نادر ناشد: قصيدة النثر الأقرب لنفسى.. وهى مستقبل الشعر العربى

الشعر الحديث فى تألق مستمر ويستحق اهتمامًا أكبر من النقاد لم أهجر القصيدة.. لكنى توقفت سنوات لأعيد النظر فيما أكتب

الشاعر نادر ناشد واحد من الأصوات الهامة التي تشكلت عبر رحلة طويلة من الكتابة والتجربة، منذ بداياته في السبعينيات وحتى الآن استطاع أن يكون له فلسفته الخاصة ولغته التي تميز بها، صدر له العديد من الدواوين مثل "في سفر الزمن الآتي"، و"في مقام العشق"، و"المراوغ"، و"قلب يهوذا"، كما تمت ترجمة قصائده للعديد من اللغات، وفي هذا الحوار نقترب من تجربته الشعرية، ونتعرف على ملامح رحلته، ورؤيته للقصيدة وتحولاتها عبر الزمن.

نشأت في مدينة ميت غمر المنصورة، كيف كان تأثير هذه النشأة عليك كشاعر؟

كان من حظى أن أبدأ حياتي الأدبية في مدينة هادئة - وليست العاصمة القاهرة - فكان لهذا الهدوء أثره على تربيتي وثقافتي أسهم مع ذلك بيتي الهادئ، فقد نشأت في أسرة لها قدر كبير من العلم والاهتمام بالكتب، فكان والدى مهندسا ناجحا، تفکیره علمی لكنه كان محبا للآداب، وخاصة قصائد العمالقة، فكان يحفظ ويكرر أبياتا لأبي العلاء المعرى والمتنبي وأبي تمام وأحمد شوقي.. وكانت أمي خريجة الأمريكان بطنطا. فكانت ثقافتها عميقة جدا، تجيد اللغة الإنجليزية مثل الإنجليز، وبعدها اللغة الفرنسية، وفى المقابل كانت تجيد اللغة العربية، وتغضب جدا إذا وجدت أخطاء في كتابة النحو والبلاغة. وسط هذا الجو الصحى تربيت على حب الآداب والفنون والشعر.. وخاصة أن أبي كان يمتلك مكتبة عملاقة بها أمهات الكتب والمجلات الأدبية ومجموعات سلسلة "كتابي" التي كانت تقدم أهم الروايات والمسرحيات العالمية، وأعداد مجلة "الرسالة"، ومجلة "المجلة" التي كان يصدرها الأديب سلامة موسى. قرأت مبكرا قصائد عباس محمود العقاد وإبراهيم ناجي، وعلى محمود طه. هذا المناخ المثالى صنع لى رؤية أدبية مبكرة وحين بدأت كتابة الشعر، كنت متخوفا أن يغضب أبي أو يستخف بما أكتب ولكني فوجئت به يشجعني ويفرحبكتاباتي. ويعرض ما أكتب على أصدقائه الذين سعدوا جدا بما أكتب.

من الكتاب الذين تأثرت بهم خلال مسيرتك الإبداعية؟

بعد دخول كلية الهندسة.. بدأت مرحلة النشر، زرت مجلة "الجديد" التي كان يصدرها الأديب الكبير الدكتور رشاد رشدی و قدمت مجموعة من قصائدي وكم كانت فرحتى باحتفاء المجلة بقصائدى بل كانت شديدة الكرم وأذكر أن أحد أعداد المجلة نشرت فيها دراسة عن أثر الشاعر أحمد رامي في تجديد القصيدة الرومانسية، وفى نفس العدد نشرت لي قصه قصيرة وقصيدة.. وكان هذا الحدث مثار دهشة زملائي من طلاب كلية الهندسة.. ولكن الأهم أن الكاتب الصحفى السيد سالم قال لى إن الأستاذ أحمد رامي أبلغ الدكتور رشاد رشدى أن الدراسة التي كتبتها في المجلة كانت مميزة، وأكد رغبته أن يراني، وقابلته في أكاديمية الفنون، وكان اللقاء مثمرا، وتعلمت منه مجموعة من القيم الأدبية والنصائح التي مازلت أتعلم منها حتى الآن. وكان أول العمالقة الذين تعلمت منهم. كان مقر مجلة "الإذاعة والتليفزيون"، وقتها، مجاورا لمجلة "الجديد" على كورنيش النيل، ففكرت أن أجرب حظى في الإذاعة والتليفزيون، وقدمت قصائدي للراحل الكبير جلال العشرى. وكان ناقدا أدبيا مثاليا، ونشر لي قصيدة في عدد مميز احتفالا بالذكرى الثانية لانتصاراتنا في حرب أكتوبر ۱۹۷۳. وبعدها نشر لي الكثير من القصائد، وعرفني بعد ذلك على الشاعر الفنان مجدى نجيب، وهو إنسان الحديث عنه يطول، لأنه عالمي بكل المقاييس، وكان شديد التواضع والإنسانية وكان محبا للجميع.. وكنت أرى أن هذا هو نموذج الشاعر المثالي.

