المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع ارتفاعِ سقفِ الطموحاتِ لدى الأجيالِ الجديدةِ، يجدُ أنه لا صوتَ يعلو فوقَ صوتِ طموحِ الشهرةِ والبحثِ عن «الثراءِ السريعِ»، لنكتشفَ أننا أمامَ خللٍ خطيرٍ يتشكلُ أمامَ أعينِنا في منظومةِ القيمِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ، يمكنُ أن نطلقَ عليه «الهرمَ المقلوبَ»؛ حيث يجدُ الشبابُ أمامَهم نماذجَ تحققُ دخولًا ضخمةً وسريعةً من مجالاتٍ لا ترتبطُ بالضرورةِ بالتعليمِ أو البحثِ العلميِّ أو سنواتِ الدراسةِ الطويلةِ، بينما يرى الطبيبُ والمهندسُ والباحثُ والأستاذُ الجامعيُّ وأصحابُ المهنِ المتخصصةِ أنفسَهم في الطرفِ الآخرِ من المعادلةِ، بعدَ سنواتٍ طويلةٍ من التعليمِ والتدريبِ والعملِ.
الشابُ اليومَ لا يعيشُ بمعزلٍ عن هذه المقارناتِ؛ إذ يرى ويسمعُ يوميًا عبرَ منصاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ نماذجَ لـ«بلوجرز» وصناعِ محتوًى ومشاهيرَ يتحدثونَ عن عوائدَ ماليةٍ ضخمةٍ، قد تصلُ في بعضِ الحالاتِ إلى عشراتِ أو مئاتِ الآلافِ من الجنيهاتِ، بل وربما أكثرَ. كما يرى لاعبَ كرةِ القدمِ الناجحَ يحصلُ على ملايينِ الجنيهاتِ سنويًا، ويقارنُ ذلك بما يحصلُ عليه الطبيبُ أو المهندسُ أو الباحثُ بعدَ سنواتٍ طويلةٍ قضاها بين الكتبِ والمعاملِ والمستشفياتِ والجامعاتِ.وهنا تبدأُ المشكلةُ الحقيقيةُ؛ فالشابُ بطبيعتِهِ يبحثُ عن المستقبلِ الأفضلِ، وعندما يرى أن طريقَ التعليمِ يحتاجُ سنواتٍ طويلةً من الدراسةِ والتخصصِ، ثم لا يضمنُ له بالضرورةِ دخلًا يتناسبُ مع مكانةِ المهنةِ ومسؤولياتِها، بينما تظهرُ أمامَهُ طرقٌ أخرى تبدو أقصرَ وأكثرَ ربحًا، فمن الطبيعيِّ أن يسألَ نفسَهُ: لماذا أدرسُ كلَّ هذه السنواتِ؟ ولماذا لا أبحثُ عن الطريقِ الأسرعِ إلى المالِ؟هذا التحولُ لا يحدثُ في فراغٍ؛ بل هو نتاجٌ مباشرٌ لتغيراتٍ هيكليةٍ في الاقتصادِ العالميِّ، الذي انتقلَ نحو ما يُعرفُ بـ «اقتصادِ الانتباهِ» والتجارةِ الرقميةِ، حيث أصبحتِ المشاهداتُ والانتشارُ السريعُ يُترجمانِ فورًا إلى أرقامٍ ماليةٍ ضخمةٍ. ويرافقُ ذلك خطابٌ إعلاميٌّ ودراميٌّ يكرسُ غالبًا صورةَ «البطلِ الثريِّ سريعِ النجاحِ»، بينما يتراجعُ حضورُ النموذجِ الفكريِّ والعلميِّ في التوجيهِ المجتمعيِّ، مما يعززُ هذا الانقلابَ في سُلَّمِ القدوةِ والقِيَمِ.غيرَ أن الأزمةَ تتضاعفُ عندما ينخدعُ الشبابُ بـ «وهمِ النجاحِ الرقميِّ»؛ إذ يتناسونَ أن ما يُعرضُ على الشاشاتِ يمثلُ شريحةً ضئيلةً جدًا لا تتجاوزُ 1% ممن حالفَهُم الحظُ أو الظروفُ، بينما تقبعُ الأغلبيةُ العظمى في طيِّ الخسارةِ والإخفاقِ. إن هذا الانسياقَ خلفَ السرابِ الاستثنائيِّ يُغيّبُ عن الأجيالِ مفهومَ «الصلابةِ النفسيةِ»، ويجعلُهُم يتوقعونَ نتائجَ فوريةً دون المرورِ برحلةِ التراكمِ والجهدِ، وهو ما يتطلبُ تدخلًا واعيًا من الأسرِ والمؤسساتِ التربويةِ لإعادةِ غرسِ القيمةِ الحقيقيةِ للعملِ الدؤوبِ.وهذه المقارنةُ، إذا تركناها تتسعُ دونَ تدخلٍ، قد تكونُ أخطرَ من مجردِ أزمةِ أجورٍ؛ لأنها تضربُ قيمةَ التعليمِ ذاتَها، وتضعفُ السيادةَ التقنيةَ والابتكاريةَ للمجتمعِ في عصرٍ يشتدُ فيه التنافسُ على الذكاءِ الاصطناعيِّ والعلومِ المتقدمةِ التي لا يمكنُ أن يَبنيَها سوى العلماءِ والباحثينَ.نحن لا نلومُ الشبابَ على طموحِهم، ولا نعترضُ على أن يحققَ صانعُ المحتوى أو الرياضيُّ أو أيُّ صاحبِ موهبةٍ نجاحًا ماليًا كبيرًا؛ بل إن نجاحَ الموهوبينَ حقٌ مشروعٌ، وقد يكونُ مصدرَ إلهامٍ لغيرِهم. لكن المشكلةَ تبدأُ عندما تتحولُ هذه النماذجُ الاستثنائيةُ إلى المعيارِ الوحيدِ للنجاحِ، وعندما يصبحُ المالُ السريعُ والشهرةُ مقياسًا لتقييمِ الإنسانِ، بينما يُنظرُ إلى سنواتِ الدراسةِ والبحثِ والتخصصِ باعتبارِها طريقًا طويلًا قليلَ العائدِ.والأخطرُ من ذلك، أن بعضَ المحتوى الذي تقدمُهُ منصاتُ التواصلِ لا يعرضُ رحلةَ النجاحِ كاملةً، وإنما يعرضُ النتيجةَ فقط: سيارةً فارهةً، منزلًا فاخرًا، سفرًا، أموالًا وشهرةً. أما سنواتُ العملِ والتجاربِ والفشلِ والظروفِ الاستثنائيةِ التي صنعتْ هذا النجاحَ، فلا تظهرُ غالبًا بالصورةِ ذاتِها.وهكذا يتشكلُ أمامَ الشابِ هرمٌ مقلوبٌ للقيمِ: في قمتِهِ الشهرةُ والمالُ السريعُ، وفي قاعدتِهِ العلمُ والبحثُ والتخصصُ والعملُ طويلُ الأجلِ.إن المواجهةَ الشاملةَ لهذه الظاهرةِ تتطلبُ تجنيدًا لكافةِ أدواتِ التأثيرِ الوجدانيِّ والعقليِّ في المجتمعِ؛ بدءًا من مناهجِ التعليمِ بالمدارسِ والجامعاتِ التي ينبغي أن تُعيدَ صياغةَ فلسفتِها لترسيخِ مفاهيمِ الاستحقاقِ القائمِ على الاجتهادِ، مرورًا بـ وسائلِ الإعلامِ والأعمالِ الدراميةِ المطالبةِ بتقديمِ نماذجَ تُعلي من قيمةِ العلمِ والإنتاجِ بدلًا من تمجيدِ الثراءِ الاستهلاكيِّ السهلِ. كما يمتدُ هذا الدورُ المحوريُّ إلى الخطابِ الدينيِّ في المساجدِ والكنائسِ، ومؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ؛ لإعلاءِ مبادئِ الأخلاقِ، والانحيازِ الصريحِ لفكرةِ العملِ، والإنجازِ، والتفوقِ في مختلفِ التخصصاتِ والمجالاتِ، مع كشفِ زيفِ المكاسبِ السريعةِ غيرِ المضمونةِ والمحفوفةِ بالمخاطرِ التي تقومُ على واجهاتٍ ونجاحاتٍ زائفةٍ.