محمد العسيرى: قيمة إمام لا تسقط باستبعاد نجم الحالة الذكورية فى حياته خلقت نوعًا من الحدة و «النشفان» فى ألحانه ألحان إمام قادرة على الصمود والتداول لسنوات طويلة الوحدة والعزلة فى حياة إمام الشخصية صبغتا ألحانه بالحزن والشجن غناؤه لجيفارا وفلسطين وهوشى لا يعنى أنه وصل للعالمية توقف إنتاجه الغنائى فى العقد الأخير من حياته بسبب خفوت القضية لا تقدم العمر العرب سيحتاجون من جديد لهذا الغناء لتوحيد صفوفهم فى مواجهة الاستعمار
ماذا يتبقى من موسيقى الشيخ إمام إذا جُرِدت من كلمات أحمد فؤاد نجم؟
يبدو السؤال غريبا للوهلة الأولى، لكنه المدخل الذى اختاره الناقد الموسيقى محمد العسيرى لتفكيك أسطورة "الثنائي الذى لا يُفصل"، فى محاولة لوضع الشيخ إمام فى مكانه كملحن له قيمة موسيقية مستقلة، يمكن مقارنتها بأعلام التلحين المصري وعلى رأسهم سيد درويش.
يمضى العسيرى فى هذا الحوار عبر مسارات متعددة: علاقة الفقد البصرى المبكر بتكوين أذن الشيخ إمام السمعية الخالصة، وأثر العزلة والوحدة الشخصية على اختياره للمقامات الحزينة، وحدود التجربة حين يحاول تقديم أجواء فلكلورية لم يعشها بنفسه، وصولًا إلى قراءته لتوقف إنتاجه الغنائي فى العقد الأخير من حياته، ومحاولات توظيفه سياسيًا من تيارات لم تكن يومًا قريبة من مشروعه.
هل نجد أهمية لألحان الشيخ إمام بعيدًا عن كلمات أحمد فؤاد نجم؟
هذه المسألة فيها وجهتان نظر، الأولى ترى أن الأغنية ليست قطعة موسيقية خالصة، فهى وثيقة تشير إلى الزمن الذى أنتجت فيه، بخلفيتها التاريخية وظرفها السياسي، ولا يصح أن أتعامل مع أغنية الشيخ إمام ونجم باعتبارهما عنصرين منفصلين، وهناك وجهة نظر أخرى، لها علاقة بفكرة: ماذا لو حذفنا الكلام لأنه مرتبط بظرف سياسى محدد، أو كلمات الأغنيات التى تتعرض لأشخاص بعينهم؟ ماذا لو حذفت كلمات "كلب الست" فهل سيبقى شيء؟ بالتأكيد، سيبقى اللحن، وسيكون له قيمة موسيقية، وتستطيع أن تصنع من ألحان الشيخ إمام، بلا نجم، الكثير.
ما الفرق بين الأغنيات التى جمعت بين الشيخ إمام ونجم، وتلك التى جمعت بينه وبين شعراء آخرين مثل فؤاد قاعود، ونجيب شهاب الدين، وزين العابدين فؤاد، أو غيرهم؟
الشيخ إمام كان ملازمًا لأحمد فؤاد نجم طوال الوقت، العلاقة بينهما لا تصلح أن تختزل فى كونهما "شاعرًا وملحنًا" فقط، فالاثنان كانا يتحركان على الأرض معًا، يذهبان إلى الجامعة معًا، وإلى ميدان التحرير فى مظاهرات "الكعكة الحجرية" ليغنيا معًا، وهو ما جعل الأعمال التى أُنجزت مع شعراء آخرين أقل، ورغم ذلك، هناك أغنيات كثيرة ناجحة ورائعة مع شعراء آخرين، وربما تفوق فى شكلها الفنى ما كتبه نجم، فأغنية "يا مصر قومى وشدى الحيل" التى كتبها نجيب شهاب الدين، كانت جنبًا إلى جنب مع "يا مصر ياما يا بهية" فى مظاهرات يناير، وتكاد تكون الأهم، لسبب أن اللغة الفلاحية المكتوبة بها "بهية" الجلابية والطرحة وما شابه، إحدى مفردات الستينيات، على عكس "يا مصر قومى وشدى الحيل" فيها استمرارية أكثر وعمومية أكثر، تصلح فى أى وقت.
كما أن نجم بالتحديد ارتبط فى أغانيه بالتجاوز اللفظى الذى يجعل المصريين أحيانًا يُقبلون عليه أكثر من غيره، نجم أجاد توظيف هذا النوع من الغناء، وهناك من سبقوه إليه، يونس القاضى، مؤلف نشيد "بلادى بلادى"، كان أحد الساخرين الذين كتبوا هذا النوع، وبديع خيري وبيرم التونسي، وهناك ما يُعرف بـ "الشعر الحلمنتيشي" تخلصًا من هذا التصنيف.
نجم نفسه، كظاهرة، أضاف قيمة مضافة عند الناس؛ الشاعر الذى يُسجن ويخرج، تركيبته الشكلية، كل ذلك عوامل جعلت إمام يرتبط به أكثر من أى شاعر آخر.
ما المؤثرات الشخصية عند إمام التى أثرت فى موسيقاه؟
إصابته بفقدان البصر فى فترة مبكرة من عمره جعلت ثقافته سمعية وهذا ظاهر فى موسيقاه، ثانيًا، فكرة الوحدة، أتصور أن الوحدة أثرت جدًا فى ألحانه، 80% من ألحانه تكاد تكون حزينة، يغلب على اختياراته مقامات الشجن، وستجد فى ألحانه نوعًا من التصوف الأقرب إلى الحزن، أتصور أن وجوده كشخص وحيد باستمرار، بلا زوجة ولا أولاد، شخص يعرف أن لا امتداد له، مضطر طوال الوقت للاعتماد على آخر، أتصور أن كل هذه الأمور مجتمعة أثرت فى التكوين الموسيقى للشيخ إمام، حتى الإيقاعات عند الشيخ إمام، لو لاحظناها بدقة، تبدو أقرب إلى الرتابة أحيانًا وإلى الجنائزية، مثلا لحن "البحر بيضحك ليه"، يُفترض أنه تيمة فلكلورية مرحه، لو ركزنا قليلًا سنجده "لحن قاعد"، قد يصيب البعض بالرتابة، الشيخ إمام هنا أخذ من تعاسة الشاعر نجيب سرور، إلى جانب تعاسته هو، وظهر ذلك فى اللحن، وهناك أمر آخر يمكن ملاحظته فى موسيقاه، أن الحالة الذكورية فى حياته أكثر حضورًا؛ معظم أصحابه رجال، هذه الحالة خلقت نوعًا من حدة و"الناشفان" فى ألحانه، على عكس مثلًا حالة بليغ حمدي؛ اسمع ألحانه لأغانى صباح "عاشقة وغلبانة"، تعرف الفرق، سيد درويش مثلًا حين صنع أغنية "شفتی بتكلني"، تشعرك أنه شخص عاش وسط الغوازي والعوالم، الشيخ إمام حين يفعل هذا فى بعض الأغنيات يكاد يفتعله، لأنه لم يعشه بنفس الطريقة.
عايز أسألك عن إيقاعات محمد على، هل هو موهوب فى منطقته، أم كانت المسألة مجرد "قعدة فنية"؟
أريد أن أفرّق بين فكرة عازف الإيقاع
وصانع الإيقاع؛ حين كنت أتحدث عن الإيقاع من قبل، كنت أتحدث عن الإيقاع الذى يصنعه الشيخ إمام داخل اللحن نفسه، أما وجود محمد على، فأتصور أن البطانة بأكملها التى كانت موجودة مع الشيخ ليست ماهرة فى الأداء بشكل كبير، لكنها كانت تفي بالغرض المطلوب فى الأغنية السياسية، وفى المسرح هناك ما يُعرف بـ "كسر الإيهام"، نظرية بريخت الشهيرة، الالتحام مع الجمهور وكسر الحاجز بينك وبينه؛ هذا جزء من تكوين أغاني الشيخ إمام، فى هذه الحالة أصلاً ليس مطلوبًا أن أُغنّى بشكل سليم تمامًا، بعض الموسيقيين يقولون لك: "سيبه زى ما هو"، لأن الحالة أساسًا على هذا الشكل.
أريد أن أنتقل إلى الأغنيات ذات القضايا العالمية، مثل "يا فلسطينية"، "هوشى منه" و"جيفارا" كيف ترى ألحانها، هل تصلح للعالمية؟
هوشى منه وجيفارا، رموز يسارية عالمية، لكن هل جعل ذلك الشيخ إمام يصنع شكلًا موسيقيًا مختلفًا؟ الحقيقة لا، إذا قلنا إن سيد درويش تعمد، وهو يلحن أغنية مثل "أنا المصرى كريم العنصرين"، أن يبنى شكل الموسيقى بناءً هرميًا، ليُشير إلى الفرعونية، وجعله لحن عالمى، العالمية أن تقول جملة يستوعبها الجميع فى فرنسا وألمانيا وروسيا وأى مكان فى العالم. سيد درويش، كان يبتعد عن "الربع تون"، كى تتمكن الآلات الأوركسترالية الغربية من عزفها بسلاسة، ما يعكس وعيه بالتجديد والانفتاح الموسيقى، هناك موسيقيون مصريون مهمون جدًا لم يستطع العالم أن يسمعهم بسبب كثرة الزخارف، وإن كان هناك الآن شغف فى العالم بسماع موسيقى مختلفة عما اعتاد عليه، وأصبحت فكرة الغناء الشرقى فى حد ذاتها نوعًا من الاختلاف المرغوب، وربما يجعل هذا الشيخ إمام اليوم قابلاً للاستماع من هذه الزاوية.
هل كان الاستقبال الخاص بحفلاته فى الخارج استقبالاً لتقديره فنيًا، أم لتقدير مواقفه المعارضة؟
لو بحثت عن الذى وجه له الدعوات للغناء بالخارج، ستجد أنهم عرب مهمومون بفكرة التحرر الوطني، وليسوا موسيقيين أجانب مثلاً، وفى هذا تقدير لموقفه المعارض، أما فيما يخص غناءه لفلسطين، مثل "يا فلسطينية"، و"تل الزعتر"، فهو نتاج الهم القومى الذى كان حاضرًا فى هذه اللحظة، وكتب عن نفس الهم فؤاد حداد وسيد مكاوى وصلاح جاهين، وأنتجت فيه "الأرض بتتكلم عربي"، وأنتجت "القدس" لعبد الحليم وبليغ حمدى والأبنودى عام 69، أنتجت الكثير من الأغنيات لتكون جزءًا من المقاومة فى مواجهة العدو الصهيونى، أتصور أن الشيخ إمام بطبعه فعل أشياء كثيرة بعفوية، ولا أظن أن فكرة الذهاب إلى الخارج كانت فى ذهنه أصلاً.
فى الثمانينات، أحى الشيخ إمام حفلات كثيرة بالخارج، وكان يُستقبل بحفاوة، ومع ذلك لم يُنتج الكثير من الألحان فى هذه الفترة، هل للفنان عمر معين يتوقف عنده عن الإنتاج؟ أم أن تغير المناخ العام قلّص إنتاجه؟ أم ماذا بالضبط؟
أستبعد تمامًا مسألة السن؛ فمحمد عبد الوهاب ظل ينتج حتى آخر يوم فى عمره، وبليغ حمدى كذلك، وأتصور أن الشيخ إمام كذلك، لكن الموضوع مختلف تمامًا؛ المناخ تغير، أحمد فؤاد نجم نفسه لم يكتب أغنية سياسية منذ عام 81 وحتى 2005 تقريبًا، كل الأغنيات التى أعيد تقديمها فى هذه الفترة سبق تقديمها من قبل، ربما كتب للمسرح، كلمات أغانى "الملك هو الملك" أو بعض تترات المسلسلات، لكن لم تكن الأغنية السياسية بمفهومها السابق موجود، الأبنودى أيضًا توقف لفترة طويلة من بداية الثمانينات، الظرف السياسي تغير، القضية التى كان يعمل عليها هذا الجيل لم تعد موجودة بالشكل نفسه، كانت القضية الأولى عند هذا الجيل هى الحرب مع إسرائيل، والحرب حدثت عام 73، ثم استمرت توابعها حتى 77، ثم تجددت مرة أخرى بمسألة كامب ديفيد وما إلى ذلك حتى 80، وكان الخُطوة الأولى فى عصر مبارك خروج المعتقلين السياسيين من المعتقل.
الشيخ إمام لم يجد الجيل الذى بدأ معه؛ ظهر جيل مختلف تمامًا عن جيل الستينيات، ولم يقل إنتاجه بسبب فساد المناخ الغنائى، الشيخ إمام ظهر بعد 67، فى وقت غناء هزلي يسير فى طريق "السح إدح إمبو"، ومع ذلك كان إمام موجود وبقوة، إنما الظرف السياسي اختلف، واليسار المحتضن الأكبر لتجربته لم يعد مؤثرًا، وهو ما فتح الباب أمام الإسلاميين فى الفترة التى سبقت يناير 2011، ليحتضنوا أغانيه لأسباب انتهازية تخصهم.
ما هذه الأسباب الانتهازية؟
استخدم الإسلاميون الشيخ إمام من قبيل الانتهازية السياسية المعروفة عند الإخوان بالتحديد، وهو الفصيل الذى بدأ إنشاء عدد كبير من المواقع والمدونات الإلكترونية التى تبثت نشر أغانيه لجذب أجيال جديدة، وستجد أن هذه المواقع اختارت من أغانيه ما يناسبها، لن تجد مثلاً أغنية مثل "سايس حصانك"، الأغنية العاطفية التى تتحدث عن جسد المرأة، وستجدهم قد أخذوا من علي الحجار بعض الأغنيات التى تناسبهم، وستجدهم تنازلوا عن أن "صوت المرأة عورة" وأخذوا من جوليا بطرس، ما يناسبهم؛ لمجرد التوظيف.
سؤال أخير، ما رؤيتك لمستقبل موسيقى الشيخ إمام؟
المناخ العربي الآن، ولسنوات طويلة مقبلة، مناخ متقلب فى رأيى الشخصى، وأتصور أن العرب سيحتاجون إلى أغنيات كثيرة جدًا تشحذ هممهم، وتدعوهم إلى الوحدة، وإلى مقاومة العدو الإسرائيلي والاستعمار الذى يتخذ أشكالاً مختلفة، هذا المناخ يستدعى أعمالاً مهمة مثل أعمال الشيخ إمام، أغنية توحدنا وتؤكد على هويتنا المصرية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
العائلة الكبيرة هجّت من حر شوارع القرية إلى حدود شط النيل.. جمعوا أنفسهم، من الرجال إلى الأطفال، منهم من لم...
جده جاء من بريطانيا واشترى مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية فى ولاية فيرجينيا ووالده كان يعمل قبطاناً بحرياً تولى مهام...
محمد العسيرى: قيمة إمام لا تسقط باستبعاد نجم الحالة الذكورية فى حياته خلقت نوعًا من الحدة و «النشفان» فى ألحانه...
الدورة ال 58 من المعرض بلا رأس ولا رئيس.. بعد أن كانت سابقتها برأسين ورئيسين الدورة المقبلة تعانى حتى الآن...