ماذا يفعل الإنسان عندما يستيقظ صباحًا فيجد جسده محمومًا، أو يشعر بألم لا يعرف مصدره، أو يرى أحد أفراد أسرته يمرض فجأة دون أن يعرف لماذا؟
د. دينا إبراهيم سليمانأستاذ اثار مصر والشرق الأدنى القديمكلية الآثار والإرشاد السياحيجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
نحن نملك اليوم المختبرات والأشعة والتحاليل والأدوية، ونعرف أن المرض قد ينتج عن فيروس أو بكتيريا أو خلل عضوي أو عوامل وراثية وبيئية، أما الإنسان في بلاد الرافدين، قبل آلاف السنين، فلم يكن يمتلك هذه المعرفة.
كان المرض يأتي أحيانًا فجأة، ويختفي فجأة، وقد يصيب شخصًا ويترك آخرين سالمين. وكان الموت المفاجئ أو الحمى الشديدة أو التشنجات أو الآلام الغامضة تضع الإنسان أمام سؤال مخيف:هل المرض مجرد ظاهرة طبيعية... أم أن هناك قوة خفية تقف وراءه؟
ومن هذا السؤال نشأ عالم مذهل من الطب والتعاويذ والتشخيص والفحص والعقاقير، عالم لم يكن فيه الطبيب منفصلًا تمامًا عن الكاهن، ولا المعرفة الطبية منفصلة عن الدين.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر الصفحات إثارة في تاريخ حضارة العراق القديم.
الطبيب الذي كان يمسك العشب بيد... والتعويذة باليد الأخرى
لم يكن الطب في بلاد الرافدين مجرد مجموعة من التعاويذ، كما قد توحي بعض الصور الشائعة عن العالم القديم، فالنصوص المسمارية تكشف عن معرفة عملية واسعة بالأعراض، والأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية، وطرق إعداد المستحضرات، والضمادات، والزيوت، والمراهم.
وقد عرف نوعان أساسيان من المتخصصين في علاج المرض:الـasû، وهو المعالج الذي ارتبط بصورة أكبر بالعلاج العملي واستخدام الأدوية والوصفات.
والـāšipu، الذي ارتبط بالتعاويذ والطقوس والتشخيص ذي الطابع الديني والسحري.
لكن الفصل بين الاثنين لم يكن دائمًا حادًا كما قد نتخيله اليوم.فالمريض يمكن أن يحتاج إلى دواء للجسد، وإلى تعويذة لحمايته من القوة التي يعتقد أنها سببت المرض.
وهكذا كان العلاج يقوم على محاولة التعامل مع الجسد والسبب الغيبي في الوقت نفسه.
لماذا كان المرض أحيانًا ينسب إلى الآلهة؟
كان سكان بلاد الرافدين يؤمنون بأن العالم تحكمه قوى إلهية، وأن الإنسان يعيش داخل نظام كوني أكبر منه.
ولذلك كان ظهور المرض قد يفسر أحيانًا باعتباره نتيجة لغضب إله، أو تدخل شيطاني، أو انتهاك محظور ديني، أو تأثير قوة شريرة، لكن هذا لا يعني أن كل مرض كان يفسر تفسيرًا خارقًا.وهنا تكمن أهمية النصوص الطبية الرافدية، فبعضها يقدم وصفًا دقيقًا للأعراض دون أن يكتفي بالقول إن المريض "مسّه شيطان".
فنجد وصفًا للحمى، والسعال، وآلام الرأس، وأمراض الجلد، واضطرابات الجهاز الهضمي، وأعراض أخرى، إلى جانب وصف طرق العلاج، إنها نقطة مهمة جدًا؛ لأننا إذا نظرنا إلى الطب الرافدي باعتباره "سحرًا فقط"، فإننا نسقط جانبًا كاملًا من المعرفة التي راكمها هؤلاء الناس عبر قرون.
أول خطوة نحو التشخيص: أن تنظر جيدًا إلى المريض
من أكثر الجوانب إثارة في النصوص الطبية الرافدية اهتمامها بالأعراض.
فالنص قد يبدأ بصيغة قريبة من:"إذا كان المريض يعاني من..."ثم يصف مجموعة من العلامات، وبعدها يقدم تشخيصًا أو توقعًا لمسار المرض، ثم يذكر ما ينبغي فعله.
وهذه الطريقة تكشف شيئًا مهمًا: كان الممارس لا يكتفي بمعرفة اسم المرض، وإنما يحاول قراءة جسد المريض؛ لون الجلد، درجة الحرارة، شكل العينين، التنفس، الألم، الإفرازات، التورم، وغيرها من العلامات كانت جميعها يمكن أن تدخل في عملية التشخيص.
إنها خطوة بعيدة جدًا عن الطب الحديث، لكنها في الوقت نفسه تمثل مرحلة مهمة في تاريخ الملاحظة الطبية.ماذا كان يوجد في صندوق دواء الطبيب؟
هنا تصبح النصوص أكثر إثارة، فقد عرف أهل بلاد الرافدين استخدام عدد كبير من المواد الطبيعية في العلاج، منها النباتات والزيوت والعسل والراتنجات وبعض المعادن والمواد الحيوانية، وكانت هذه المواد تطحن أو تسحق أو تغلى أو تخلط بالزيت أو الماء أو غيرهما، ثم تستخدم على هيئة مراهم أو شراب أو ضمادات.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن بعض الوصفات الرافدية تضمنت مواد ذات خصائص دوائية فعلية، حتى لو لم يكن المعالج القديم يعرف التفسير الكيميائي أو البيولوجي لتأثيرها.
وهنا تظهر مفارقة جميلة: قد يكون الإنسان القديم قد عرف أن مادة ما تخفف الألم أو تساعد في علاج جرح، دون أن يعرف لماذا تفعل ذلك.وهذه هي إحدى الطرق التي تتراكم بها المعرفة عبر الأجيال.
الوصفة التي بدأت بـ"إذا..."من أكثر ما يميز النصوص الطبية المسمارية أسلوبها المنظم، فكثير من النصوص تبدأ بالصيغة الشرطية:"إذا كان..." ثم يأتي وصف الحالة، يليه العلاج، وهذه الصياغة تكررت في عدد كبير من النصوص الطبية، وكأن الكاتب يجمع حالات مرضية في سجل يمكن الرجوع إليه.
وبذلك لم تعد المعرفة الطبية مجرد خبرة شفوية تنتقل من شخص إلى آخر، بل أصبحت مكتوبة على ألواح الطين.وهنا تظهر مرة أخرى أهمية الكتابة في الحضارة الرافدية، فالكتابة لم تحفظ الأساطير والقوانين فقط، وإنما حفظت أيضًا وصف الأمراض والعلاجات والخبرات الطبية.لكن أين يبدأ السحر؟
إذا كان هناك علاج بالأعشاب والزيوت والمراهم، فلماذا احتاج الإنسان إلى التعويذة؟
لأن المريض في نظر الإنسان الرافدي قد لا يكون ضحية مرض جسدي فقط، ربما كان هناك شيطان يطارده، أو قوة شريرة دخلت جسده، أو غضب إلهي، أو لعنة. ولهذا كانت التعاويذ جزءًا من منظومة العلاج، وكانت تقرأ أحيانًا أثناء تنفيذ العلاج أو قبله أو بعده، بحسب نوع الحالة.
ومن أشهر النصوص التي تكشف هذا العالم نصوص "أسبو" و*"أشِبو"* وغيرها من مجموعات التعازيم والطقوس العلاجية.لقد كان الهدف واحدًا: إعادة الإنسان إلى حالة التوازن.
الشيطان الذي يختبئ خلف المرض
عرفت بلاد الرافدين عددًا من الكائنات والقوى الشريرة المرتبطة بالأمراض والمصائب، ومن أشهرها ليليثو/ليليتو في بعض التقاليد، ولاماشتو، وهي من أشهر الكائنات الأنثوية المخيفة في المعتقد الرافدي، والتي ارتبطت بصورة خاصة بالأطفال والنساء الحوامل، وكانت لاماشتو تمثل خطرًا مرعبًا بالنسبة للأسرة. ولهذا ظهرت تمائم وتعاويذ للحماية منها.
ومن أشهر القطع المرتبطة بهذا الاعتقاد لوحة لاماشتو الشهيرة، التي تصور الكائن الشرير في هيئة مركبة تجمع عناصر بشرية وحيوانية، مع مشاهد ورموز مرتبطة بالحماية والعالم الآخر.
إنها قطعة أثرية تكشف كيف تحول الخوف من المرض إلى صورة يمكن رؤيتها وحملها وتعليقها واستخدامها في طقوس الحماية.
هل كان الكاهن يخيف المريض أم يطمئنه؟
ربما كان دوره أقرب إلى الطبيب النفسي والروحي بمفهومنا المعاصر، وإن كان ذلك لا يعني أنه كان يمارس "الطب النفسي" بالمعنى العلمي الحديث.
فالمريض الذي يعتقد أن مرضه نتيجة قوة شريرة كان يحتاج إلى شخص يفسر له ما يحدث ويقدم له وسيلة لمواجهته.
وكانت التعويذة تؤدي وظيفة تتجاوز الكلمات نفسها؛ فهي تمنح المريض إحساسًا بأن هناك نظامًا يمكن من خلاله مواجهة الخطر.
وهذا جانب مهم جدًا من فهم الدين في المجتمعات القديمة: الدين لم يكن دائمًا تفسيرًا للكون فقط، بل كان أيضًا وسيلة للتعامل مع الخوف. الأحلام أيضًا كانت جزءًا من عالم العلاج، لم تكن الأحلام مجرد صور عابرة أثناء النوم، ففي بلاد الرافدين، كان الحلم يمكن أن يحمل رسالة إلهية أو نذيرًا.
ولهذا ظهرت نصوص خاصة بتفسير الأحلام، كما ارتبطت بعض الممارسات العلاجية والتنبؤية بتفسير ما يراه الإنسان أثناء النوم.وهنا تتداخل ثلاثة عوالم: المرض... والحلم... والرسالة الإلهية.
فالجسد يتألم، والعقل يحلم، والكاهن يحاول تفسير ما يحدث، وهذه الطريقة في التفكير تكشف مدى ترابط الجوانب الدينية والطبية والنفسية في المجتمع الرافدي.من المعابد إلى مكتبات الملوكلم تبقَ هذه المعرفة حبيسة الممارسات اليومية، ففي العصر الآشوري الحديث، وخاصة في مكتبة الملك آشور بانيبال في نينوى، جمعت أعداد ضخمة من النصوص الطبية والتنجيمية والعرافية والطقسية.
وكان جمع المعرفة جزءًا من مشروع ملكي واسع لحفظ التراث المكتوب، ومن بين هذه الألواح نصوص طبية تقدم لنا اليوم واحدة من أهم الصور عن الطب في بلاد الرافدين، والأكثر إثارة أن بعض هذه النصوص لم تكن مجرد وصفات منفصلة، وإنما أجزاء من تقاليد علمية منظمة تناقلت عبر أجيال طويلة.
الطب والكتابة... علاقة غيرت التاريخربما يكون أعظم إنجاز للطب الرافدي ليس اكتشاف دواء بعينه، وإنما تسجيل الخبرة، فالمعالج الذي عاش قبل ثلاثة آلاف عام لم يكن يستطيع إرسال خبرته إلى طبيب في مدينة أخرى عبر الإنترنت، لكنه استطاع أن يترك لوحًا طينيًا، والكاتب الذي نسخ اللوح بعده حافظ على المعرفة، ثم جاء كاتب آخر فنسخها وأضاف إليها.وهكذا أصبحت الخبرة الفردية تراثًا جماعيًا.
وهنا نفهم مرة أخرى لماذا كانت الكتابة في بلاد الرافدين أكثر من مجرد وسيلة للاتصال، فقد كانت ذاكرة الحضارة.وهل يمكن أن نسمي ذلك "علمًا"؟هذا سؤال يحتاج إلى قدر من الدقة، لا يصح أن نقول إن الطب الرافدي كان علمًا بالمعنى الحديث للكلمة؛ لأنه لم يقم على علم الأحياء أو الميكروبيولوجيا أو التشريح الحديث، ولم يكن يفصل بين الأسباب الطبيعية والغيبيات بالطريقة التي نفعلها اليوم، لكن في المقابل، لا يصح أيضًا وصفه بأنه مجرد خرافة.
فقد اعتمد على: الملاحظة - تصنيف الأعراض - حفظ الحالات - استخدام مواد علاجية - تراكم الخبرة - تدوين الوصفات - تدريب المتخصصين.
إنه إذن مرحلة تاريخية مهمة في تطور المعرفة الطبية، نشأت داخل مجتمع كانت فيه الطبيعة والدين والمعرفة مترابطة.
وماذا عن مصر القديمة؟
وهنا يمكن أن نعود مرة أخرى إلى المقارنة بين الحضارتين المصرية والرافدية.
في مصر القديمة، وصلت إلينا برديات طبية مهمة، مثل بردية إيبرس وبردية إدوين سميث، وتكشف عن معرفة واسعة بالجروح والأمراض والوصفات الطبية.وفي بلاد الرافدين، وصلتنا بدورها مجموعات كبيرة من النصوص الطبية المسمارية.
وفي الحضارتين نجد شيئًا لافتًا: الطب لم يكن منفصلًا تمامًا عن الدين والسحر، لكن الطريقة التي صيغت بها المعرفة الطبية والطقسية، والأمراض التي حظيت بالاهتمام، والآلهة والكائنات المرتبطة بها، اختلفت من حضارة إلى أخرى.
وهذا الاختلاف مهم؛ لأنه يوضح أن الحضارات القديمة لم تكن نسخة واحدة من بعضها، حتى عندما واجهت المشكلة الإنسانية نفسها: كيف نعالج الجسد عندما يمرض؟
حين يصبح الطبيب حارسًا للحياة
ربما نستطيع الآن أن نفهم لماذا احتل المعالج مكانة مهمة في المجتمع الرافدي، فالطبيب لم يكن يعالج جرحًا فقط، والكاهن لم يكن يقرأ تعويذة فقط، والكاتب لم يكن ينسخ نصًا فقط، كل واحد منهم كان يؤدي جزءًا من منظومة أكبر تحاول أن تعيد الإنسان إلى حالة من الأمان،
وفي مجتمع كانت فيه الأمراض والأوبئة والوفيات المبكرة جزءًا من الحياة اليومية، كانت هذه المعرفة مسألة تتعلق بالبقاء نفسه.
خاتمة: حين حاول الإنسان أن يهزم المجهوللم يستطع الإنسان في بلاد الرافدين أن يرى الفيروسات أو البكتيريا، ولم يعرف الدورة الدموية أو علم المناعة كما نعرفها اليوم، لكنه لم يقف عاجزًا أمام المرض : راقب – وسجل – وجرب - ووصف الأعراض - واستخدم النباتات والزيوت والمواد الطبيعية - وقرأ التعاويذ - واستعان بالآلهة ثم كتب كل ذلك على ألواح من الطين.
ومن هذه الألواح نستطيع اليوم أن نرى الإنسان القديم في لحظة شديدة الإنسانية: خائفًا من المرض، لكنه يرفض الاستسلام له.وربما كانت هذه هي إحدى أعظم قصص الحضارة نفسها؛ فالحضارة لا تبدأ فقط عندما يبني الإنسان مدينة أو يخترع الكتابة، وإنما تبدأ أيضًا عندما يحاول أن يفهم الألم، وأن يحفظ ما تعلمه من أجل إنقاذ من سيأتي بعده.
وفي المقال القادم من سلسلة "كانوا مثلنا"، سنترك عالم المرض والعلاج لندخل إلى عالم آخر لا يقل إثارة: عالم المرأة في بلاد الرافدين؛ المرأة التي ظهرت في النصوص بوصفها ملكة وكاهنة وزوجة وأمًا وتاجرة ومالكةً للعقارات، وأحيانًا صاحبة قرار مستقل، لنحاول أن نعرف: كيف كانت المرأة تعيش فعلًا خلف جدران المدن والمعابد والقصور؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
عندما نسمع اسم "كنعان"، قد تتبادر إلى الذهن صورة أرض واحدة وشعب واحد ودولة ذات حدود واضحة، لكن الآثار والنصوص...
ثمة أشياء تبدو حاسمة فقط لأننا اعتدنا أن ننظر إليها بالطريقة نفسها. الجدار جدارٌ ما دمنا نراه ارتفاعًا يحجب ما...
لقد سطر الجندي المصري يوم العاشر من رمضان أروع ملحمة جمعت بين أعظم أنواع العبادات الروحية، وهي الصيام والتقرب إلى...
تظل ذكرى السادس من أكتوبر واحدة من أعظم المحطات المضيئة في تاريخ مصر الحديث، وواحدة من اللحظات الفارقة التي تجلت...