فؤاد حداد، أول من قدمك للجمهور، حدثنا عن هذه التجربة؟ وكيف تعرفت عليه ؟

توجهت إلى مجلة "صباح الخير"، ونشر لى حداد قصائد كثيرة، وكان مشرفا على باب أدبى مهم اسمه "قال الشاعر". وحاولت أن أتعرف عليه، ولم أتخيل مدى الإنسانية والجمال في شخصية هذا الرجل، ويوم رحل فؤاد حداد أحسست باليتم والحزن الشديد، وحين زرت منزله لأداء واجب العزاء لأسرته كانت المفاجأة أن ابنه أمين حداد - وهو شاعر كبير - يستقبلني باحتفاء شدید ثم شدنى وقال لأمه: "نادر يا أمى يا ما والدى كلمنى عنه كتير"، وفكرت كيف لهذا الشاعر الكبير أن يكلم زوجته وابنه عن شاعر شاب مجهول.. ولكن هذا كان حال المجتمع الأدبي في هذا الزمن الجميل !!

بين أول وآخر عمل لك، ما أبرز التحولات في لغتك الشعرية؟

تغيرت لغتي الشعرية كثيرا. أولا كنت أميل للغموض، وأسعى لاختيار الألفاظ الصعبة أو أحيانا المهجورة، لكي أبدو أمام القارئ أنني من الكبار المهمين. تدريجيا، اكتشفت أن البساطة والكتابة بأسلوب قريب إلى الناس خير الأساليب. كنت متأثرا بالشاعر صلاح عبد الصبور بصورة كبيرة، ثم تأثرت بالشاعر أمل دنقل، والشعراء العرب عبد الوهاب البياتي وخليل حاوى وخلیل خوری والسياب، ولكني تأثرت جدا بالشاعر محمد الماغوط وبسرعة أحسست أنه لابد من تصحيح مساري الشعرى. حتى لا أكون صورة لهؤلاء. والناقد الكبير الدكتور مدحت الجيار قال في ندوة بأتيليه القاهرة منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما رصدت تأثر نادر ناشد بالشاعر محمد عفيفي مطر وبالشاعر والت ويتمان.. ولكنه تميز في قصائدة الأخيرة".

مصر حاليا كيف ترى المشهد الشعري ؟

الشعر منذ أكثر من عشر سنوات يعيش حالة ضياع أو تشتت، وكثرت التبريرات فقال أحد الشباب نحن جيل بلا أساتذة". وقال آخر غياب النقاد الجادين المتابعين هو السبب وراء سقوط الشعر... بينما رأى الناقد الكبير الراحل الدكتور جابر عصفور أن هذا زمن الرواية، وأن الرواية نجحت في الإطاحة بالشعر ولم ينجح في تأكيد هذه الحقيقة لأنه أعتمد فقط على أن الجمهور هو الذي رسم ذلك الطريق.. وأنا أرى أن حركة الشعر الحديث في تألق مستمر، وتستحق الاهتمام الأكبر من المتابعين والنقاد. ولكن لم ينصفنا كثيرون، فقد سكن الكبار إما بالموت مثل الدكاترة لويس عوض وعبد القادر القط، وعلى عشري زايد وإبراهيم فتحى وعبد المنعم تليمة وسکوت آخرين سواء بالاعتكاف أو الهجرة والحياة خارج مصر مثل الدكتور ماهر شفيق فريد الذي يعيش حاليا في لندن، بعيدا عن كل المعارك ومثله الدكتور صبري حافظ وغيرهما وهكذا... فالساحة الأدبية تحتاج إلى عودة الكبار فريدة النقاش ومدحت الجيار وغيرهما ... لأن الحصاد كثير لكن الفعلة قليلون.

ديوان المراوغ صدر في 2004. ثم توقفت 17 عاما وعدت مرة أخرى بديوان "قلب يهوذا" في 2021، فما سبب التوقف ثم العودة مرة لكتابة الشعر؟

لم أهجر الشعر أبدا، ولن أجد بديلا، ولكني توقفت هذه السنوات الطويلة لأعيد النظر في ما كتبت، وما أريد أن أسعى لكتابته وأتمنى أن يفعل كل مبدع ذلك. ففي عام ۲۰۱۰ أصدرت ديوانا بعنوان "مختارات نادر ناشد في العاصمة السورية دمشق.. وأصدرت مسرحية شعرية عام ٢٠١١ في لبنان بعنوان صيرورة البحث والفقد" ثم عدت عام ۲۰۲۱ و نشرت دیوان "قلب يهوذا"، ولا أجد سببا للعودة للشعر لأننى لم أتركه أبدا.

