بكل صراحة - امرأة أضاءت الحياة

بمناسبة اليوم العالمى للمرأة أعيد التذكير بهذه الحكاية: كتب جابرييل جارسيا ماركيز روايته الخالدة "مائة عام من العزلة" عام ١٩٦٥،  ونشرها عام ١٩٦٧، وحققت نجاحًا عالميًا مذهلًا وعجيبًا ونادرًا؛ إذ تمت طباعة ما يقرب من ثلاثين مليون نسخة من الرواية فى مختلف دول العالم، وتُرجمت إلى ثلاثين لغة.

 

وهى رواية ملحمية طويلة.. استعرض خلالها ماركيز قصة حياة عائلة بوينديا بدءًا من الجد الاكبر خوزيه اركاديو والجدة اورسولا .. ولسبعة أجيال متعاقبة؛ حكى ماركيز قصة حياة العائلة التى هاجر مؤسسها إلى ماكوندو  على ساحل الكاريبي، وكيف كونوا مجتمعًا يتميز بالعزلة .. مع كثير من الوقائع التى تتعلق بالحرب والسحر والخرافة وقراءة المستقبل .. وهى الرواية التى كانت  سببًا مباشرًا ورئيسيًا فى فوز ماركيز بجائزة نوبل عام ١٩٨٢.

ورغم أن ماكوندو التى تدور على أرضها الأحداث هى عالم متخيل، وليس حقيقيًا لكن الأحداث تشير إلا أنها تشبه كولومبيا بلد ماركيز، بل هى تشبه العالم .. ومن يقرأها يشعر كأنه يقرأ حلمًا مليئًا بالسحر والحواديت والحكايات.. يتحدث الناس والمبدعون والنقاد عن الرواية الناجحة، وعن عالمها الساحر، لكن العشاق فقط هم من يرون بين سطورها مرسيدس باريتشا زوجة ماركيز التى دفعت زوجها دفعًا لإنجاز هذا العمل الضخم .. فحين اختمرت الرواية تمامًا فى عقل ماركيز، وآن أوان خروجها من عقل مبدعها، لتنسكب عالمًا ساحرًا على الورق، كان ماركيز يعيش مع مرسيدس فى المكسيك ويعانى أزمة مالية خانقة؛ إذ كان قد اشترى سيارة جديدة  استنزفت كل ما يملك من نقود، فاضطر لرهنها، غير أن مقابل رهن السيارة لم يكن يكفى مصروفات الأسرة أكثر من ستة أشهر، فيما امتد الوقت الذى احتاجه لإنجاز الرواية إلى عام ونصف العام بالتمام والكمال.

وحين بدأ أن قدرة ماركيز على الكتابة لن تصمد إزاء الظرف المادى القاسى الذى يعيشه وأسرته .. قامت مرسيدس برهن خاتم زفافها لتسهم فى  تهيئة الأجواء لكى يبدع زوجها، ويواصل كتابة روايته، وبكثير من الإصرار على تحقيق حلم إنجاز العمل الكبير .. وبكثير من التدبير والتوفير والتنظيم، لم يشعر ماركيز أبدًا بوطأة أزمته المادية الضاغطة، وظل يكتب الرواية، بينما تتحمل مرسيدس عبء تصريف أمور حياة  أسرتها، إلى أن انتهى زوجها من كتابة روايته، لتذهب بها مرسيدس سريعًا إلى مكتب البريد وترسلها  إلى الناشر فى الأرجنين لتتجلى على العالم كله رواية مائة عام من العزلة، ولتصبح واقعًا وحقيقة فرضت وجودها، وحققت ذلك النجاح الساحق .. إنها المرأة العاشقة التى تدفع  رجلها دفعًا للمجد .. إنه الحب الذى يصنع المعجزات !!

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

صلاة النصر في محراب الفيروز

ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...

بروح رياضية - درس الجمهور

فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...

السعادة ممكنة - «عبد الرحمن على » أمل متجدد وحضور طاغٍ

(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...

بروح رياضية - شروع فى «دمج»

يشعر بعض المهتمين والمنشغلين بأحوال ومصير الأندية الجماهيرية والشعبية فى مصر ببصيص من  الأمل  فى الآونة الأخيرة، يعد الحديث حول...