يروى علاقته بالشيخ من كلية الحقوق إلى «بانوراما الميدان» محمود جبر: لا نستطيع أن نقـــــــول «إمــام» مــن دون «نجم» أحمد فؤاد نجم شاعر «25 يناير» والشيخ إمام مغنّيه منعتنى أغانى إمام ونجم من السفر للخارج رغم حاجتى إليه جمعت بين فاروق الشرنوبى والشيخ فى دويتو واحد كان حزينًا من نهاية علاقته بنجم وكان يرفض الكلام تمامًا عن الخلاف
محمود جبر، محامى مضروب بالعامية، فى أى مكان ستقابله سيقول لك شعرا، وهو شاعر كبير، وإن كان اسمه بعيدا عن الناس.هو ابن الحركة الطلابية، دخل الحقوق فى السنة الدراسية 72/ 1973، لم تكن مصر قد عبرت بعد، كان الشارع مشحونا، يهتف للحرب، والشيخ إمام ونجم يشعلان الحماس فى الجامعة. فى تلك الأجواء، تعرف إلى "إمام"، وحين غاب "نجم" فى المعتقل، كتب له قصيدتى "كبير العيلة" و"أحزان نبي"، ثم جمع بينه وبين فاروق الشرنوبى فى دويتو واحد.عاش جبر، موقفا إنسانيا لا ينساه مع الشيخ إمام بعد خلافه مع نجم، وحبا فيهما جعلهما أبطال مشروعه الشعرى "بانوراما الميدان" الذى وثّق فيه أيام ثورة 25 يناير فى 18 لوحة.
كيف تعرفت إلى الشيخ إمام؟
تعرّفت إليه بعد دخولى كلية الحقوق سنة 72، كنا فى الحركة الثقافية، وكوّنّا "جماعة الصحافة"، نكتب مجلات الحائط، كانت القوات الإسرائيلية مازالت موجودة فى سيناء، والقضية الوطنية هى الشغل الشاغل للطلبة، والحركة الطلابية متأججة جدًا، وكان يأتى الشيخ إمام ونجم فى حفلات الجامعة، شاعر ثورى ومغنٕ ثورى يزيدان الطلبة حماسًا، وكانت لوجود الثنائى أهمية كبيرة، أفادنا جدًا فى توعية بعض الطلبة بالقضية، ممن كانوا يسمعون الأغانى ويسألون عن أصحابها وعن القضية، وساعدنا فى أن نرقى ببعض العناصر ليصبح لها دور وطنى، ظاهرة إمام/ نجم أثرت الحركة الوطنية، سواء قصدا ذلك أو لم يقصداه.
لماذا سُمّى الثنائى "إمام/ نجم" رغم أن هناك شعراء آخرين كتبوا للشيخ إمام؟
صحيح، لكن نجم أكثر من كتب للشيخ إمام، وكانا مقيمَين فى مكان واحد، بدآ معا وقدّما تجربتهما معا، التحما بالجماهير، وأخذا موقفًا واحدًا، واعتُقلا معا، وكان عندهما من الشجاعة ما يكفى ليستمرا، وبغض النظر عن الخلافات التى حصلت بينهما، لا نستطيع أن نقول "نجم" دون "إمام"، ولا نقول "إمام" دون "نجم"، حتى لو كتب 500 شاعر للشيخ إمام، ستظل الظاهرة إمام/ نجم.
كيف تعرفت على الشيخ إمام كشاعر؟
فى أواخر السبعينات تقريبًا، كنت كتبت شيئًا عن الرئيس السادات اسمه "كبير العيلة"، "هيلة بيلا هيلة بيلا/ يا حلولو يا كبير العيلة"، وسمعها الشيخ إمام فى إحدى المرات التى كان فى زيارتى، وأخذ الكلام ولحّنه، وفى موقف آخر، كنت كاتب "أحزان نبي": "جايلكم من أقصى المدينة/ غطى سماها العار/ والقهر فارش فرشته/ والحبل لافف لفته/ والحزن حاضن صحبته/ والكف تاهت سكته/ والناس على جبل الخلاص/ بيفرَقوا مال اليتامى/ وبيقطعوا سكة سبيل/ قال النبى يا هل ترى/ إيه يفيد الغسل/ فى القلب اللى حاس/ جايلكم والأرض بور/ والحلم أزهار ونور/ والفجر فرطة غطاوي/ والأرض حبلى غناوي/ مهتديكوش إلا بينا/ ولا تديناش لو نسينا/ الأرض مين يوم جرحها/ الشمس مين بكاها/ الفجر مين يوم طواه/ الأرض مين قساها/ ولا كانش يوم طبعها/ تبخل ولا تديش"، قصيدة درامية طويلة حول "أحزان نبي"، فالشيخ قفش فى الجزء الأخير وقال: "إدّينى ده"، ولحن من "جايلكم والأرض بور" أغنية.