على الحكومةِ والمجتمعِ البحثُ عن مخرجٍ ينقذُ التعليمَ من هذه المعادلةِ، فلا يكفي أن نقولَ للشبابِ: «اهتموا بالتعليمِ»، بل يجبُ أن نجعلَ التعليمَ طريقًا حقيقيًا إلى حياةٍ أفضلَ، وأن نعيدَ الاعتبارَ الماديَّ والاجتماعيَّ للعلماءِ والأطباءِ والمهندسينَ والمعلمينَ والباحثينَ وأصحابِ المهنِ المتخصصةِ.إن إعادةَ الانضباطِ لهذا الهرمِ تتطلبُ خطواتٍ عمليةً متكاملةً؛ تبدأُ بمراجعةِ هيكلِ أجورِ المهنِ الحيويةِ، ودعمِ منظومةِ البحثِ العلميِّ عبرَ شراكاتٍ جادةٍ بين القطاعِ الخاصِ والمؤسساتِ الأكاديميةِ والتكنولوجيةِ، فضلاً عن تقديمِ حوافزَ حقيقيةٍ وتبنّي المبدعينَ في العلومِ والابتكارِ وشتى المجالاتِ بالزخمِ والاحتفاءِ نفسِهما اللذينِ تحظى بهما مجالاتُ الرياضةِ والترفيهِ.كذلك، لا بدّ لأصحابِ الفكرِ والكفاءاتِ الأكاديميةِ والمهنيةِ من تمكينِ أنفسِهِم بأدواتِ العصرِ الرقميةِ، ليصنعوا محتوًى توعويًا وعلميًا جاذبًا يُزاحمُ الغثَّ بالسمينِ، ويفتحُ لهم آفاقًا استثماريةً تسويقيةً للمعارفِ التي يحملونَها، فلا يظلُ الصوتُ العلميُ حبيسَ الجدرانِ التقليديةِ.فليس من المنطقيِّ أن نطلبَ من شابٍ أن يقضيَ زهرةَ شبابِهِ في التعليمِ والتخصصِ، ثم نتركَهُ بعد ذلك يقارنُ دخلَهُ بمن حققَ ثروةً سريعةً عبرَ مسارٍ مختلفٍ، دونَ أن نقدمَ له إجابةً مقنعةً عن السؤالِ الأهمِّ: ماذا سيكسبُ من العلمِ؟المعركةُ إذن ليست ضدَ البلوجرز، ولا ضدَ لاعبي كرةِ القدمِ، ولا ضدَ الشهرةِ أو صناعةِ المحتوى؛ بل المعركةُ الحقيقيةُ هي ضدَ اختلالِ ميزانِ القيمِ، وضدَ أن يصبحَ النجاحُ في نظرِ الأجيالِ الجديدةِ مرادفًا للمالِ والشهرةِ فقط.نحتاجُ إلى هرمٍ جديدٍ، لا مقلوبٍ؛ هرمٍ تكونُ قاعدتُهُ العلمَ والأخلاقَ والعملَ والإبداعَ، وتكونُ قمتُهُ النجاحَ والتميزَ والثراءَ المشروعَ؛ لأن أخطرَ ما يمكنُ أن نخسَرَهُ ليس طالبًا تركَ دراستَهُ، وإنما جيلٌ كاملٌ يفقدُ اقتناعَهُ بأن العلمَ يستحقُ أن يُطلبَ، وأن التخصصَ يستحقُ سنواتِ العمرِ، وأن بناءَ الإنسانِ لا يقلُ قيمةً عن تحقيقِ المالِ. وحين يصلُ المجتمعُ إلى هذه المرحلةِ، فلن تكونَ المشكلةُ في التعليمِ وحدَهُ، وإنما في مستقبلِ المجتمعِ برُمَّتِهِ.فإذا كان المجتمعُ يريدُ من أبنائِهِ أن يصبحوا أطباءَ ومهندسينَ وعلماءَ وباحثينَ، فعليهِ أولًا أن يجعلَ هذه المهنَ جديرةً بأن يحلمَ بها أبناؤُهُ.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...
لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...
للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...
ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...