صورة - الحرب والحضارة الزائفة

نعم أنا أشعر بلا جدوى الثقافة.. أشعر بلا جدوى الحضارة بكل مفرداتها وتجلياتها.. هذه الحضارة التى لم تمنع إسرائيل من حصار الشعب الفلسطينى فى غزة وممارسة كل أنواع الجرائم اليومية كل يوم ضده، والعالم يشاهد ويكتفى بالتفاوض.

فى الأيام الماضية أعلن المتحدث باسم منظمة اليونيسيف أن هناك ما يقرب من 19 ألف طفل فى قطاع غزة فقدوا الأب أو الأم أو كليهما، أو انفصلوا عن آبائهم وأمهاتهم جراء الحرب.. ودون شك هذا الرقم تقديرى، وهناك المئات لم يشملهم هذا الإحصاء.. وحتى الأسبوع الماضى وصل عدد الشهداء إلى 40 ألف شهيد، ليس فقط من المقاتلين بل العدد الأكبر من الأطفال والنساء، أى من المدنيين، والأعداد قابلة للزيادة، فكل يوم غزة تتحول إلى كومة تراب.

كان الكاتب المسرحى السويسرى ماكس فريش يقول: «كل كتاب لا يهتم بإيقاف الحرب وبخلق مجتمع أفضل، هو كتاب بلا معنى وعديم القيمة، لا يستحق القراءة، فنحن لا نعيش عصر القصص الذاتية».. أتذكر هذه الكلمات وأنا أشاهد الشعب الفلسطينى فى غزة منذ ما يقرب من عشرة أشهر فى قبضة جيش الاحتلال الإسرائيلى الذى يمارس ضده كل أنواع القتل، كل الجرائم.. قتل للأطفال والشيوخ والنساء ومن لا يحملون السلاح.. تدمير لكل ما يمت بصلة للفلسطينيين دون مراعاة للقوانين والأعراف التى تحكم الإنسانية.. فلا مانع من تدمير مستشفى بالمرضى والمصابين، ولا مانع من تدمير منزل بالأطفال والنساء.. لا مانع من فعل أى شىء.. لقد أصبحت غزة مجرد أنقاض، مدينة أشباح، والعالم يكتفى بالمشاهدة وانتظار نتائج المفاوضات.. يكتفى بالانتظار وهو يشاهد كل يوم مزيدا من القتلى، مزيدا من الجرائم.. وأصبحت الصورة اليومية التى تبثها الفضائيات مجرد عادة من العادات.. أصبحت حدثا عاديا يشاهده الجمهور كل صباح، مثل طعام الإفطار والقهوة!! وإذا كان ماكس فريش يرى أن كل كتاب لا يهتم بإيقاف الحرب عديم القيم، أقول له إن الكتب لم تعد تهتم حتى بالقارئ، الكتب تهتم فقط بالجوائز، والكتاب يشاهدون الحرب مثل فيلم سينمائى من خيال المؤلف أو مسرحية يومية تجسد مشاهد القتل والذبح وإبادة شعب، وأقصى ما يفعله هذا أو هذه، فقط يشعر بالحسرة.

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

بدأت غزة تنفيذ المرحلة الثانية من خطة إعادة الإعمار المصرية، التي تم ا
نحو الحرية استحقاقات فلسطينية
بلاد العرب نحو الجرية وشهد شاهد من إسرائيل
هويد

المزيد من أقلام

دبلوماسية الحضارات العريقة .. حوار التاريخ بين الوادي والنهر الأصفر

في عالمٍ لا تكتفي فيه الذاكرة الإنسانية بتدوين الأحداث العابرة، بل تحفر في صخر الزمن ملامح الخلود، تتقاطع خطى الأولين...

​الأهراماتُ المقلوبةُ.. أخطارٌ تهددُ الوطنَ والمواطنَ

​المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...

ما وراءَ المُسيّرَة .. كيف وُئِدَ الانفِجار قبْل أن يُولد..؟

لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...

في مئويّة الصّوت وستّينيّة الضّوء.. "ماسبيرُو" والبعثُ الرّقمي لذاكرة الأُمّة

للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...