النبرة في ديوانك "سفر الغضب الآتي" تبدو مشحونة، هل كان ذلك انعكاسا لمرحلة عمرية أم موقفا من العالم؟

الخياران مناسبان لحالتي وقتها، كانت بدايات الشباب المتمرد، وكنت حائرا بین طموحاتی کشاب يسعى للأفضل وبين واقع لم أشعر أنه يمكن أن يحقق طموحاتي. ولكني كنت أعاند كل الأوضاع، لكي أصل إلى ما أريد أن أحققه، وفي نفس الوقت كان موقفا من العالم، تخيلت أنني سأعيش حياة معقولة أو شبه محتملة، ولكن الأزمات الحياتية كانت تتفاقم. والإحساس أن العالم أمامي غير محتمل.

هل كان ديوان "في مقام العشق" تجربة وجدانية أم فلسفة للحب؟

سعيت لأن أكتب ما يمكن أن يكون فلسفة للحب، وهو طموح أكبر من طاقتی ولکنی حاولت، وهذا الديوان له في قلبي مكانة ومكان، كتبته بين عامی ۱۹۸۸ و ۱۹۸۹ بین القاهرة وبيروت ونشرته عام ۱۹۹۱ في بيروت. وقصائده قريبة إلى نفسي لأنها تخلو من أي اعتبارات لغوية، أو شكليات زخرفية كنت أسعى إليها في دواويني السابقة لاستعراض ملكاتي وقدراتي. وأعتقد أنها حالة تصيب أغلب أو كل المبدعين.

ديوان "المراوغ" كان يوحى بالغموض وتعدد المعاني. هل هذا التحول كان مقصودا أم طبيعيا في تطور الكتابة؟

"المراوغ" كانت قصائده مشحونة بالغموض، ووقتها عام ٢٠٠٤، كان الصراع العربي العربي والعربي الغربي يوحى بتشتت وعدم وضوح رؤية، وكان كثير من ضباب الغموض العام يحيط العالم كله.. العراق كان في قمة معاناته وتدميره واختراقه، وسوريا كانت في بداية التمزق، وهكذا لبنان، واستمرار صراع الأحزاب والمليشيات، فكان لابد أن يسود الغموض قصائدي.

هل الغموض في الشعر ضرورة جمالية أم مخاطرة بالتواصل مع القارئ؟

ليس ضرورة بالتأكيد، إنما للغموض متعة في القراءة، مثلما هي في الكتابة وغير صحيح أنني أضحى بالقارئ بسبب الغموض. فكثير من الأعمال التي تتسم بالغموض حصلت على صكوك نجاحها وانتشارها بين المواطنين، وكثير منهم يميلون إلى الغموض، بل إن كثيرا من الأعمال الأدبية المباشرة، أو شبه المباشرة، قد يهجرها الجمهور.

هل تميل إلى البناء الكلاسيكي داخل قصيدة التفعيلة أم ترى نفسك أقرب لحرية قصيدة النثر؟

نشأت مؤمنا تمام الإيمان بالشكل الكلاسيكي للقصيدة العمودية، أجتهد فيها ولا أحاول أن أمسها أبدا، باعتبار أن هذا الشكل هو الأساس ولا أحد يمكن أن يقترب منه، ولكني بدأت في قراءة دواوين صلاح عبد الصبور وهذا الرجل هو الذي جعلني أتمرد على القصيدة الكلاسيكية، وبدأت في تطوير قصيدتي وكتبت قصيدة التفعيلة. ثم طورت كتاباتي لأدخل عالم قصيدة النثر وهو الأقرب النفسي، منذ أكثر من أربعين عاما، بل أرى أنه مستقبل الشعر العربي.

كيف ترى الصراع الدائر بين أصحاب القصيدة العمودية وأصحاب قصيدة النثر. وهل هذا الصراع في

صالح الشعر؟

قصيدة النثر نجحت في الإطاحة بأسماء مهمة، حدث ذلك منذ الخمسينيات من القرن الماضي نجحت قصيدة النثر. وحجبت أصواتا مهمة مثل أحمد رامي. وطاهر أبو فاشا، وعبد العليم القباني. وغيرهم.. هذا الطغيان الشعري كان يغرى بمزيد من النجاح، وقصيدة النثر تسير على الخطى السليمة. ولكني أرى أن هذا الصراع صحى ومفيد للطرفين لتطوير أعمالهم.

هل هناك ديوان تعتبره الأقرب إلى صورتك الحقيقية كشاعر؟

"قلب يهوذا" الأقرب لى لأنه مليء بتجارب حياتية مرتبطة بأدق مراحل عشتها. وإلى جانب ذلك، حاولت أن تكون اللغة الشعرية فيه مكتفة موحية وأن يكون شعبيا بالمعنى العلمي.. يقترب من الجمهور ولا ينفرون منه.

هل هناك نصوص لم تنشر لك وتعتبرها جزءا مهما من تجربتك ؟

بالتأكيد لدى نصوص كثيرة لها أهميتها في تجربتي ومشروعي الثقافي واحتفظ بمجموعة من القصائد، وتكون بين يدى باستمرار لأطورها وأجددها وأعتبرها ملاذي وثروتي.

إلى أي مدى أضافت الصحافة إلى شعرك؟ وهل العمل بالصحافة قد يضر الشعر؟

العمل بالصحافة يضر الشعر، حدث هذا عند الكثيرين، ولكني شخصيا حين دخلت الصحافة كنت محصنا بكثير من الخبرات التي تعلمتها من تجوالي. ولهذا اكتسبت مجموعة مفاهيم وأفكار يمكن أن تضمن عزل القصائد عن عالم الصحافة ومتاهاتها وأزماتها اليومية.. وأعتقد أننى عرفت كيف أستفيد من الصحافة لدعم عملي الشعرى إلى حد كبير.

هل دراستك للهندسة ساعدتك في ضبط الإيقاع داخل القصيدة؟

استفدت كثيرا من دراستي بكلية الهندسة، وخاصة أننى درست الهندسة المعمارية، وهي عبارة عن فن تصميم وابتكارات يومية.. إلى جانب الدراسة الهندسية التي تشمل علوم الإنشاءات والأعمال المدنية، وكل ذلك يدعم فن الشعر، ولا أنكر أنها علمتني الالتزام في كتابة القصيدة، والتركيز في الفكرة والاختزال في المفردات.

أنت من شعراء السبعينيات...هل هذا الجيل ظلم أم أخذ حقه؟

هذا الجيل حمل على عاتقه أمانة ومسئولية تجديد وتطوير الشعر في مصر، خاصة بعد ركود سنوات، والخروج من الجمود الذي أصاب القصيدة، وحاول طردها من ملف الإبداع العربي، حتى أن البعض حاول أن يختصر هذا الإبداع في الرواية. وهذا الجيل لم يظلم، ولكنه بعد كفاح واجتهادات سنوات حفر لنفسه مكانا ومكانة.

ما أحلامك الفترة القادمة؟ وماذا تريد أن تكتب حاليا؟

أتمنى الشعر أن يجد مكانه بين السنة الناس، وأن تتحقق نبوءة نزار قباني التي كان يتمنى فيها أن يكون الشعر كالماء والهواء، متوفرا لكل الناس، وكالقماش الشعبي وكالخبز.. الشعب الذي يفهم الشعر ويستوعبه يعيش متحضرا مميزا راقيا في حواره وفي مفهومه للحياة وللمرأة والتعليم والصحة والمعاملات الإنسانية.. حين يصل الحوار إلى أن يكون شعرا يكون هذا انتصارا للحياة وللحضارة. وبالنسبة لكتاباتي الحالية استعد لإصدار ديوان جديد نهاية هذا العام، كما انتهيت من كتابة رواية جديدة، وثلاث مسرحيات شعرية.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - ماشية السنيورة

الحر اشتد، والشمس القوية في سماء الصيف صبت لهيبها بلا رحمة على رأس المرأة التي تمشي وحيدة في هذا الخلاء..

وليد مكى: الكتابة محاولة لفهم النفس وتهذيبها

الجوائز مهمة للفت الأنتباه للتجارب الأدبية القاضى والأديب يشتركان فى محاولة فهم «لماذا يفعل الإنسان ما يفعله؟»

نادر ناشد: قصيدة النثر الأقرب لنفسى.. وهى مستقبل الشعر العربى

الشعر الحديث فى تألق مستمر ويستحق اهتمامًا أكبر من النقاد لم أهجر القصيدة.. لكنى توقفت سنوات لأعيد النظر فيما أكتب

مياه زمزم.. عبادة وطهارة وشفاء من الأمراض

(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ من ذريتي بواد غير ذي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ربَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي...