الجوائز مهمة للفت الأنتباه للتجارب الأدبية القاضى والأديب يشتركان فى محاولة فهم «لماذا يفعل الإنسان ما يفعله؟»
وليد مكى كاتب وروائي لفت الأنظار بتنوع إبداعه وتميزه، حيث يكتب تجربته الأدبية الخاصة، فمن خلال أعمال روائية مميزة مثل "دروب أصفون" و"سواكن الأولي"، استطاع أن يقدم عالماً سردياً يمزح بين الواقع والأسطورة، ليطرح أسئلة تتعلق بالهوية والأنتماء. أيضا له كتاب يصنف كأدب رحلات بعنوان "حكايات على الحدود". حصل مؤخراً على المركز الأول بجائزة ساويرس الثقافية لعام 2026 فرع الرواية، عن روايته "سواكن الأولى".
تحدثنا معه عن تجربته الإبداعية والجائزة وعن عمله القادم.
حدثنا عن رواية "سواكن الأولى"؟
رواية كتبت على أساس من الحب الحب الواعي للمكان والناس، القائم على سبر أغوار مواطن القوة والوهن والمعضلات الإنسانية في تلك البقاع. تبدأ الحكاية بتغيب الشاب "همد"، لينطلق قومه في رحلة بحث مضنية بين ركامات الجبل وأمواج الساحل، حتى يجدونه عالقا في مشهد يمزج بين الواقع والأسطورة داخل غيمة بيضاء تعلو قمة جبل "إلبا". ومن تلك اللحظة، تتوالى الوقائع لتكشف عن مجتمع ثرى بتراثه، متشابك في علاقاته، ومشتت في مصائره ومآلاته.
كيف أجريت بحثك عن مجتمع البشارية وثقافته؟
المعايشة هي الأساس.. على مدار خمس سنوات كان لا بد من زيارة المنطقة هناك على حدود مصر والسودان، ولا زلت مواظبا على هذه الزيارة كل عام، فالمكان ترى إنسانيا إلى أقصى حد. وكان هناك أيضا بعض الدراسات الإجتماعية والأنثروبولوجية والتاريخية، بالإضافة طبعًا للتجارب الأدبية التي تحدثت عن هذا المجتمع، أو مجتمعات متداخلة معه، كمجتمع العبابدة.
روايتك تمزج بين الواقع والأسطورة بشكل واضح، هل كان ذلك هروباً من صعوبة تقديم واقع صادم بشكل مباشر ؟
مطلقا، في هذه البيئات الأدبية لا يمكن فهم الواقع إلا من خلال الأسطورة. مجتمعات جنوب مصر كلها - في ظني يمكن فهمها من خلال أساطيرها. مسألة تعامل البشارية ونظرتهم للجن مثلا كيف يمكن تقديمها إلا عبر محاولة تحليل أساطيرهم ارتباطهم المقدس بجبل "إلبا". هل يمكن فهمه من مجرد ارتباطهم به کمكان تواجد أم الأدق تحليل أسطورة "أوبا "كوكا" المتواترة عندهم؟ إنه أحد أجدادهم العظام الذين ارتبطوا بالجبل، لدرجة أنه - حسب الأسطورة - تحول إلى صخرة من صخور الجبل.
هل استخدام عنصر الجن كان رمزيا أم جزءا من الموروث الشعبي؟ وهل حضوره في الرواية كان له ضرورة فنية أم وسيلة لجذب القارئ ؟
النظر إلى مسألة الجن يكون في الإطار السابق في الرواية لا نقدم أفعالهم في إطار الكائنات الخارقة، رغم ما يحيط بهم من تصورات غيبية في الوجدان الشعبي العام الموروث الشعبي هناك يقدمهم ككائنات مؤنسنة في تجمعهم ومعاركهم واختلافاتهم ومؤامراتهم، وإن تصادف مع ذلك أن هذه الصورة الأدبية جذبت القارئ فهذا شيء مهم للكاتب أيضا، المهم ألا يأتي ذلك على حساب الضرورة الأدبية وسياقاتها.
إلى أي مدى استندت للموروث الشعبي في الرواية؟
بنسبة كبيرة لا شك. نحن أمام مجتمع محلی، مغرق في عوالمه، أي محاولة لتقديمه دون الاستناد إلى الموروث الشعبي الخاص به تكون مجرد عبث.
السرد في الرواية يبدو غير تقليدي في بعض أجزائه، هل تعمدت كسر الشكل الكلاسيكي للحكاية؟
على المستوى الشخصي لا أتعمد اختيار شكل معين الحكاية تختار أسلوبها وهذا من دلائل صدق الكتابة. بالطبع هذا لا يتعارض مع محاولات تجويد ما تم كتابته، والتي تتم عادة في مراحل المراجعة والمسودات النهائية.
هل القارئ العادي قادر على فك شفرات الرواية الغامضة، أم أنك تكتب لقارئ محدد؟
النص الأدبى ملك لكل من يقرأه، وكل قارئ يجد فيه صدى لتجربته الخاصة مهما اختلف مستوى اطلاعه.
إلى أي مدى يشكل المكان بطلاً في أعمالك؟
تخيلي مثلا مكانا مثل موضع جبل إلبا منذ نشأة الحياة على الأرض، وقبل ظهور البشر أيضا، كم حياة مرت بهذه البقاع، كم كائن حي عاش هناك منفردا أو في جماعات؟ عدد لا محدود من الحيوات. عمر الكاتب محدود بمدى زمنى معين قسرا، لكن النظر في الأمكنة ومحاولة استنطاق بعض الحيوات التي عاشت فيها مسألة مهمة، هي محاولة لتضييق سلطة الزمن علينا كبشر. هل يستحق المكان أن يكون بطلا - من هذه الزاوية - أم لا ؟
كيف تصف ملامح مشروعك الأدبى بين الرواية وأدب الرحلات؟
أنا كتبت أدب الرحلة مرة واحدة في كتاب "حكايات على الحدود"، وهو نتاج مرحلة البحث والمعايشة، تمهيدا لكتابة رواية "سواكن الأولى". بغض النظر عن مصطلح "المشروع الأدبي" الذي شاع استخدامه مؤخرًا، بحق وبغير حق فأي كتابة لا تجعل من الإنسان والمكان والزمان محورًا لها هي كتابة موقوتة بوقت ما، ولا يمكن لها الخلود.
حدثنا عن كتاب "حكايات على الحدود"؟
هذا العمل محاولة لتوثيق الثراء الثقافي والأنثروبولوجي المجتمع البشارية والعبابدة، في صعيد مصر وجنوبها الشرقي، وهو بحث يسعى لفهم الجذور التاريخية المشتركة التي تربط شعبى مصر والسودان. لقد ركزت على رصد التراث الشعبي المصري الأصيل في هذه المناطق، بوصفه رافدا مهما للهوية الوطنية، ومكملا للتاريخ المكتوب فالهدف إبراز كيف صهرت هذه المجتمعات المحلية عبر العصور قيم الانتماء والأصالة في قلب الصحراء المصرية.
ما الذي تعنيه "الحدود" بالنسبة لك، جغرافيا أم فكرة إنسانية؟
الحدود كجغرافيا هي وعاء تلك الفكرة الإنسانية؛ فالجغرافيا ترصد حركة البشر وتفاعلهم مع المكان عبر العصور. وفى ختام "حكايات على الحدود"، أردت التأكيد على أن الحدود السياسية - رغم قدسيتها واستقرارها ليست هي العائق أمام التواصل الثقافي هناك حدود أخرى شغلتني كأديب، وهي "حدود الخيال" التي تتقاطع مع الواقع الحدود التي تضعنا أمام أسئلة الوجود الكبرى وتجعلنا نتأمل المسافة بين الصدق والوهم، وبين سعة الفكرة وضيق القالب الجغرافي.
ما أكثر موقف إنساني أثر فيك خلال هذه الرحلات وعرضته في الكتاب ؟
نظرة الشيخ على جامع عبد الله"، وهو أحد كبار ورموز قبائل العبابدة، تعكس حكمة فطرية في التعامل مع الجغرافيا. ذكر لي بخبرته الواسعة في دروب الصحراء الشرقية، أنه يدرك تفاصيل هذه الأرض الممتدة بجذورها وتاريخها. وحين سألته عن نطاق خبرته الجغرافية قال لى بعفوية ولهجة جنوبية صادقة "أنا يا ولدى بحرى القصير بشبر اسطوب يقصد Stop فخلف القصير تبدأ عوالم أخرى لا يدعى الشيخ على الإحاطة بها. هذا التواضع هو ما يصنع عظمة الشخصية المصرية في تلك المناطق.