كيف كان يتعامل الشيخ إمام مع الكلمات؟ هل كان يغيّر فى الكلمات؟
لا يغيّر من نفسه، لو أراد أن يغيّر كلمة يعود للشاعر، يتناقش "الكلمة دى تقيلة عايزينها بسيطة"، "الكلمة دى تبقى هنا أفضل"، "عايزين نغير القافية"، هكذا، لكنه لا يغير مع نفسه.
كم من الوقت كان يحتاج الشيخ إمام ليلحن فيه أغنية؟
أتذكر أغنية "هيلة بيلة"، مشينا مسافة طويلة فى الشارع، كان يقول: "سمّعني"، فأقول، "قول تاني"، وهكذا، حين وصلنا البيت كان قد حفظ الكلام وفكر فيه واستوعبه جيدا، ولم يأخذ وقتًا فى اللحن، لم يجرّب كثيرًا، كان له رؤية من البداية.
هل كان له طقوس معينة فى التلحين؟
كنا نجلس فى الصالة عادى، يحضر العود ونحن حوله، وهو يحب الصمت حين يبدأ تلحين، لا يحب الدوشة.
لا ينعزل حين يلحن؟
لا، فـــى قلـب النــاس يلحــن، فــى البيت عندى، كانت المدام موجودة، وأصـــدقاؤنـــا مـــوجــودون، وأولادى الصغار، وأذكر أن ابنى كان صغيرا، كان يقبّله ويلعب فى نظارته، والشيخ يحتضنه.
الشيخ إمام لحن لك كم أغنية؟
١٠ تقريبًا.
وهل كانت ألحانه معبرة عن كلماتك؟
جدًا، وكان يسألك عن رأيك وهو يلحن، وكان ممكن يعمل لحنًا ثم آخر، يقول "كوبليه" ثم يحسّن فيه ويجوّده، حتى بعد اللحن وهو يغنى، كان يعدل فيه.
كان يقبل النقد؟
لو قلت له تعديلا، يسمعك، ليس بالضرورة يغيّر، لكنه يسمع جيدا.
ما رأيك فى تجربته مع نجيب شهاب الدين وزين العابدين فؤاد؟
لم أعاصر تجربتهما معه.
على الأقل سمعت أغانيهم؟
طبعًا، أنا حافظ كل أغانى الشيخ إمام تقريبًا، وعندى جزء كبير جدًا منها، كل ما كان يقع تحت يدى من أغانيه أحتفظ به، وكان مصدرى فارس، حما الفنان مجدى عبيد، لأن الشيخ كان يسجّل عنده.
ما رأيك مثلًا أغنية "سايس حصانك"؟
"سايس حصانك على القنا وتعالى/ تلقى القوليلة مبخّرة وملانة"، لحن مبدع، الشيخ إمام ليس فنانا ثوريا يبحث عن الكلمة المباشرة التى تجذب الجمهور، ما فعله الشيخ إمام ونجم بنزولهما الشارع وما قدماه من تضحيات يكفيهما حتى لو لم يقدما أى شيء آخر، لم نشهد فنانين ارتبطوا بالحركة الوطنية بوجه عام مثل نجم وإمام، نعم، جاء عدلى فخرى بعد ذلك، وفاروق الشرنوبى قطع مرحلة، وظهر من الشباب: محمد عزت، أحمد إسماعيل، عطية محمود، هذه المجموعة جاءت متأخرة، ولم ينزلوا الشارع، وكانوا على نطاق ضيق، لم يكن أحد منهم عنده تجربة إمام ونجم.
جمعت بين الشيخ إمام وفاروق الشرنوبى فى دويتو واحد، كيف كانت التجربة؟
كان فاروق الشرنوبى بدأ يظهر كمغنٕ، وكنا نحتضنه أنا والفنان مجدى عبيد وعزت الدالى، تعرّفنا إليه فى إمبابة قبل أن يعرفه أحد، ووجدناه فنانًا محترمًا ولديه إمكانيات، بدأنا نكتب له، أنا ومحمود جمعة وحمدى عيد وعزت الدالى، كتب له فى مرحلته الأولى، حوالى 12 أغنية، منها "فدائيين"، ولم يكن لفاروق علاقة بالشيخ إمام، فجمعت بينهما فى جلسة واحدة، وفكرت أن نصنع مزجا بين شغل فاروق وشغل الشيخ، بدأنا من فاروق: "والله ان صفالى زماني/ والعمر طال قدامي/ لأرسم على فستانك/ وأنقش على حلقانك/ الزحمة لامه الخلق/ يسحب هديرها الحلق/ وتلف فى الميادين/ أعلامنا بالنياشين/ وتدق باب الخلق/ ملايين ورا ملايين/ على السكة أهم جايين/ على الصف من قدام/ واقف بعوده إمام/ يعزف يعلى الصوت/ نزحف سوا لقدام/ غنّى يا عم إمام"، فيدخل إمام يقول من كلمات نجم: "بنادى على كل واحد فى مصر/ ندايا أنا لكل بيت مش لقصر/ بلدنا فى محنة/ نظامها دابحنا/ وواجبنا إحنا/ نصونك يا مصر" وهكذا، وانتهت المسألة بأن الشيخ إمام أعطى عوده هدية لفاروق الشرنوبى فى هذه الجلسة، وبدأ التعارف بينهما.
كان معكم نجم؟
أعتقد كان محبوسًا، لكن حين وصلته التجربة فرح بها جدًا، وقال: "ياريت نعرف نكررها"، لكننا لم نتقابل لتكرارها.
كتبت للشيخ إمام بينما كان نجم فى السجن سنة 79 تقريبًا؟
نعم، 79 بالضبط.
هل كان الشيخ إمام يبحث عن شاعر آخر تعويضًا عن غياب نجم؟، وهل كان وجود نجم يمنع الآخرين من الكتابة للشيخ إمام؟
من وجهة نظرى، الشيخ يريد باستمرار أن ينتج، ونجم كافٍ وعنده إنتاج غزير، لكن لما كان يجد الشيخ كلاما جيدا، وهو حوله عدد كبير من الشعراء، كان لا يتردد فى أن يغنّيه.
كيف كان يرى الشيخ إمام، أحمد فؤاد نجم بعد انفصالهما؟
الشيخ على المستوى الإنسانى محترم جدًا، وفى عز أزمته مع نجم أو مع محمد على، لم يتحدث أبدًا، وقد سألته كثيرًا: ما المشكلة يا مولانا؟، وكان يتهرب من الإجابة، وأدّعى أن الشيخ إمام كان يرتاح لى وكان بيننا ود، لكنه لم يحب أن يتكلم، كان حساسًا جدًا، ويحترم نفسه، ويطوى أحزانه بداخله.
بعيدا عن نجم، من كان يسعى للآخر، الشيخ إمام أم الشعراء؟
كلاهما، بعض الشعراء كانوا يعرضون عليه أعمالهم، وما يعجبه يلحنه، والشيخ استقبل الشاعر فرغلى العربى، بعد أن توترت علاقته بنجم، وعاش فرغلى معه، وكتب له ٤ أو ٥ أغانٍ.
هل يمكن للشيخ إمام أن يجامل شاعرا بأن يأخذ منه كلامًا؟
لا، لا، بدليل أن كل الأغانى التى قدّمها لشعراء آخرين كانت جيدة، وبدليل أنه كان يسمع منى الكثير، لكنه كان يقول: "إدّينى دي"، باختياره.
كيف عملت معه فى مسرحية "الإضراب"؟
جاءنى مجدى عبيد وقال لي: "عايزينك تكتب أغانى المسرحية، وأنا عرضت على الشيخ وقال إن ريقك حلو"، كنت سعيدًا بهذه المسألة، وعملنا على جزء من الأغانى فى بيتى، وعملنا جزءا آخر فى حزب التجمّع نفسه فوق على السطح، عملنا حوالى ٨ أغانٍ، منها: "مد يا شعب الخطوة وحاذر/ نظّم صفك سارع بادر/ كافح وازحف للحرية/ آخرة سجن الخونة مجازر"، وعملنا "ومدام الصوت ممنوع والكلمة منداسة/ واللقمة لكل شريف محسوبة ومتقاسة/ نتكلم بالمدفع ونسلّم برصاصة"، وعملنا ٤ مربعات صغيرة على قدر الموقف، منها "أمورة حلوة صغيورة/ الدور على قدك والصورة/ فنانة وجدّك فنان/ من حقك أيتها بطولة"، كنا نتريّق على فتاة تمثّل لا علاقة لها بالتمثيل.
تقصد ضمن أحداث المسرحية؟
نعم، ضمن أحداث المسرحية، بنت تقابل منتجًا سينمائيًا، ليس لها فى التمثيل لكنها تحصل على الفرصة، فى حين أن المخرج والمنتج لديهما ممثلون حقيقيون لا يأخذون فرصًا.
استحضرت اسم الشيخ إمام فى قصيدة بعد 25 يناير؟
كان مشروعا متكاملا اسمه، بانوراما الميدان، عبارة عن 18 لوحة شعرية، من أول: "فى الميدان وإنت داخل/ فى أى مدخل من المداخل/ هيلاقيك ورد الجناين/ يعرفوا مين اللى داخل/ هات بطاقتك خد بطاقتك/ اوعى تزعل ده لحمايتك/ وإحنا غايتنا وغايتك/ الميدان يكون أمان"، ثم يرصد العمل الشعارات، منها "الجدع جدع والجبان جبان" للشيخ إمام، ثم يتناول الأشكال التى ابتدعها الشعب المصرى فى الميدان، كل يوم لوحة، يوم 26 لوحة "التدوير"، 27 لوحة "السمسمية"، اليوم الرابع جمعة الغضب، وهكذا، وفى اللوحة الأولى: "الكلام كان يومها داير/ عن يناير/ شهر دايمًا كان يجينا بالبشاير/ شهر دايمًا فيه كلام/ ياما غنى الشيخ إمام/ كل ما تهل البشاير /من يناير كل عام/ يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف والظلام/ والكلام قديم جديد/ الكلام كان للعميد/ بالمشاعر من الفؤاد/ الكلام للنجم أحمد فؤاد/ اللى كان بشيطانه سبّاق فى القلوب"، لأنى فى اعتقادى أن أحمد فؤاد نجم هو شاعر الثورة، والشيخ إمام مغنى الثورة، وأن 25 يناير بنت المرحلة كلها، ولذلك كان فيه لوحة باتكلم فيها عن "الكعكة الحجرية" لأمل دنقل، والميدان فى السبعينيات.
لماذا فكرت فى الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم تحديدًا حين كتبت عن 25 يناير؟
لم أفكر فيهما، جاءا بشكل تلقائى، لأنهما جزء من تكوينى الشخصى، هذه تجربة حياتى، منذ أن دخلت الجامعة حتى الآن، كنت حين أسمعهما أزداد حماسًا وإصرارًا على أن أقدّم تضحيات، لقد جعلانى، لا أسافر، فى وقت كنت أحوج فيه لأن أسافر، لاعتقادى أن السفر خيانة للوطن، أغانى إمام ونجم زادتنى صلابة وقوة وثبّتتنى على موقفى، تضحياتهما جعلتنى أشعر أن الاعتقال مسألة عادية.
هل تذكر موقفا مع الشيخ إمام، لا تستطيع نسيانه؟
نعم، لا أنسى حين كان جالسا معى، بعد خلافه مع نجم، شعرت بالألم الذى كان يعيشه، حاولت أن أطبطب على جراحه، كانت المسألة صعبة، عن نفسى لم أتخيل يوما أن يحدث بينهما انفصال، كنا ننظر إليهما كشيء كبير جدًا، قلت للشيخ: احكِ لى، ماذا حدث؟، اخرج من حالتك، وكان مصرًا على ألا يتكلم، وكان حزينًا جدًا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
القرية صغيرة، حفظها الطفل شبراً شبراً، من آخر البيوت إلى حدود الإسفلت.. والمدينة الكبيرة قريبة، "فركة كعب" وتجد نفسك فى...
يروى علاقته بالشيخ من كلية الحقوق إلى «بانوراما الميدان» محمود جبر: لا نستطيع أن نقـــــــول «إمــام» مــن دون «نجم» أحمد...
الخوف من سوء الفهم لم يمنعنى من كتابة «الراعى» حاولت أن أجعل الجغرافيا والتاريخ نبضًا حيًّا يتحرك من خلال البشر...
«سنوات المجهود الحربى» حاول إنصافها وفيلم «الست» جدد الجدل حولها 7 أكتوبر حكم القضاء الإدارى فى دعوى سحب الفيلم والكتاب...