قبل 4 شهور من انطلاقه .. معرض الكتاب فى خطر

الدورة ال 58 من المعرض بلا رأس ولا رئيس.. بعد أن كانت سابقتها برأسين ورئيسين الدورة المقبلة تعانى حتى الآن من صمت تام.. فلا أخبار عن أى استعدادات لها

في مثل هذه الأيام كل عام، يكون الشغل الشاغل لوزارة الثقافة، وخصوصا الهيئة المصرية العامة للكتاب، هو بدء التجهيزات والاستعدادات للدورة التالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يعد الحدث الثقافي الأبرز والأكبر في مصر والوطن العربي، وإحدى أهم أدوات مصر الناعمة، فحدث ثقافي بهذا الحجم وهذه القيمة، يستغرق الإعداد له عدة شهور على الأقل، بل والأولى أن تبدأ الاستعدادات له منذ نهاية الدورة السابقة، حتى يأتي على المستوى اللائق بالمعرض الأكثر عراقة في المنطقة، وبالدولة المنظمة له، والتي تعد تاريخيا القلب النابض للثقافة العربية، تأليفا وإبداعا ونشرا.

هذا العام يمر المعرض بظرف استثنائي، خصوصا بعد استقالة وزيرة الثقافة السابقة الدكتورة جيهان زكي، وإسناد مهمة تسيير أعمال الوزارة إلى الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي، والمفترض حسب المتعارف عليه أن هذا الإسناد وتسيير الأعمال أمر مؤقت، لحين اختيار وزير جديد للثقافة، لكن هذا لم يحدث حتى الآن، مما يثير مخاوف بشأن تفاصيل إقامة دورة المعرض المقبلة بشكل مرض، وتتضاعف هذه المخاوف إذا وضعنا في الاعتبار أن هيئة الكتاب، الجهة المنظمة للمعرض، هي الأخرى بلا رئيس، ولا حتى نائب للرئيس! فمنذ انتهاء انتداب الدكتور خالد أبو الليل، رئيس الهيئة السابق، لم يتم تعيين رئيس للهيئة، صحيح أن الوزيرة السابقة كانت قد أصدرت قرارا بتفويض الأستاذ هيثم يونس، وكيل الوزارة للمعارض، بأعمال رئيس مجلس إدارة الهيئة، والأرجح أن هذا التفويض كان أمرا مؤقتا أيضا، لحين اختيار رئيس جديد للهيئة، لكن الاستقالة المباغتة للوزيرة حالت دون اختيار شخصية تحمل عبء المؤسسة الضخمة، ومعرضها العريق، فأصبحنا في وضع مربك، فالوزير وزير تسيير أعمال، ورئيس الهيئة أيضا مفوض بتسيير الأعمال.

بطبيعة الحال، لا ينهض وزير الثقافة بنفسه بالإشراف على كل شيء في المعرض، ولا حتى رئيس الهيئة، إذ يتوزع العمل بين جهات ومسئولين كثر، كما يليق بأي عمل مؤسسي، ولا يجب أن يتوقف على شخص أيا كان. لكن هذا -أيضا- لا يعني أن يستقيم العمل بدون رأس، فلا يمكن أن يخرج المعرض بدون قائد، ولا مسئول محدد يقود الأوركسترا، ويمكنه أن يتخذ القرارات الصعبة والمهمة، وأيضا يمكن مساءلته في حال فشل الدورة القادمة، أو ظهورها بشكل معيب لا قدر الله. أعرف بطبيعة الحال أن الهيئة حاليا، وهي بلا رأس، منتظمة في إقامة معارض دورية في بعض المحافظات، لكنها تقام بقوة الاعتياد، وهي معارض صغيرة ومحدودة على أية حال، وما يسري على هذه المعارض الإقليمية، على محدوديتها، بالطبع لا يمكن أن ينجح مع المعرض الدولي الثاني عالميا، بعد معرض فرانكفورت، والأكبر من حيث عدد الزوار سنويا.

ضخامة معرض القاهرة، وصعوبة الاستعداد له، يمكن أن نستدل عليها بدورة العام الماضي (2026)، فقد كان الدكتور خالد أبو الليل، رئيس الهيئة السابق، قد تولى مهام منصبه بشهور قليلة قبل انطلاق الدورة الـ57، وبطبيعة الحال كانت هذه الدورة الأولى له التي يقوم فيها بالإشراف على معرض الكتاب، فأصدر الدكتور أحمد هنو، وزير الثقافة وقتها، قرارا بأن يتولى الدكتور أحمد مجاهد، رئيس الهيئة الأسبق، مسئولية المدير التنفيذي للمعرض، حتى لا تكون الأعباء كلها على كاهل أبو الليل، وبالتالي كان للدورة السابعة والخمسين رأسان ورئيسان، رئيس للهيئة ومدير تنفيذي للمعرض، يتقاسمان الأعباء والمسئوليات، وبعد انتهاء فعاليات الدورة في فبراير الماضي انتهت مسئولية مجاهد رسميا، إذ لم يصدر قرار بالتجديد له، وبعدها بشهور قليلة انتهى انتداب أبو الليل، لتعاني الهيئة من فراغ قيادي، ولتصبح الدورة الـ58 من المعرض بلا رأس ولا رئيس، بعد أن كانت سابقتها برأسين ورئيسين!

هذا الغياب للقيادة، جعل الدورة المقبلة تعاني حتى الآن من صمت تام، فلا أخبار عن أي استعدادات لها، لا اختيار لوجو ولا شخصية المعرض، ولا أخبار عن أي استعدادات لوجستية تطلبها كل دورة، وكأننا لسنا على أعتاب دورة جديدة، وكأن المعرض سقط من حسابات الجميع. لا شيء معروفا ومعلنا على الإطلاق، باستثناء أن ضيف شرف الدورة المقبلة هو دولة قطر الشقيقة، المحددة سلفا من الدورة الماضية، ولا تفاصيل عن أي شيء آخر. وحتى الآن لم يصدر قرار بتشكيل اللجنة العليا للمعرض، وبالتالي لم يصدر قرار بتشكيل اللجنة الثقافية ولا اللجنة التنفيذية، ولم يتبق سوى شهور قليلة.

هذا الفراغ، أدى لغياب أي إعلان عن مصير جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، التي انطلقت في دورة العام الماضي، بجائزة مالية كبرى أعادت وضع مصر على خريطة الجوائز العربية، وفاز بها العام الماضي الروائي التونسي نزار شقرون. لكن في ظل غياب المسئول لم نر إعلانا عن الجائزة، ولا نعرف مصيرها، وهل ستستمر أم أنها كانت بيضة الديك، وذهبت بانتهاء إدارة الدكتور أحمد مجاهد للمعرض، وإذا كانت ستظل موجودة، فمتى يتم الإعلان عنها وعن شروطها، ومن سيصدر قرارات تشكيل لجان التحكيم، سواء لجائزة نجيب محفوظ أو لبقية جوائز المعرض الاعتيادية.

معرض الكتاب جزء مهم جدا من صورتنا التي نصدرها للعالم، وجزء أصيل من ريادتنا الثقافية، ولا يصح أن يكون محاطا بهواجس ومخاوف، أو يظل يعاني من فراغ أو انعدام لرؤية، في ظل احتياجه لكثير من الاستعدادات اللوجستية، التي تحتاج بدورها لقائد أوركسترا يمكنه توصيل الدورة المقبلة إلى بر أمان، ومن الواجب حسم هذه المسائل العالقة، وتحديد رأس واضحة يمكن أن تدير حدثا بحجم "معرض القاهرة الدولي للكتاب"، وانتشال الدورة الـ 58 مما يحيط بها من أخطار، وتبديد ما يدور حولها من مخاوف مشروعة، وتساؤلات واجبة حول غياب الرأس، حتى لا نفاجأ بأن موعد الانطلاق باغتنام، فلم يتبق سوى ما يزيد قليلا على 120 يوما، ولعل هناك من ينتبه وينقذ صورتنا من هذا الفراغ المربك، وهذا الموقف المعقد.

 	عمر شهريار

عمر شهريار

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

وزارة الثقافة
كتاب "من تراث العقاد في مجلة الرسالة
معرض الفيوم الأول للكتاب.. حضـور جماهيرى وندوات ثقافية ثرية
فتاوى
سيدات
المعرض

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - اللاعبون و الجمهور

العائلة الكبيرة هجّت من حر شوارع القرية إلى حدود شط النيل.. جمعوا أنفسهم، من الرجال إلى الأطفال، منهم من لم...

شخصيات لها تاريخ «115» جورج واشنطن.. أبو الأمة الأمريكية

جده جاء من بريطانيا واشترى مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية فى ولاية فيرجينيا ووالده كان يعمل قبطاناً بحرياً تولى مهام...

ماذا يتبقى من أغانى الشيخ إذا حذفنا كلماتها؟ «2:2»

محمد العسيرى: قيمة إمام لا تسقط باستبعاد نجم الحالة الذكورية فى حياته خلقت نوعًا من الحدة و «النشفان» فى ألحانه...

قبل 4 شهور من انطلاقه .. معرض الكتاب فى خطر

الدورة ال 58 من المعرض بلا رأس ولا رئيس.. بعد أن كانت سابقتها برأسين ورئيسين الدورة المقبلة تعانى حتى الآن...