هل كنت حريها على التوثيق الدقيق أم تركت مساحة للخيال؟
الخيال حاضر بلا شك.. لكن في كتابة أدب الرحلات لا بد ألا يتجاوز الخيال أطر الوقائع القائمة على الأرض.
في رواية "دروب أصفون" اعتمدت على رحلة داخل النفس الإنسانية، فكيف تعاملت مع هذا العمق النفسي؟
من خلال تحليل المكان وتاريخه أقصد محاولة تخيل فترة من تاريخه لم تسعفنا بها الكتابات التاريخية.
هل "أصفون" في الرواية مكان واقعى أم رمز لحالة إنسانية؟
أصفون قرية ضاربة في التاريخ المصرى شاهدة على تحولات كبرى منذ العصور الفرعونية، وصولاً إلى العصور الإسلامية بمختلف دولها في روايتي أتناول "أصفون" كنموذج للمكان الذي انصهرت فيه ثقافات وتيارات فكرية و تاريخية متعددة؛ فمن حقبة الفاطميين إلى الأيوبيين والمماليك، شهدت القرية تحولات اجتماعية وسياسية كبرى تجلت في أحداث درامية مثل ثورة محمد بن واصل زمن أحداث الرواية. ما يهمنی کروائی هو رصد هذا التراكم الحضاري، وكيف يكتسب المكان هويته الفريدة من صراع القوى، وتحولات الزمان، بعيداً عن أي تصنيف.
كيف كانت رحلتك مع الكتابة؟ ومن الكتاب الذين تأثرت بهم؟
الكتابة محاولة لفهم النفس أو تهذيبها. ليست الوسيلة الوحيدة، لكنها الوسيلة التي يرى كثير من الناس أني أجيدها. أما بخصوص الكتاب الذين تأثرت بهم فیدهشتی جدا نجيب محفوظ والطيب صالح وماركيز.
إلى أي مدى يمكن أن يقيدك عملك القضائي في حرية الكتابة؟
العمل القضائي، في جوهره، رحلة البحث عن الحقيقة، وهو ما يتطلب قدرا عاليا من الاستبصار وفهم أغوار النفس البشرية. حينما تبحث في بواعث الجريمة، فنحن نمارس نوعاً من التحليل العميق للظروف والسياقات التي أدت إليها وهذا الاقتراب من جوهر الإنسان ودوافعه، هو ذاته المنطلق الذي يتحرك منه الأديب الفرق أن القاضي محكوم بنصوص القانون وقواعد الإثبات، بينما الأديب يحلق في فضاء النص، لكن كلاهما يشترك في محاولة فهم لماذا يفعل الإنسان ما يفعله؟".
عناوين أعمالك تحمل طابعاً غير تقليدي، فكيف تختارها ؟ وهل تتعمد أن تكون صادمة للقارئ؟
من واقع النص ذاته ينبع الاسم. لا يوجد تعمد أن تكون العناوين صادمة أو غريبة. لكن من المهم كوجهة نظر تخص دور النشر - أن تكون العناوين جاذبة، فهى عتبة النص.
رواية "سواكن الأولى" ترشحت للعديد من الجوائز، وحصلت على جائزة ساويرس. هل الجوائز شهادة
على جودة العمل الأدبي ؟
الجوائز مهمة للفت الانتباه للتجارب الأدبية التي تستحق المطالعة، لكن في النهاية يظل ذلك رأى لجنة التحكيم التي تتغير كل دورة، وتتغير بالطبع رؤاها النقدية واتجاهاتها الأدبية.
ما مشروعك الأدبي القادم؟
رواية عن الجنوب أيضا، لكن تدور عن مجتمع القرية الصعيدية القائم تاريخها على الزراعة وتطورها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الحر اشتد، والشمس القوية في سماء الصيف صبت لهيبها بلا رحمة على رأس المرأة التي تمشي وحيدة في هذا الخلاء..
الشعر الحديث فى تألق مستمر ويستحق اهتمامًا أكبر من النقاد لم أهجر القصيدة.. لكنى توقفت سنوات لأعيد النظر فيما أكتب
(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ من ذريتي بواد غير ذي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ربَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي...