للرئيس

لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...

حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا

عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا

نحو الحرية - أرض الصومال

لا يمكن النظر إلى إعلان إسرائيل الاعتراف بما يعرف بـ (أرض الصومال) او (صومالي لاند) باعتباره موقعا دبلوماسيا عاديا أو...

نحو الحرية - ممارسات فوضوية

ما شاهدناه مؤخرًا من ممارسات غير مسئولة من بعض زائرى المتحف المصرى الكبير من المصريين يعكس واقعًا مؤسفًا حول تعامل...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص